العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نقد كتاب مظلوميّة الزهراء (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: نقد كتاب عقيدة أبي طالب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب سبب وضع علم العربية (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب أدلة أن الأئمة اثنا عشر (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب الصحابي و عدالته (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عن الثورة التشرينية في العراق (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب حديث الطير (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عن الثورة التشرينية في العراق (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب الإبادة لحكم الوضع على حديث «ذِكْرُ عَليٍّ عبادة» (