العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > خيمة صـيــد الشبـكـــة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: التلو فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى جزء في مرويات دعاء ختم القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: الجوع فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: النذر فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: الذنب فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: الغنى فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: سلاح التفاؤل (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: الوزير المحبوب و الملهم طارق المهدى (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: الوزير طارق المهدى (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: الفقه فى الإسلام (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
غير مقروءة 18-01-2011, 11:30 AM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

الفصل السابع: الاستقلال الوطني والقومي


يُعَدُّ الوطن العربي أكثر مناطق العالم احتكاكاً بالعالم الخارجي وتأثُّراً بالعوامل الخارجية لعدة أسباب منها موقعه الجغرافي الذي يتوسط العالم ويتحكم في أهم خطوط مواصلاته، ومكانتُه الثقافية والحضارية باعتباره مهداً للديانات السماوية الثلاثة، ولعدد من أهم الحضارات القديمة، كما لأهميته الاستراتيجية والاقتصادية كمستودع لأكبر مخزون لاحتياطيات النفط المؤكدة في العالم. ولقد كانت هذه العوامل والمعطيات تضيف إلى الوطن العربي، في مراحل صعوده، وتدعم مكانته على المسرح الدولي. لكنها كانت تشكّل أيضاً عبئاً ثقيلاً عليه في مراحل التراجع والانكسار بمقدار ما تغري القوى الخارجية بالتدخل فيه أو بسط السيطرة عليه وإفقاده استقلاله.

لقد كان الاستقلال الوطني والقومي –وما زال– شرطاً بديهياً من شروط النهضة وركيزةً أساساً من ركائزها. إذ لا يمكن لأي شعب أن ينهض ويتقدم إذا كان فاقداً لإرادته أو كانت إرادتُه مقيَّدة، كما لا يمكنه أن يحمي استقلالية إرادته وقراره إن لم ينجح في حماية أمنه الوطني أو القومي. ولأن أيَّ مشروعٍ للنهضة هو، في جوهره، مشروعٌ للاستقلال والأمن في آنٍ معاً، فمن الطبيعيّ أن يصبح الأمن أحد أهم أهداف المشروع النهضوي العربي.

وللوطن العربي اليوم خصوصية يتعذر في إطارها إحداث فصلٍ كامل بين البعد الوطني والبعد القومي لقضيتيْ الاستقلال والأمن. ومع أن مفهوم الاستقلال الوطني يبدو أقرب إلى واقع الحالة العربية الراهنة من مفهوم الاستقلال القومي – لأن الموجود فعلاً دولٌ وطنية "مستقلة" أو معْتَرفٌ لها بالاستقلالية من منظور القانون الدولي وليس دولة عربية قومية جامعة ومستقلة – إلا أن الاستقلال الوطنيَّ نفسَه ما زال يعاني من النقص والانتقاص الشديديْن. فإلى جانب أن مفهوم الاستقلال الوطني يشمل استقلالية القرار الوطني ويفترض الأمنَ الاقتصاديَّ والغذائيَّ من مقوِّماته، وهذا مما ليس متحققاً، فإن قسماً غيرَ قليلٍ من البلدان العربية ما زالت أراضيه رازحة تحت الاحتلال: كلاًّ أو بعضاً، وما زالت سيادتُه متراوحةً بين الفقدان الكامل والفقدان الجزئي والاستباحة الدائمة! فإلى فلسطين المحتلة منذ العام 1948 من قبل الحركة الصهيونية، انضاف احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وحليفاتهما في2003؛ بينما ظل الجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية قيد الاحتلال الصهيوني، وظلت مدينتا سبتة ومليلية والجزر الجعفرية المغربية محتلة منذ مئات السنين من طرف إسبانيا، وجزر "طنب الكبرى" و"طنب الصغرى" و"أبو موسى" الإماراتية محتلة من قبل إيران منذ سبعينات القرن الماضي، وخضع جزء من أراضي الصومال لتدخل إثيوبي مسلح منذ2006. وهذا إذا تغاضينا عن أراضٍ عربية أخرى تم الاستيلاء عليها ولم تعد الدول العربية المعنية تطالب بها.

إن خطورة وحيوية مسألة الاستقلال الوطني والقومي، والأمن الوطني والقومي استطراداً، تدفعها إلى موقع الأولوية من ضمن أولويات أخرى في المشروع النهضوي، وتفرض الحاجة إلى صوغ استراتيجية عمل شاملة لتناولها في وجهيْها المترابطين: الاستقلال والأمن، لاتصال ذلك بتأمين القاعدة الارتكازية لتحقيق سائر عناصر المشروع النهضوي العربي وأهدافه الأخرى. وتتزايد الحاجة إلى هذه الاستراتيجية في ضوء الخبرة التاريخية التي أثبتت أنه كلما أخفق الوطن العربي في صناعة أمنه القومي وحماية استقلال إرادته وقراره، أخفق في صون أمنه وحماية أراضيه وسيادته من الأطماع الأجنبية بل من جيوش الغزاة الزاحفين عليها. وكان فشلُهُ في تسوية نزاعاته الداخلية – ومنها النزاعات الحدودية بين دوله – مدخلاً إلى تمكين القوى الأجنبية المعادية من التدخل في شؤونه والنيل من سيادته، كذلك أصبح احتلال هذه القوى المعادية لأراضيه، وبصفة خاصة الاحتلال الصهيوني لفلسطين والاحتلال الأمريكي للعراق، مدخلاً إلى إعادة تمزيق كياناته الوطنية من خلال دقّ الإسفين بين الجماعات المختلفة المكوّنة للجماعة الوطنية، وتوظيف تمايزاتُها الثقافية أو الإثنية في توليد انقسامات سياسية وإنتاج فتن طائفية وحروب أهلية ترهن الوطن برمته لسياسات الدول الاستعمارية وإدارتها.


1- استراتيجية الاستقلال الوطني والقومي

يَقع ضمن هذه الاستراتيجية تحقيق أهداف خمسة: تحرير الأرض من الاحتلال، مواجهة المشروع الصهيوني، تصفية القواعد العسكرية الأجنبية، مقاومة الهيمنة الأجنبية، بناء القدرة الاستراتيجية الذاتية.

أ- تحرير الأرض العربية

لا يستقيمُ استقلالٌ وطنيٌّ أو قوميٌّ ولا يكتمُل إلا ببسط السيادة على كامل الأرض العربية وتحريرها من أيِّ احتلالٍ أجنبي. ومن أجل هذا الهدف، يتعين التوسُّل بكافة الوسائل المتاحة بما في ذلك الوسائل العسكرية (النظامية والشعبية). وحيث تكون هذه الوسائل مشروعة ومطلوبة في مواجهة الاحتلال الأجنبي، يُسْتَحْسَن التفكير في نهجٍ سياسيٍّ تفاوضي حين تكون القوة المحتلة منتمية إلى دائرتنا الحضارية كما هي الحال مع إيران التي تحتل أراضٍ عربية.

ب- تصفية القواعد العسكرية الأجنبية

إن وجود أية قاعدة عسكرية على أية بقعةٍ من الأرض العربية مظهرٌ خطير من مظاهر فقدان الأمن والاستقلال والسيادة. وقد ناضلت الحركة القومية العربية، في سنوات الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، من أجل تصفية القواعد الأجنبية وإلغاء التسهيلات العسكرية الممنوحة لقوىً أو لأحلافٍ خارجية. ولقد أتتْ هذه القواعد تُطِل برأسها من جديد على منطقتنا بعد التحولات التي طرأت في النظامين العالمي والإقليمي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب الأطلسية على العراق في مطالع التسعينيات من القرن الماضي. واليوم، تعُج أجزاءٌ كثيرة من الوطن العربي بقواعدَ وتسهيلات عسكرية أصبحت تتجاوز مجرَّد فرض القيد على القرار والإرادة والاستقلال إلى تهديد أمن الوطن العربي وسلامته.

إن تصفية هذه القواعد، وإلغاء هذه الامتيازات والتسهيلات العسكرية الممنوحة للقوات الأجنبية، تقع في مقدمة الأهداف التي على حركة النضال العربي، المسترشدة بالرؤية النهضوية الشاملة، العمل من أجل تحقيقها صوناً لأمن الوطن وسلامة أبنائه، وحمايةً لإرادته واستقلالية قراره. وإن نجاح قوى المشروع النهضوي العربي في تصفية هذه القواعد سيرتبط – من ضمن ما سيرتبط به – بمدى نجاحها في استيلاد آليات فعّالة لتسوية المنازعات العربية – العربية بالوسائل السلمية من جهة، وإيجاد نظامٍ فعّال للأمنِ الجماعيِّ القوميّ يَدْرَأُ التهديدات الخارجية ويدفع الأخطار المحدقة بالوطن العربي.

ج- مواجهة المشروع الصهيوني

بعد سلسلة من الهزائم العسكرية التي دشنتها حرب العام 1948، وسلسلة من الهزائم السياسية التي دشنتها اتفاقيتا كامب ديفيد (1978)، والتصحيح النسبي للخلل الاستراتيجي في الصراع العربي–الصهيوني الذي نهضت به حرب تشرين الأول/أكتوبر (1973) وإسقاط "اتفاق 17 آيار/مايو" في لبنان (1983)، وتحرير المقاومة للجنوب اللبناني (أيار/مايو2000) وانتصارها التاريخي على العدو الإسرائيلي في2006، وانتفاضتا 1987 و2000 في فلسطين، وبعد سقوط أوهام التسوية التي أطلقتها "كامب ديفيد" الأولى (1978) – و"اتفاق أوسلو" (1993) و"وادي عربة" (1994) واتفاقات التطبيع الاقتصادي مع العدوّ الصهيوني – وأَنْهَتْهَا اللاءات الفلسطينية في "كامب ديفيد" الثانية (تموز/يوليو2000)، بات يَتَعَيَّن على الأمة العربية ونخبها وقواها الحية أن تستعيد إدراكَها لخطورة المشروع الصهيوني على مستقبل الوطن العربي ومصيره – وضمنه مستقبل فلسطين ومصيرها – وأن تُطْلِقَ برنامجاً قومياً للمواجهة طويلة الأمد مرتكزاً إلى العناصر والأسس التالية:
أولاً: تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وحقوقه كاملة، وتقديم الدعم الماديّ والسياسيّ له عبر إحداث صندوق خاص لهذا الغرض يَفِي بسائر احتياجاته الحياتية والمدنية ويرفع عنه ضائقة الحاجة والفقر والتهميش، وتمتيع اللاجئين من أبنائه في البلدان العربية بحقوقهم المدنية والسياسية كافة مع التمسك برفض مبدأ التوطين باعتباره آلية لتصفية حق العودة.

ثانياً: التأكيد على إفلاس نهج التسوية مع إسرائيل خاصة في إطار تبني النظام العربي الرسمي شعار السلام "كخيار استراتيجي وحيد" وإسقاطه مبدأ أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

ثالثاً: تقديم الدعم والإسناد للمقاومة وللمؤسسات الوطنية في فلسطين، ورعاية حوار دائم بينها من أجل تعزيز الوحدة الوطنية ووحدة قوى المقاومة وتطوير منظمة التحرير بما يواكب التغير في الخريطة السياسية الفلسطينية.

رابعاً: التمسك العربي بالثوابت القومية المتمثلة في عدم التفريط بأي حق من حقوق الأمة العربية في فلسطين، وفي عدم الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني، أو التنازل له، أو عقد اتفاقات معه؛ والتمسك بمبدإ مقاطعته اقتصادياً ومقاطعة المؤسسات المتعاملة معه.

خامساً: الضغط من أجل تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، وتبنِّي استراتيجية دفاعية لمواجهة خطر المشروع الصهيوني تُسَخَّر لها – وفيها – كافة الموارد العسكرية والمالية والسياسية المطلوبة والمناسبة.

سادساً: إقامة السياسة الخارجية العربية مع القوى الدولية والإقليمية على مقتضى موقفها من الصراع العربي – الصهيوني ومن الحقوق الوطنية الفلسطينية والحقوق القومية العربية، واستعمال العرب لأوراق الضغط التي في حوزتهم، وبصفة خاصة النفط، والأرصدة المالية لدفع القوى الحليفة للكيان الصهيوني إلى مراجعة مواقف الانحياز لديها.


د- مقاومة الهيمنة الأجنبية بأشكالها كافة

ولقد زادت وطأة هذه الهيمنة بعد زوال الحرب الباردة وانهيار التوازن الدولي وانفراد القطب الواحد الأمريكي بإدارة شؤون العالم، ثم بانهمار وقائع العولمة وما في جوفها من تحوّلات باعدتِ الفجوة بين الأقوياء والمستضعفين في العالم. وإذا كان دفْع تحديات الهيمنة والعولمة يحتاج إلى ترتيب الداخل العربي من خلال إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلوبة، قصد التكيف مع عالمٍ أصبح ينهض فيه العلم والتقانة والمعلومات بدورٍ حاسم في تشكيل معايير القوة ومحدّداتها ومؤشراتها، وقصد كفِّ الأشكال المختلفة من الاستباحة التي يتعرض لها الوطن العربي للاستيلاء على موارده وثرواته أو لمصادرة حرية قراره وفرض شروطٍ أو صفقات غير متكافئة عليه...، فإن نهوضه بأمر مواجهة تلك التحديات قد يتجاوز قدرته وإمكانياته الذاتية وحده إن لم ينخرط في علاقاتٍ من التعاون والتنسيق مع كافة الأمم والدول المتضررة من فعل الهيمنة الأمريكية، والمُنَاهِضَة للعولمة المُجْحفة أو المطالِبة بعولمةٍ أكثر إنسانية، والداعية إلى قيام نظامٍ عالمي متعدد ومتوازن القوى والمصالح.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 18-01-2011, 11:30 AM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

هـ- بناء القدرة الاستراتيجية الذاتية

إن الوطن العربي لا يملك حماية استقلاله وأمنه ومكتسباته دون حيازة قدرة استراتيجية ذاتية: دفاعية وتنموية وعلمية وتقانية، يتحصن بها الاستقلال والأمن. إنه في حاجة إلى انتهاج استراتيجية تستهدف الاستخدام الأمثل للموارد والقدرات المتاحة بشكل منهجي ومدروس وتجنيدها في سياسات تنموية قادرة على توفير أجوبة للحاجات الاقتصادية والاجتماعية للوطن والمواطنين. وهو في حاجة إلى تنميةٍ علمية يتغذى منها المجال المعرفي وتتغذى منها التنمية الاقتصادية. وهو في حاجة إلى إعادة توطين التقانة وصولاً إلى إنتاجها. ثم إنه في حاجة إلى تطوير منظومته الدفاعية بتطوير البحث العلمي في المجال الدفاعي وبناء صناعة عسكرية عربية مشتركة متقدمة وعصرية لتحرير القرار الدفاعي العربي من شروط وإملاءات القوى المتحكمة في سوق السلاح. وليس في وسع أية دولةٍ عربية بمفردها أن تنهض بذلك لأن مواردها المحدودة لا تسمح به. وعليه، لا مناص من إطلاق استراتيجية قومية عربية للتنمية تعتمد التكامل والاندماج من أجل تعظيم القوة وبلوغ هدف حيازة القدرة الاستراتيجية الذاتية.

ولكي تضمن استراتيجية حماية الاستقلال الوطني والأمن القومي العربي النجاح في مواجهة ن جزءاً من استراتيجية ممانَعَةٍ كونية بين القوى المتضررة من الهيمنة الأمريكية على مصير العالم، والرافضة لتلك الهيمنة، في أفق تصحيح حال الخلل القائمة في التوازن الدولي، وإصلاح مؤسسات الأمم المتحدة على مقتضى العدالة والديمقراطية والمشاركة المتوازنة في صناعة القرار، وبما يضمن مصالح الإنسانية جمعاء، وخاصة شعوب "العالم الثالث"، من أجل بناء نظام عالمي جديدٍ حقّاً للأمن والسِّلم والتعاون والفرص المتكافئة. ولا شك أن القوى التي تجمعنا بها قواسم حضارية مشتركة تأتي في مقدمة القوى الحليفة للعرب في مسعاهم من أجل بناء هذه الاستراتيجية.

2- استراتيجية الأمن الوطني والقومي


إن نقطة الانطلاق في تصحيح وضعية الاستباحة للأمن العربي بشقيه الوطني والقومي تكمن في صياغة مفهوم عربي مشترك يستند إلى المصلحة القومية، ويضع المصالح القطرية في اعتباره مع التأكيد على أن هذه المصالح لا يجب أن تشكل أدنى تهديد للأمن العربي ككل، ويتطلب هذا إجراء مراجعة موضوعية لكل المحطات البارزة في التاريخ العربي المعاصر منذ انطلاق فكرة مشاريع النهضة والوحدة العربية لاستخلاص الدروس من الأخطاء التي ارتكبت، وتحديد الفرص الضائعة التي ألحقت ضرراً فادحاً بالأمن القومي والعربي. وتنطوي استراتيجية الأمن الوطني القومي على بعدين أحدهما عسكري والثاني غير عسكري.

أ- استراتيجية الرّدع

وتقوم على مبدإ تنمية المقومات والعناصر اللازمة لردع العدو عن القيام بأي عمل عسكري ضدّ أية بقعة من بقاع الوطن العربي. وهذا يتطلب بناء منظومة دفاعية من قوات بحرية وجوية وبرية عصرية مجهزة بأحدث المعدات ومدرَّبة على أحدث فنون القتال وبأعداد كبيرة، ومن نظام معلومات ورصد واستخبار عسكريّ متطور. ومن دون قيام صناعة عسكرية عربية متقدمة تلبي احتياجات الجيوش، سيظل استيراد السلاح قيداً على استراتيجية الردع، كما إنه من دون حيازة قوة ردع استراتيجية – مثل السلاح النووي – لن يكون في وسع الوطن العربي ردّ الأخطار التي تُحدق بأمنه واستقلاله. وهذا ما أدركتْه في السابق دول مثل الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية، فكان حافزاً لها على الانصراف إلى إقامة صناعة عسكرية تلبي احتياجاتها، وإلى بناء منظومة ردع نووي تقيها الأخطار الخارجية.


ب- مواجهة التهديدات غير العسكرية

ومن هذه التهديدات خطر المشاريع السياسية المطروحة على النظام العربي سواء لتفتيته وإلحاقه بكتل إقليمية وعالمية تضيع فيها هويته، أو لتسوية صراعاته الإقليمية وعلى رأسها الصراع العربي-الصهيوني على النحو الذي يصفي الحقوق الفلسطينية والعربية، ولن تكون مواجهة هذه المشاريع ممكنة بغير بلورة رؤية عربية مشتركة واعتماد النهج التفاوضي الجماعي بشأنها، والقضاء على الأوضاع التي تيسر الاختراق الأجنبي للأقطار العربية واستقواء قوى سياسية داخل هذه الأقطار بذلك الاختراق.

من هذه التهديدات أيضاً المخاطر التي باتت تحيط باللغة العربية من أكثر من مصدر سواء نتيجة تفشي مؤسسات التعليم الأجنبي في الوطن العربي أو النزوع إلى تعزيز اللهجات المحلية على حساب اللغة القومية، أو الإفراط في الاعتماد على العمالة الأجنبية وما يستتبعه ذلك من دخول مفردات لغات أجنبية في الحياة اليومية العربية بما في ذلك تربية النشء في بعض الأقطار العربية، ولن تكون مواجهة هذه التهديدات ممكنة دون العمل على تحقيق السيادة الفعلية للغة القومية في الإدارة والتعليم والثقافة والعلوم بما في ذلك العمل على تعريب التعليم في الكليات العلمية العربية.

ومن هذه التهديدات خطر فقدان الأمن المائي والغذائي والأمن العلمي والتقني، الأمر الذي يهدّد بفقدان الاستقلال والإرادة والارتهان الدائم للأجنبي، ناهيك بالسقوط في دوامة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لعدم القدرة على توفير الغذاء والماء ومستلزمات الحياة.

من ناحية أخرى لا شك أن ظاهرة العمالة الأجنبية في الوطن العربي باتت تمثل خطراً داهماً على الأمن القومي العربي والاستقرار الداخلي في وحداته ناهيك عن أنها تضرب أصلاً فكرة التكامل القومي في جوهرها، والأمر المؤكد أن استفحال هذه الظاهرة يهدد بمزيد من استتباع الأقطار العربية خاصة وأن قطاعات واسعة من هذه العمالة تنتمي إلى قوى إقليمية ذات شأن، ويفاقم من هذا التهديد الأوضاع المتردية للفئات الدنيا من هذه العمالة. ومع التأكيد على ضرورة حصول هذه الفئات على حقوقها الاقتصادية والاجتماعية فإن الأمر من منظور الأمن القومي العربي يتطلب إعادة نظر شاملة في سياسات العمالة في الوطن العربي يجب أن تفضي إلى استراتيجية قومية تعتمد على العمالة العربية بصفة أساسية في تلبية الاحتياجات للعمالة في الأقطار العربية.

كما يتعرض الوطن العربي إلى عمليات تدمير منهجية للبيئة حيث تحول العديد من مناطقه إلى مستودعات للمواد السامة المشعة والملوثة بتواطؤ داخلي في أغلب الأحيان. ولابد من موقف عربي جماعي رسمي يواجه هذه الظاهرة وتداعياتها الخطيرة على الأمن البيئي العربي، ويتضافر مع قوى المجتمع المدني الفاعلة من أجل بيئة عربية آمنة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 18-01-2011, 11:34 AM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

الفصل الثامن: آليات تحقيق المشروع


يحتاج كل مشروع إلى آلية عمل للتحقيق تتناسب مع قواهُ الاجتماعية وتَلْحَظُ مواطن القوة ومواردها في المجتمع وهذا ما ينطبق على المشروع النهضوي العربي حيث آلية تحقيقه تفترض أخذ المعطيات التالية في الحسبان.

1- القوى الاجتماعية والسياسية والوسائل النضالية


في أي تصوُّرٍ للقوى الاجتماعية والسياسية العربية التي قد تكون الحامل التاريخي للمشروع النهضوي؛ وفي أي تقديرٍ للوسائل النضالية المفترض أنها الأنسب للاستعمال من أجل تحقيق ذلك المشروع، لا بدّ من التشديد على الموضوعات النظرية والسياسية التالية:
أ- إن أخطر ما قد يتعرض له المشروع النهضوي، عند تصوُّره آليات تحقيقه، هو النظر إليه بما هو كُلٌّ لا ينتظر سوى التحقُّقَ دفعة واحدة، بدلاً من النظر إليه بما هو سلسلة من المسارات المختلفة والمتفاوتة، وسلسلة من التراكمات المحكومة بقانون التفاوت في التطور.

ب- لا شك أن المشروع النهضوي العربي يستند إلى قاعدة عريضة من القوى صاحبة المصلحة فيه، ومع ذلك لابد من الانتباه إلى أن القوى الاجتماعية العربية في حالةِ حَرَاكٍ شديد وسيولةٍ في وقائع التحول. ولذلك، فإن كل تعيينٍ مبدئي لقوى افتراضية (قوى الشعب العاملة، الأمة، النخبة، الكتلة التاريخية... إلخ) قد يصطدم بوقائع اجتماعية معاكسة أو قد يُسْقط من الحسبان قوًى جديدة أو صاعدة ربما يرشحها الواقع لأدوار كبيرة. ولذلك، فإن أهداف المشروع النهضوي وقضاياه ستظل تنتج قواها الاجتماعية التي تحملها حين تجد مصلحة فيها. ومن الضروري في هذا السياق ضمان مساندة الجماهير العربية للمشروع بحيث تحرص تلقائياً ودوماً على جوهره وتمنع أية قوى غير مؤمنة به أو ببعض جوانبه الأساسية من تعويق مسيرة النضال من أجل تجسيده وتوجيهها جهة أخرى. ويقتضي هذا أن تستمد من المقاصد النهائية للمشروع قائمة من المعايير والمؤشرات لتقييم عناصر القوة ومواطن الضعف، التي تنفذ منها التحديات، وتقدير القوى المضادة لمسيرته سواء في الداخل أو من الخارج والتحالفات بينها، وكيفية التعامل معها. وهنا يجب أن تحظى العوامل الآنية والمستقبلية وليس التاريخية بالاهتمام، مما يستدعي إيضاح التكاليف والمنافع لكل من شرائح المجتمع، في كل من الأجل القصير والطويل، والتنبيه إلى الآليات التي يمكن أن تلجأ إليها القوى المضادة، خاصة خلال المراحل الأولى التي يعظم حجم التغيير الذي يصيب الأوضاع القائمة للوطن العربي وشرائحه المختلفة.

وانطلاقاً من ذلك يتعين على منظري المشروع الوحدوي أن يلحظوا مكانة كل فئات وقوى الشعب العربي، بما في ذلك تلك التي قد يضر المشروع بمصالحها في مراحله الأولى. فعلى الرغم من أن القوى السياسية الذاتية للمشروع هي القوى التي ترتضي العمل بمبادئه، ويفترض أن تكون الأكثرية، فمن المؤكد وقوف فئات أخرى في المجتمع ضده. فئات قد أدت بها الظروف المحلية والدولية، والأثرة السلبية، إلى ربط نفسها ارتباطاً نفعياً بالأجنبي، وخلق المتعاونين المحليين الذين ييسرون تنفيذ مآرب هذا الأجنبي ويجنون من ذلك المنافع ضد إرادة معظم فئات الأمة ومصالحها، ومع مضي مشروع الوحدة العربية قدماً في حيز التنفيذ وبروز محاسنه وجني ثماره يزداد المقتنعون بجدواه ويتحولون إلى منادين به ومنضوين تحت لواء تنفيذه. ويلقى السائرون في ركب الأجنبي مصير سابقيهم.

ج- على الرغم من المسئولية التاريخية للفصائل القومية العربية تجاه المشروع النهضوي العربي الجديد، ومن ثم ضرورة خروجها من حالة التشرذم والانقسام التي تعاني منها فإن القوى السياسية للمشروع النهضوي ليست معطاة سلفاً، وإنما هي قوى قيد التكوين مع نموّ تناقضات الأنظمة الحاكمة، دون أن يعني ذلك تجاهل أدوار التيارات المتولدة عن الفترة السابقة: أي القومية واليسارية والإسلامية. ويجب توقُّع أفقيْن اثنيْن على الأقل: الأفق الأول هو توقُّع ما يمكن أن تولِّده التحوُّلات المعتملة الآن داخل التيارات الثلاثة الرئيسَة المذكورة من تركيبات متجددة، بل متغيرة. أما الأفق الثاني، فهو توقُّع نشوء حركات جديدة، علماً بأن بعضها نشأ أصلاً، ومنه تلك الحركات المشمولة بتسمية الحركات الاجتماعية الجديدة أو حركات المجتمع المدني.

د- تحتاج فكرة الطليعة، بمعناها التقليدي الموروث، إلى تمحيصٍ نقديّ، لأنها بُنِيَت على فكرة الحزب العقائدي صاحب الرسالة التنويرية، أو على تنزُّل النخبة "الواعية" بمنزلة من ينوب عن الجمهور. إن أيَّ تصوُّرٍ للعمل الحزبي – بأفق نهضوي – ينبغي أن ينطلق من الحاجة إلى استبدال الأحزاب الشعبية (العقائدية النخبوية) بالأحزاب الطليعية، أي استيلاد الأحزاب – الوسائل بدلاً من الأحزاب التي هي أهدافٌ بذاتها، ولا بدّ من إعادة بناء الصلة بين الحزب والناس على نحوٍ تصبح فيه المرجعية في العمل الحزبي للناس، لا إلى النصّ (العقائدي – الإيديولوجي)، وعلى نحوٍ يصبح فيه مبدأ تمثيل الناس والاحتكام إلى الرأي العام – داخل الأحزاب وخارجها – مقياساً لصواب رؤاها وبرامجها والسياسات. نعم، للأحزاب دور تربويّ في المجتمع وفي أوساط جمهورها. لكنه لا ينبغي أن يكون تلقينياً، بل أن يكون قائماً على حوار. ولا ينبغي أن يتصور نفسه دورَ هدايةٍ للناس إلى الحقّ المطلق. وفي مطلق الأحوال، لا يمكن فرض التغيير على الناس فرضاً بدعوى وجود مصلحةٍ لهم فيه لا يَعُونَها. بل يجب أن يأتي ثمرة اختيارهم الحرّ واقتناعهم الواعي. والاحتكام إلى الرأي العام هو المقياس الأول والأخير في تغليب خيارٍ مجتمعيٍّ على آخر.

هـ- ينبغي عدم الخلط بين الدولة والسلطة حين الحديث عن المجتمع المدني وقوى التغيير الاجتماعية. إن الفكرة النيوليبرالية التي تضع المجتمع في وجه الدولة وتعتبر كل إضعاف للثانية قوةً للأولِ تُسهم في توسيع فضاءات التعدُّد والحرية، فكرةٌ خطيرة. إن الدولة – بما هي إطار السيادة على الأرض والناس والثروات ومنظومة التشريعات الشاملة للجميع وجملة المؤسسات التمثيلية والتنفيذية والقضائية – عنصرٌ أساسٌ، بل حاسمٌ، في البناء الوطني والقومي، وجهازٌ لا غنًى عنه في إدارة الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع. ومن النّفاق غيرِ المجدي الادّعاء بأن لا دور للدولة ممكناً في الاقتصاد والاجتماع الحديثين. ومن المنطقي أن يكون هذا الدور حيويّاً في بلادنا لحداثة تجربة الدولة فيها، وهشاشة وحداتها الداخلية، وضرورة بناء وحدتها القومية. إن التمييز القاطع بين إضعاف الدولة وبين التحرُّر من الأنظمة والمؤسسات السلطوية الاستبدادية ضروري هنا. ذلك أن إضعاف الدولة من كافة النواحي العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية قد يفضي إلى إضعاف الوحدة الوطنية، بل ربما أسهم أحياناً في تفجيرها. ناهيك بأن من المستحيل تصوُّرُ أي تقدّم نحو بناء الوحدة القومية دون الأخذ في الاعتبار الدور الحاسم الذي يمكن – ويجب – أن تنهض به الدولة في هذا المجال.

و- ينبغي، في مضمار الحديث عن موقع المنظمات غير الحكومية في المشروع النهضوي العربي ومساهمتها فيه، الاعتراف بأن قيامها آذَنَ بتَمَلْمُلٍ وتحرُّكٍ عميقيْن في المجتمعات العربية المعاصرة؛ وأن ممّا يُحْسَب لها في خانة الإيجابيات مساهمتها في تعريف قطاعات واسعة من المواطنين العرب بحقوقهم الأساسية، ونجاحها أحياناً في التخفيف من الآلام والحرمان لدى فئات من شعبنا، وفي فرض تشريعات أكثر احتراماً لحقوق الإنسان والبيئة والمرأة، ثم نجاحها في الزج بمئات الألوف من الشباب العربي في الشأن العام وإتاحة فرصة اتصال قطاعات منهم – من الطبقتين الوسطى والعليا – بأوساط شعبية لم تتح لهذه القطاعات من قبل فرصة الاتصال بها والتعرف على مشكلاتها. لكن تقدير ما يمكن أن تساهم به في المشروع النهضوي لا يكفي أن يستند إلى تلك الأدوار الإيجابية، بل ينبغي استكمال صورته باستحضار الأوجه السلبية في عملها وأبرزها:

- إن قسماً كبيراً من المنظمات غير الحكومية في الوطن العربي لا تنطبق عليه التسمية ذاتها. فبعضها أنشأتْه أطرافٌ في السلطة، أو لم يكن مستقلاً عن هذا الجناح أو ذاك من السلطة، وبعضها الآخر له انتماؤه الحزبي.

- إن قسماً كبيراً منها مرتهن لمصادر التمويل الخارجية وما تمليه من شروط وتوجهات وأولويات غالباً ما تكون مشدودة إلى المركز الامبراطوري الأمريكي والمنظمات الدولية التابعة له.

- نادراً ما شكلت المنظمات غير الحكومية مدارس ناجحة في الديمقراطية على الرغم من إعلاء معظمها الديمقراطية فوق سائر أهدافها.

- تجزئتها المطالب الشعبية والمجتمعية إلى اختصاصات مختلفة (نساء، بيئة، حقوق إنسان، تنمية، تمويل... إلخ).

ز- في العلاقة بين المنظمات غير الحكومية وبين الأحزاب السياسية، تبدو الأولى وكأنها تنافس الثانية، معتمدة في تجنيدها الشباب على نفور هؤلاء من الأحزاب لأسباب شتى. لكن الذي ينبغي أن نَلْحَظَهُ هو أن المنظمات غير الحكومية تتجه حثيثاً إلى النشاطات القطاعية أو الموضعية، ولا تؤدي الأدوار المفتَرض بالأجهزة الحزبية تأديتها: في تكتيل المصالح والمطالب وفق رؤىً وبرامجَ مشتركة، وتأمين انتقال الحركة والنضالات الجماهيرية والاجتماعية من المستوى المناطقي أو القطاعي إلى المستوى الوطني، ومن المستوى المطلبي والنقابي إلى المستوى السياسي.

ح- يستدعي تحقيق المشروع النهضوي عملاً سياسيّاً عربيّاً مشتركاً. وقد عرفت العقود المنصرمة تجارب عدة في بناء أحزاب عاملة على المستوى القومي. وسيكون من المفيد والضروري، عند أي تجربة مستقبلية من العمل السياسي العربي الموحّد، الاستفادة من الأخطاء التي انطوت عليها التجارب السابقة، وبالذات تلك التي سمحت بتسخير نضالات فروع الحزب في سائر الأقطار لخدمة نظامٍ بعينه تحت عنوان خدمة الحزب.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 18-01-2011, 11:35 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,483
إفتراضي

ط- تكتسب أجهزة الإعلام، السّمعيّ – البصري خاصة، أهمية خطيرة في تكوين الرأي العام كما في التلاعب به أو تزييفه، ويتوقف نوع الأدوار التي تقوم بها على نوع الوظائف الاجتماعية التي تنهض بها ونوع المضامين التي تحملها، وعلى مصادر التمويل التي تتحكم في توجهاتها. ومع أن بعض الفضائيات العربية أتاح هوامش أمام تكوين رأي عام مشغول بقضايا المجتمع والوطن، وأفسح مساحاتٍ – ولو ضيقةً – أمام التعبير عن المواقف الملتزمة بالقضايا الوطنية والقومية والاجتماعية، التي غيبتْها فضائيات التجهيل والتمييع المملوكة لأصحاب رؤوس الأموال الرَّيعية، فإنه لا معنى للبحث في فاعلية الدعوة والدعاية للمشروع النهضوي العربي دون البحث في انتقالهما من الحيِّزيْن الشفويّ والكتابي إلى الحيّز الإعلامي: المرئي والمسموع. وسيظل مطروحاً على قوى المشروع النهضوي حيازة أداته الإعلامية الفضائية المستقلة.

ي- ينبغي لقوى المشروع النهضوي العربي الاستفادة القصوى من الإمكانات المذهلة التي تُوَفِّرها وسائل الاتصال الالكترونية الحديثة، لتنظيم الاتصال بين أطرافها، وتوصيل دعوتها إلى الرأي العام.

ك- يجب النظر إلى آليات تحقيق المشروع النهضوي العربي بالدرجة الأولى من خلال المنظور الديمقراطي. ويشتمل هذا المنظور ليس فقط على منظومة آليات للتمثيل والسيادة الشعبيين، وإنما أيضاً إلى عدد من الوسائل الراقية تحقق التوسيع الدائم لآفاق الحرية ولتأمين التسويات السلمية للنزاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وسواها. وإن استلهام المنظور الديمقراطي يعني في المقام الأول السعي إلى التنافس على كسب الرأي العام بواسطة الانتخابات المحلية والوطنية واحترام جدل الأكثرية والأقلية والتداول السلمي للسلطة.

إن كل فكرة مهما تكن سامية ومهما يكن عمق اقتناع حامليها بأنها لمصلحة الشعب والأمة، لا يجوز فرضها بالقوة أو العنف. إن محل جدوى أي مشروع مجتمعي وفاعليته هو تبني الرأي العام له معبَّرا عنه بواسطة الاستفتاءات أو الانتخابات أو الوسائل الأخرى لرصد اتجاهات الرأي العام.

ولما كان تحقيق المشروع النهضوي يفترض تغييرات جذرية في المجتمع والسلطة والعلاقة بين الدول العربية ذاتها وبين الأمة العربية والعالم، تتزايد أهمية إيلاء الأولوية في التغيير للتغيير الديمقراطي السلمي.

2- نحو تجسيد المشروع


يجمع بين المشروع النهضوي العربي اليوم والمشروع النهضوي الحديث الذي انطلق في القرن التاسع عشر، واستأنف نفسه في خمسينيات القرن العشرين الماضي، جامعٌ مشترك هو: إرادة النهضة. وغير خاف أن الإرادة النهضوية لدى الأمم – كما لدى النخب – عملية مركبة يتداخل فيها المخزون الروحي والحضاري، مع التراكم المعرفي والثقافي، مع الوعي العميق بمسار حركة التاريخ وقوانينها، مع الاستعداد للتقدم والرغبة فيه. وهي اليوم – جميعُها – متوفرة كإمكانية لدى قطاع حيّ كبير من الأمة العربية وتحتاج إلى استنهاض. وترتبط إرادة النهضة بتعميم ثقافة النهضة داخل الأمة لإخراج مشروع النهضة من رؤية فوقية نخبوية إلى ثقافة جماهيرية. وهي ثقافة ترسخ أكثر كلما تهيأت لها أسبابُها التحتية العميقة بالتربية: العائلية والمدرسية والجامعية والمؤسَّسيّة.

أ- آليات النهضة ومؤسساتها

- إن المقاومة، من حيث هي تعبيرٌ ماديّ عن إرادة التحرُّر من الاحتلال، آليةٌ دافعة في عملية النهضة. وهي ليست ضرورة للمشروع النهضوي من زاوية الحاجة إلى التصدي للمطامع والمخططات الأجنبية فحسب، بل لأن مشروعاً نهضويّاً لا تكون المقاومةُ مضموناً له مشروعٌ هش وقابل للانكسار. وكلما كانت روح المقاومة متقدة في الأمة، كانت إرادتها في النهضة عالية. وأخطر ما يمكن أن يدمّر إرادة النهضة هي روح اليأس والإحباط والهزيمة النفسية.

- مهما كانت إرادة النهضة قوية، وثقافة النهضة متسعة، فإن نهوض الأمم لا يتحقق بمجرد الرغبة في تحقيقه، بل بواسطة عملٍ عقلانيٍّ دؤوب في إطار مؤسسات تحمل المشروع النهضوي وتجسّدُه.

- قد تكون المؤسسات السياسية، من أحزاب وجبهات وتجمعات، هي العمود الفقري لسائر المؤسسات الأخرى، لكن عملية النهضة أشمل من أن تنحصر في عمل سياسيّ مؤسَّسيّ، بل تحتاج إلى مؤسسات تغطي المجال الاجتماعيّ برمَّته.

- إن المؤسَّسية ثقافة، في المقام الأول، وليست هيكلاً إدرايّاً فحسب، ولذلك فهي تفترض عقلاً مؤسَّسيّاً تتحرر به المؤسسات الأهلية العربية – المفتَرَض بأن تنهض بحمل المشروع النهضوي – من ظواهر الفردية واحتكار الرأي والقرار وانعدام تقاليد التداول على المسؤولية والسلطة ممّا تزخر به المؤسسات الرسمية العربية التي تفتقر إلى روح العمل الجماعي.

ب- كيف نجسّد المشروع النهضوي
هذا المشروع هو الوعاء الاجتماعي الأكبر الذي يحتوي في داخله كل الأوعية الاجتماعية والسياسية في وطننا الكبير. فما من فرد أو مؤسسة اجتماعية، أو سياسية عربية، بما في ذلك الأحزاب، أكبر منه. فهمومه هي هموم الجميع. ولا يمكن أن يكون تجسيده عملية سرية أو حكرًا على فرد أو منظمة سياسية أو اجتماعية. ولابد من أن يضطلع أشخاص ذوو مكانة علمية ودينية واجتماعية واقتصادية راقية من شتى أقطار الوطن العربي بمسئولية قيادية في هذا الصدد، وهم يؤمنون بداهة إيماناً لا يتزعزع بالمشروع بحيث يشكلون هيئة حكماء الأمة المتسامين فوق الفئات والطبقات والمصالح الخاصة أو الفئوية الحزبية أو العرقية أو العقائدية.

وتضع هذه الهيئة برنامج عمل يمكن متابعته وتقييمه بوسائل تقييم مقبولة، مستفيدة بهذا من مراكز الأبحاث العربية ذات التوجه القومي ومن أنصار المشروع في كل قطر عربي.

ومن المفروض أن يكون هذا المشروع القاسم المشترك بين الأحزاب القومية وكافة المؤسسات العروبية والثقافية والفكرية والاقتصادية، وأن تسعى إلى تحقيقه بتفانٍ عظيم، وأن تقيم أقوى العلاقات والتنسيق بينها لتحقيق هذا المشروع.

ويقتضي وضع المشروع القومي الوحدوي موضع التنفيذ:
- وجود دعاةٍ مؤمنين به يحملونه إلى الآفاق رؤيةً يَتَمَثَّلُهَا أوسع قطاعٍ من الرأي العام العربي. وينبغي أن يتحلى هؤلاء بمؤهّلاتٍ فكرية، ومناقبية عالية، وصدْقيَّة لدى الناس، وانصرافٍ كامل عن إغراءات السلطة وصراعاتها، ونَفَسٍ وحدويّ وحِوَاريٍّ للتواصل مع القوى والتيارات كافة.

- تنظيم حلقات حوار موسَّعة يشارك فيها المثقفون، وصانعو القرار، ومراكز الأبحاث والدراسات، والأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، حتى يتحوَّل إلى قضية عامة.

- تكريس فكرة النهضة كهاجس وجعلها موضوعاً للتفكير والدراسة في الجامعات وللتأليف والكتابة لدى المثقفين ليتَّسع نطاق رؤيته وتغذية تلك الرؤية بمعطيات فكرية جديدة.

- فتح المؤسسات الإعلامية لمنابرها أمام مناقشات موسَّعة للمشروع قصد إنضاج فكرته لدى الرأي العام.

- آليات خاصة لمتابعة التنفيذ كتشكيل "جماعات تفكير وتأمل" تتركز مهمتها في تنظيم لقاءات حوارية معمَّقة حول قضاياه التفصيلية، أو كإقامة "مرصد خاص" بهذا المشروع لمتابعة المجريات السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية المتعلقة بالمشروع.


* * *


لم تَعُد الأمة العربية أمام ترف الاختيار بين ممكنات عديدة. إنها أمام أحد خياريْن لا ثالث لهما: إما أن تنهض وتتقدَّم وتنفض عنها حالة التأخر والتقهقر، وإما ستزيد عُرْوتُها تفكُّكاً ونسيجُها تمزُّقاً وفكرتُها العربية الجامعة اندثاراً. إن النهضة اليوم أكثر من خيار، هي فريضة وجودية دون القيام بها سقوطٌ وانحلال. وإذا كان للقوى الحية في الأمة ما تقدمه لمشروع النهضة من رأيٍ وتخطيط وتنظيمٍ وتوعيةٍ وتعبئةٍ، فإن قابلةَ النهضة التي ستقوم باستيلادها هي جماهير الأمة الواعية لمصلحتها، المدركة لما يُحدق بمصير الوطن والأمة من دون مستقبلٍ نهضوي.

انتهى
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .