العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الفـكـــريـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: كلمات جذر أمل فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كلمات جذر أفق فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب حقيقة الحجاب وحجية الحديث لمحمد سعيد العشماوى (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب الاعتبار وأعقاب السرور لابن أبي الدنيا (آخر رد :رضا البطاوى)       :: فرية الاغتيالات الفردية فى الروايات (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب سر الإعجاز القرآنى للقبانجى (آخر رد :رضا البطاوى)       :: الآن فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: آل كابوني (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب الحوض والكوثر لبقي بن مخلد (آخر رد :رضا البطاوى)       :: تحميل لعبة أميرة الديكور بيت الدمي... (آخر رد :أميرة الثقافة)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 30-07-2009, 03:18 AM   #1
د. تيسير الناشف
عضو جديد
 
تاريخ التّسجيل: Jul 2009
المشاركات: 32
إفتراضي استعمال النهج التحليلي في فهم مشاكل الواقع العربي

استعمال النهج التحليلي في فهم مشاكل الواقع العربي


د. تيسير الناشف


يعاني العرب - شأنهم شأن الشعوب الأخرى في العالم النامي والعالم المتقدم النمو - من مشاكل كثيرة عويصة على شتى الصعد، وهي مشاكل تشكل حقا مأزقا عربيا. ومن أعراض وأسباب هذا المأزق في آن واحد تزايد التدهور الاجتماعي والاقتصادي القيمي والتبعية العربية الإقتصادية والمالية والصناعية للغرب والعجز عن المواجهة الفعالة لمشاريع السيطرة الأجنبية والضعف الذي يعتور حركات التوحيد القومي العربي والتحرر الوطني العربي وانتهاك حقوق الإنسان العربي وضعف شرعية عدد من الأنظمة السياسية وغيرها من الأعراض والأسباب. وفي هذا المقال سنتناول تناولا موجزا عددا قليلا من الظواهر السلبية في حياتنا.

الخلط بين الحقائق والإفتراضات

من العيوب القائمة في الفكر البشري أنه يوجد أحيانا غير قليلة قدر كبير من الخلط بين الحقائق والإفتراضات. ويتجلى هذا الخلط في العلاقات بين الناس وفي الكلام والمواد المكتوبة. ويضعف هذا الخلط نسيج العلاقات الإجتماعية بجوانبها السياسية والإقتصادية والنفسية لأن هذا الخلط يحول دون إتاحة إمكانية التنبؤ من جانب شخص باتجاه تفكير وسلوك الأشخاص في المجتمع. وانعدام إمكانية التنبؤ هذا يؤدي إلى التنافر الفكري والسلوكي والعاطفي وإلى إيجاد صعوبة أكبر - ونقول صعوبة أكبر بالنظر إلى وجود الصعوبة دون وجود هذا العامل - في الاتصال الفكري بين أفراد المجتمع.

عدم الإتساق الفكري

ومما تسهم في إيجاد الإختلاف الفكري عند أفراد المجتمع الصعوبة البالغة في المحافظة على الإتساق بين التجريد الفكري وتفصيلاته. لنأخذ على سبيل المثال الديمقراطية. هذا مفهوم مجرد. يقل الناس الذين يخالفون الرأي في استصواب الأخذ بالنظام الديمقراطي. ولكن ينشأ الإختلاف بين عدد أكبر من الناس عند الهبوط بالمفهوم من مستواه التجريدي إلى مستواه الأخفض أو المفصل أو الجزئي. من الأسهل على الناس أن يتفقوا على الفكرة المجردة التي تندرج الجزيئات والتفاصيل فيها. وذلك لأنه كلما قل تجريد مفهوم من المفاهيم أو كلما ازداد المفهوم تفصيلا وتجزيئا كبر حجم العنصر المقصود الذي يفهم به الفرد ذلك المفهوم. وزيادة حجم ذلك العنصر المقصود هي مكمن الإختلاف بالنظر إلى أن عملية تفصيل المفهوم التي يقوم بها الناس الذين يختلفون بعضهم عن بعض طبعا تنطوي على أن كل فرد يرى أن للمفهوم مقصدا يختلف عن المقاصد التي يراها الآخرون لذلك المفهوم. وذلك يعني أن الانتقال أو التغيير الفكري يحدث باختلاف المقاصد التي يراها الناس في المفهوم المجرد. لقد تكررت مفاهيم مجردة كثيرة عبر القرون الكثيرة مثل العدالة والمساواة والإنصاف والفضيلة والعفة، غير أن تحديد هذه المفاهيم جاء متمثلا في أن رأى الناس المختلفون فيها مقاصد مختلفة.

الخلط بين الهدف والوسيلة

من الحقائق غير السليمة في الحياة الفكرية والعملية للبشر الخلط بين الهدف والوسيلة في الحياة. وفي حالات غير قليلة تتخذ الوسيلة قيمة الهدف. ومن الجلي أن هذا الخلط وأن تنزيل الوسيلة منزلة الهدف يمسان بمصلحة المجتمع لأنه إذا كان الهدف خدمة المجتمع فإن من الضروري والطبيعي أن تطوع الوسيلة لتحقيق هذا الهدف لأن هذه - بحكم تعريفها - وظيفتها. فاذا أمست أهمية الوسيلة مثل أهمية الهدف تغيرت طبيعتها ولم تعد تؤدي وظيفتها الأصلية.

الإنفصام في الشخصية

يقوم أيضا الإنفصام في تفكير وسلوك عدد لا يستهان به من البشر في كل أجزاء العالم. ويتمثل هذا الإنفصام في أن الشخص يغرق تفكيره وسلوكه في أحيان وحالات كثيرة في النزعة الفردية في أهدافه وطرق تحديدها بدون المراعاة أو دون المراعاة الكافية لأهداف ومصالح الآخرين. وفي أحيان وحالات اخرى كثيرة يجعل الشخص من الآخرين المسيرين له في حياته الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، فتراه يتبع الآخرين، أينما تحركوا تحرك هو بدون أن يتأمل بما فيه الكفاية، والسلوك وفقا لهذا التأمل بغض النظر عن تفكير الآخرين وسلوكهم. هنا نرى نقيضين: طغيان الفردية وتضخمها من ناحية وانعدام الفردية من ناحية أخرى.

الكثرة والجودة

وتنتشر في صفوف كثيرين من الناس فكرة أن الكثرة طيبة، بدون إيلاء الإهتمام الكافي للجودة. قد تكون الكثرة أو الكمية طيبة شريطة ضمان الجودة لتلك الكمية. كثرة أفراد العائلة والمجتمع بدون إيلاء الإهتمام لنوعية معيشتهم وبدون تحقيق النوعية العالية لمعيشة الفرد وشخصيته وأفكاره ونظرته، والنوعية العالية لعلمه، ليست ضامنة للتقدم. ومن المعروف اأ الشعوب تتفوق بعضها على بعض، في هذه الأيام على وجه الخصوص التي حققت فيها التكنولوجيا المتطورة، بنوعية مدارك أفرادها.

الأخذ بمنبع فكري واحد

إن مفهوم وجوب الأخذ بمنبع فكري واحد أو مفهوم وجوب الإرتكاز على منبع فكري واحد في النظرة إلى الحياة وفي كيفية تصريف الشؤون الحياتية مفهوم قمعي لأنه يزيل إمكانية نشوء منابع فكرية أخرى. هذا المفهوم يتفق مع إرادة السلطة الفوقية المستبدة القائمة - على تفاوت - في كثير من الدول، حتى الدول في الغرب والشرق التي تتشدق إما كذبا أو غباء أو كليهما بأنها مرتع الديمقراطية. لهذا المفهوم والسلطة سمات مشتركة من أهمها عدم إتاحة إمكانية نشوء منابع فكرية أخرى أو الثني عن التشجيع على هذه الإتاحة أو محاربة المنابع الفكرية الأخرى في حالة نشوئها. وإحدى نتائج الإقتصار على منبع فكري واحد في النظرة إلى الحياة وفي كيفية تصريف الشؤون الحياتية هي إفقاد أفراد المجتمع إمكانية تحقيق الوعي الذاتي والوعي الإجتماعي اللازمين للمضي قدما صوب اعتماد الطرق الفكرية والعقلانية السليمة لتحسين ظروف الحياة المختلفة ولتحقيق ولإثراء القيم الفردية والجماعية والوطنية والقومية والإنسانية الطيبة التي نعتز بها.

الكلمة والعمل

وينتشر - على تفاوت - بين الناس في جميع أصقاع العالم إنفصال تختلف حدته من مكان إلى آخر بين الكلمة والعمل أو عدم التوافق أو التوازي الكامل بين الكلمة والعمل. أحيانا القول في واد والعمل في واد آخر. لا يسري في الحياة الفعلية العملية إلا قدر محدود مما يقول الأناس به ويقولون إنهم يعونه ويلتزمون به. الأفكار التي يقول القائلون إنهم يلتزمون أو ياخذون بها أو يعتقدونها لا تتجلى أحيانا في أفعالهم.
ويتوقف مدى الإنفصال هذا على عوامل من أهمها طبيعة الظروف الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والنفسية التي يعيشها الأفراد والجماعات البشرية وأيضا على نوع التربية التي يربى الناس بها. في سياقات منها السياق العربي هذه الصفة - صفة عدم الإقتران الكافي للكلمة بالعمل - نتيجة عن عوامل منها الفقر المدقع والاستبداد السياسي الداخلي والسيطرة الأجنبية القامعة والمستغلة والباطشة والنظام الإقطاعي الذي كان ولا يزال قائما في أجزاء من الوطن العربي والذي كانت الدول الأجنبية تحابيه وتسانده خدمة لأغراضها ومطامعها الإستراتيجية والإقتصادية.
ومن الصحيح القول إن هذه الصفة المقيتة التي ابتلينا بها ستبقى قائمة ما دام الاستبداد الحكومي قائما والفقر مستفحلا والبطالة عن العمل مستشرية والسيطرة الأجنبية تحكم قبضتها على حياتنا وشؤوننا ومقدراتنا والحرية الفردية والجماعية مفقودة والفكر الحر خائفا وقلم المفكر الحر الإبداعي مرتجفا رهبة من غائلة السلطة والفكر الخاطئ.
وقد تمكن إزالة هذه الصفة - صفة التباعد بين الكلمة والعمل بها - باللجوء إلى طرق من أهمها تطبيق نظام تعليمي تهدف مضامينه إلى إزالة هذه الصفة وإحلال صفة أخرى محلها. غير أن من الصعب تحقيق هذا الهدف ما دامت تلك العوامل قائمة، فهذه العوامل تثني المرء عن قرن الكلمة التي يؤمن بمضامينها بالعمل على تحقيق مضامين هذه الكلمة.

المثقف العربي

ولدى المثقفين العرب - شأنهم شأن المثقفين في العالم قاطبة - مستويات مختلفة من فهم خصائص الحقائق والوقائع السياسية والإقتصادية والتاريخية ومن إدراك تعقد الظواهر السياسية والإقتصادية والتاريخية والنفسية. أحيانا لا يبلغ المثقف المحلل لمسألة من المسائل بالاستنتاج المنطقي الرشيد الذي يتوصل هو إليه إلى مداه الكامل الذي ينبغي أن يوصله إليه تحليله المتسم بالقدر الممكن من الموضوعية. في هذه الأحيان ياتي الاستنتاج ناقصا لأسباب منها التشكيلة القيمية السياسية والإقتصادية والنفسية والتاريخية التي تحدد للمحلل خفية وعلانية الحد الذي يتوقف عنده استنتاجه فيما يتعلق بالمسألة قيد التحليل. وهناك أسباب أخرى لذلك التحديد منها القيود والمصالح السياسية والإقتصادية والإجتماعية والخوف من التبيان التام لنتائج التحليل للمسألة قيد الدرس.
وتكثر الأمثلة في المجتمعات على عدم بلوغ المحلل باستنتاجه إلى مداه الأتم. ولنأخذ مثالا على ذلك السيطرة الأجنبية. لدى الشعوب رغبة في إزالة السيطرة الأجنبية عن بلادها. هذه السيطرة تتعزز بالتقاء مصالح أصحاب هذه السيطرة بمصالح الذين يتولون السلطة. هؤلاء المتولون للسلطة تستند سلطتهم جزئيا إلى امتلاكهم لأراض واسعة. وامتلاك ذوي السلطة لأراض شاسعة يزيل أو يضيق فرص النهوض الإجتماعي والإقتصادي لأفراد الشعب. هذا التضييق يسهم إسهاما كبيرا في الاستقطاب الاجتماعي. على هذا النحو التحليلي يمكننا أن نضيف مزيدا من الحلقات إلى هذا المسلسل المنطقي. ومن قبيل الإستنتاج الناقص، الإستنتاج الذي لم يبلغ مداه الكامل، الإكتفاء، في سياق التحليل الإجتماعي الهادف إلى تحري العوامل في العملية الإجتماعية الديناميكية، بإيراد قسم من الحلقات في المسلسل.
ولدى قسم من المثقفين دعوة إلى التغيير الإجتماعي والإقتصادي والسياسي والبنيوي. غير أن عدم بلوغ الدارس المحلل بالإستنتاج إلى مداه الكامل يحد من قوة الدعوة هذه، لأن التغيير قد يحتاج أساسا فكريا لم يتناوله الاستنتاج الذي توقف به المستنتج عند حد معين ناقص. وعدم بلوغ الاستنتاج الكامل يوجد اختلالا داخل المحلل المستنتج بين هذه الصفة - صفة عدم بلوغ الاستنتاج إلى مداه الكامل - وهذه الدعوة، مما يعرقل الأخذ بالإجراءات العملية اللازمة لتحقيق التغيير الذي ينادي به المنادون من المثقفين وغيرهم.
د. تيسير الناشف غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-08-2009, 01:45 AM   #2
transcendant
كاتب مغوار
 
تاريخ التّسجيل: Mar 2008
الإقامة: الجزائر DZ
المشاركات: 2,785
إفتراضي

المفاهيم التي أثريتها هامة و مفيدة جدا ..

فعلا الواقع العربي يحتاج تشريحه إلى العودة إلى المفاهيم الأولى ..

لي عودة للرد على الموضوع في صلب الموضوع .

__________________


transcendant غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-08-2009, 02:08 AM   #3
اليمامة
عضو مميّز
 
الصورة الرمزية لـ اليمامة
 
تاريخ التّسجيل: Jul 2001
الإقامة: بعد الأذان
المشاركات: 11,171
إفتراضي

رائع ما كتبته سلمت يداك

قد أكون استخدمت ما يشبه النهج التحليلي في فهم شخصيتي في هذا الرد "وموضوعك يساعدني كثيرا "
إقتباس:
المشاركة الأصلية بواسطة اليمامة مشاهدة مشاركة
النص كاملاً

شخصيتي كيف أشكلها ؟!
منحت نفسي لحظات تفكير .. ولحظات تأمل في مستقبلية عمري
وتساءلت .. هل نحن مسيرون بإرادتنا أم مخيرون ؟
هل نحن قادرون على فرملة اندفاعنا الساخط المرهق ؟
هذه هي الحكاية .. وهذا هو السؤال .. ولكن إجابة السؤال تتطلب المشاركة والمساعدة بالرأي لأننا نعيش مع الآخرين في مسرح الحياة الكبير .. وعلى هذا المسرح تنداح صور كثيرة .. تختلط أحياناً بعضها البعض الى درجة الصدام .. وتتباعد أحياناً أخرى الى درجة الانفصام .. ومابين الصدام والانفصام تتناثر الكثير من الأشلاء ..


في مسرح الحياة الكثير من الممثلين لايجمعهم معنى وإنما توزعهم معان وافتراضات .. وأحياناً انسلاخات من الواقع الى المواقع المعاكسة والمضادة لطبيعة الأشياء .. فهناك الراكضون دون هدف .. والمولولون دون سبب .. والمتعانقون دون حب .. والمتصارعون دون حاجة .. والمهرجون وفي أعماقهم تقطر دماء المأساة .. وتجد الباكون وفي وجدانهم ألف رغبة للابتسامة .. بل تجد الصغار في أدوار الكبار دون أن يكبروا .. والكبار في أدوار الصغار دون أن تتحرك بهم قافلة العمر ..
مسرح كبير اسمه الدنيا .. وممثلون كثيرون اسمهم البشر .. ومتفرجون أكثر اسمهم المشدوهون الباحثون عن مواقعهم ووقائعهم !
وفي كل موقع وتجمع تجده في الحي .. والعمل .. وفي المنزل والخيمة
فكيف نختار مواقعنا في هذا المسرح الكبير؟

وفي موقع آخر غير المسرح ... أذهب الى الكتاب .. فقد قيل عنه خير جليس في الأنام كتاب !
ولكن هل ماتتلقفه يدي من كتب يصح عليه هذا الحكم في بيت الشعر ؟ وهل كل الكتب أمينة وصادقة بحيث نرتاح الى سطورها ونركن الى معانيها ؟!
الكتاب وعاء فكري يضم محصلة فكرية تتحدث عن صاحبه .. والوعاء والمحصلة قد تكون صعبة الهضم .. وقد تكون شهية لكنها قاتلة .. وقد تكون دسمة حلوة في مذاقها إلا انها ضارة .. وقد تكون وجبة غذائية روحية تنشط العقل وتثري الروح وتبني الجسد .
وبالتالي فانه يجب علينا أن نميز بين كتاب وآخر .. بل ونميز بين فكرة وفكرة داخل صفحة واحدة من كتاب وأن لانستقبل كل مانقرأ بالموافقة والمعانقة والرفض .. وذلك يعني أن شيئاً من الحيطة والحذر يجب أن يواكب رحلتنا في جادة الفكر ونحن نستعرض معطيات الآخرين .. وأن يكون تعاملنا في الهضم والاستيعاب على ضوء فهمنا الواعي المنطلق من قناعات الحس وصواب التصور .

ومن خلال الكتاب قد أبحث عن الحكمة .. والحكمة ترتبط بالفلسفة .. والمثل يقول " خذوا الحكمة من أفواه المجانين " فهذا المثل سمعناه وألفناه .. ولكن هل فهمناه ؟
فأي نوع من الجنون عناه في حكمته ؟ وأي معنى ؟!
هل أن تلك الظاهرة اللفظية لخبال تداخلت بالنسبة اليه الصور والمرئيات .. فبات يهذي دون ضابط أو وعي ؟
أم أنه تلك الظاهرة الصوتية لخيال واسع الأفق بلغ من سموه وعمقه ونضجه أن الفهم العادي بات أمامه عاجزاً .. بل ومستنكراً ورافضاً ؟
قد يكون الخيال الواسع بآفاقه المجنحة وبصوره العميقة الغور يبدو أمام عجز الفهم القاصر ضرباً من الهذيان المجنون الذي يثير المساءلة والتندر .. ومن هنا فإن الحكمة لايمكن أن تصدر عن مجنون أبداً .. وحين تصدر فإنما من فيلسوف بعدَّت المسافة بين تصوراته وفهم الآخرين لهذه التصورات .. وقد يُقال أنهم عباقرة من أفواههم تندفع الحكمة الساخرة ..

ولأن الحكمة الصادرة من " أي فيلسوف "ضالة المؤمن..أنى وجدها فهو أحق بها .. وقد نبحث عنها في فكر وفلسفة سارتر.. إلا انه – سارتر- قناة من قنوات التصور البشري .. قد تصيب وقد تخطئ .. وقد تجمع أحياناً بين الخطأ والصواب في آن واحد .. والذي يعنينا من كل ذلك قناعتنا في أن لا نختط لأنفسنا منهجاً نستوحيه من غيرنا دون أن تكون لشخصيتنا الذاتية أثر فيه .. وتأثيرها عليه وقبل أن نتأثر به .. وسيان أكان المد فلسفياً يتعلق باللا كان .. واللا شئ .. بالعدم والوجود .. بالجبال والحظ .. والزمان كما أفاض سارتر في فلسفته وتحليله للوجود .. فان استقراءنا لكل ذلك على الصعيدين المنهجي والنهجي يجب أن يكون مدروساً بحذر وحيطة بحيث لا نأخذ منه الا مايتفق مع استيعابنا العاقل وتصورنا السليم ... فكما أننا لا يجب أن نرفض الحقيقة أياً كان مصدرها إلا من حقنا أن نتعامل معها بقدرة على الفرز والتجربة .. وأن تكون لنا استقلالية الحركة بما تعنيه من تقبل ورفض .




ورحت أبحث في مكان آخر فنظرت الى من هم حولي من أساتذة ونخب ثقافية ورموز فكرية .. فوجدت هوة بين النظرية والتطبيق .. وفي أحيان كثيرة لا أكاد أصدق ذلك الواقع للإنسان الذي يفرض القيمة قولاً .. ويرفضها ممارسة .. ويفتح هوة عميقة بين محتوى نطقه ومغالطة منطقه .. وقد يقول قائل : مالنا وكل هذا التباين ؟ لنأخذ من علمه .. ونطرح عمله .. وهذا صحيح .. فالذي يختار يبحث عن الأحسن ويأخذ به دون سواه ..
ولكن حتى مع الخيار في كفتي الاختيار .. فإن شيئاً من العدوى تطال كفة الفكر متنقلة اليها من كشفه الممارسة الخاطئة .. وبالتالي تخلق نزعة رافضة أو كارهة على الأقل لكل ماصدر عن ذلك الإنسان صواباً أو خطأ .. فالفكر صورة جميلة ومعبرة رسمها خيال الإنسان الخصب فأبدع خطوطها ولون خيوطها .. والممارسة العملية للانسان أشبه بالإطار الذي يحتضن الصورة ويحميها شر الانكسار .
وذلك قادني لرؤية الشخص بقيم أخرى .. ترتبط بصفاته .. ووجدت أن هناك صفتان للانسان في بنيته لا تعنيان شيئاً بالنسبة الى قيمته ..
فقد يكون نحيفاً .. ويكون جباراً مخيفاً في قوته .. ومدى احتماله .
وقد يكون طريراً ملئ الجسم .. إلا أنه في معناه فرغ من كل محتوى .. بل هزل بكل المعايير والمقاييس .
الشكل والصورة أحياناً تكون خادعة .. نستبين خداعها من استقرائنا لظلالها .. وطريقة حركتها .. وحصاد تلك الحركة .
ووجدت أن حكمنا على الأشياء من مظاهرها المجردة خدعة كبيرة .. ومغالطة أكبر .. لأن الأشياء قبل أن تكون شكلاً واطاراً .. أو صورة فهي مضمون ومفهوم ونتيجة ..
وذلك يعني أنه على قدر تبصرنا للأشياء .. وتعمقنا فيها تأتي النتيجة دون اضافات كاذبة .. ودون ظلال مخادعة خادعة .
فالنحافة التي لا ترتقي الى الهزال تكون أحياناً مظهر صحة .. وظاهرة عافية وحيوية ..
والسمنة أحياناً وان أعجب الانسان قد يكون ظاهرة مرضية لا نعرفها
وكما في الصورة والجسم .. ايضاً يكون الإطار .. والمظهر الذي لا يصح أن يكون وحده منطلقاً للحكم .
وفسر ذلك لي بيت الشعر لشاعر عربي قديم .. ورأيت أن فيه تفسيراً علمياً واعياً
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير فتبتليه ... ويخلف ظنك الرجل الطرير


ووجدت نفسي تتجه الى الفن باعتباره وجه من أوجه الحياة .. الا أنه تارة يحلق حتى يصل الى أوجه .. وأخرى يخفق الى أدنى درجات الحضيض ..
وأذواقنا أصبحت عرضة لهذا المد والجزر .. انها تتعامل مع ما تسمع بالربط الرائع .. وأخرى بالانهيار المريع .. وثالثة بالانبهار الحائر الذي لا يرفض ولا يأخذ ..
ومن السخرية أن الزمن يتقدم بنا خطوة الى الأمام بينما الفن يتقهقر بنا خطوات الى الوراء الى الحد الذي أصبحنا فيه نبحث عن كل قديم ونفتش في دفاتر من سبقونا لأن دفاترنا فارغة من كل محتوى ..
وإذا كانت الظواهر الطبيعية تسلم الى التأمل والاستقراء .. فإن الظواهر الفنية غير الطبيعية تسلم الإستفراغ والإذلال والسؤال الحائر ..
أين هو الفن الذي كنا نسمع عنه .. مما نسمعه اليوم من عفن فني .. ومانشاهده من تهريج فني ؟ ووجدت الاجابة تأتي من حنجرة شعبولة التي ألهبت بأغانيها ملايين المستمعين ممن يتقدمون بخطى حثيثة ولكن الى الوراء .

ورحت أبحث في الصداقة .. ولكنني وجدتها نوعاً من العلاقات الاجتماعية التي تربط أحدنا بالآخر ارتباطاً مادياً بحتاً .. وتنتهي بانتهاء السبب الفاعل لهذه العلاقة .
فكثير من الصداقات تتلاحق وتتسابق وتتشابك في عمر المصلحة .. وفي عمر الرهبة أو الرغبة .. وما أن يترك العنصر المؤثر مركزه حتى يختفي كل شئ .. لأنه سلوك مادي يقوم على ركائز وقتيه لا جذور لها ولا أصالة فيها .
وبحثت .. وبحثت .. الى درجة أنني بحثت عن أشياء بواسطة أشياء أخرى لاتمت اليها بصلة .. بل ووصلت الى أبعد المسافات للوصول الى أقربها وأدناها .
ووجدت أن حكاية التركيز على الأهداف والابتعاد عن تشتيت القدرات .. وحكاية اختصار المسافات للوصول الى الأهداف بعيداً عن متاهات الضياع حقائق علمية مازالت مطروحة تؤكد أن القدرات لدى الانسان مهما اتسعت وكبرت فهي محدودة لا تقوى على هضم الاستيعاب المتشعب المتكاثر .. خاصةً إذا كان متباعداً عن بعضه .. أو لمحاولة الربط بين موضوعين أو أكثر لا صلة لأحدهم بالآخر .
في كل ذلك فكرت لو أن طاقتي اختطت مسلكاً واحداً مطلوباً لايصالي الى أهدافي .. لكان تحقيق الأهداف في حكم المسلم به .. إلا أن أهدافي ضاعت مع تشعب الطرق ومع تعرج المسالك الموصلة اليه .. وأحياناً مع قفزتي الى البعيد من أجل الوصول الى ماهو أقرب .. ومايكاد يلامس خطاي

بعد ذلك أُعيد السؤال .. بعد سرد الحكاية
شخصيتي كيف أشكلها في كل ذلك ؟!
كيف أشكلها وأنا لا أريد لنفسي الانسلاخ بإرادة أو بغير إرادة عن شخصيتي .. لأني لن أكون ظلالاً باهتاً أعكس حركات غيري .. ولأنني لا أرضى لها أن تكون كالفقاقيع التي تتلاشى دون أن يحس بها أحد ..أو يشير الى وجودها أحد ..
وأنا كأي انسان .. إرادة وتفكير .. وصنع التفكير يرسم الخطوة والإرادة هي التي تدفع الى تحقيقها . وكيف أوفق في ذلك والتركيبة النفسية للانسان تتعامل مع ماحولها بالرفض وبالتقبل .. بالرضى والسخط .. وكيف أقي نفسي في أن لا أتحول الى موات لاتقيمني الأحداث ولا تقعدني ؟ وأن لا أتحول الى بركان ثائر متمرد يلقي بحممه دون أن يلتقط أنفاسه ويجمد .
لا أريد لعجزي أن يسبق اقتداري .. وأن لا يسبق ليلي نهاري .. ويأسي لا يسرق أملي .. وأن لاتتعرى أغصان حياتي ومازالت غضة بدافع الوهم وبدافع الهروب .
فأنا أقف أمام عتبات زمن ملئ بكل التناقضات .. والصراعات والخيارات .. وذلك يعني أنه يتحتم علي أن أقتحمه بعيون مفتوحة وبإرادة مؤمنة .. وبعقيدة موحده .. وبوعي وحذر .. فحيث يكون الشك يهتز اليقين .. وحيث يوجد الشقاق ينتحر الوفاق بمخالب الجدل .. وحيث يتحدث النفاق تضيع الحقائق بين طيات الاختلاق ..
وحيث يسود سوء الأخلاق تتحطم القيم .. ويتهدم صرح الفضيلة ..

وبانقلابه نفسية أخرى في اتجاه متفائل وجدت نفسي تقول : مازالت الدنيا بخير .. رغم الضباب الكثيف المخيف الذي يكتنفها ويكاد يحجبها
وأنه مازالت هنالك شموع تمد ضوءها الخافت عبر سراديب الظلام لتبين للأقدام المتحركة مواضع خطوها
ومازالت توجد أقلام حرة تملك الجرأة في أن تعلو عن الاسفاف والاستخفاف بعقول الآخرين
مازالت توجد أصوات تملك أن تصرخ رافضة ومتمردة على من يريدون لها الصمت ..
تعبت وفي رأسي الصغير يمور هذا العالم .. ويسبح ويتموج فاخترقت الأمواج وغصت المحيطات لأصل لعمقها السحيق .. دون أن تصد مغامرتي الكبيرة والمثيرة أي مخاطر .. وركبت موجة الفضاء اللا نهائي لأسبح في الأجرام المتناثرة وأكتشف مجهولاً ماكان لغيري أن يقدر على اكتشافه ولا الوصول اليه .. وأقول قد أكتشف أشياء أخرى فيها خيالاً .. فحلماً .وقد تكون علماً.. فحقيقة
قد تكون لدي القدرة على استيعاب الأشياء واستحواذها حلماً وعلماً إلا أنني أظل عاجزة عن اكتشاف حقيقتي الوجدانية ..
ووجدت أنه بالايمان وحده تنحسر المسافات وتتلاشى الأبعاد وأستطيع أن كتشف المجهول ليتحول واقع من المعرفة
فوجهت وجهي شطره وقلت :
يارب امنحني اليقين لأبصر الأشياء بمنظار الايمان الذي لا يعكر نقاءه وصفاءه
أعطني القدرة لأكون حيث أردت
ومما حذرتني يارب أعطني الاستطاعة في أن أقف عند حدود ما أمرت
يارب .. حلمك ليكن ايقاظاً لضميري عند سقطة خطأ
وعلمك ليكن دفعة لخروجي من دائرة الحيرة والشك الى دائرة الضوء والابصار
يارب : امنحني بصيرة الرؤية لكي أميز بين الصواب والخطأ
__________________
تحت الترميم
اليمامة غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 07-08-2009, 10:05 PM   #4
هـــند
مشرفة
 
تاريخ التّسجيل: May 2008
الإقامة: بلاد العرب
المشاركات: 4,260
إفتراضي

مفيد جدا وتحليل منطقي للأوضاع العربية،
بارك الله فيك
__________________

هـــند غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 20-08-2009, 08:56 PM   #5
عبدالسلام الهاشمى
عضو فعّال
 
تاريخ التّسجيل: Aug 2009
المشاركات: 261
إفتراضي

موضوع مبدع وممتع
مشكور
وننتظر منك المزيد
عبدالسلام الهاشمى غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .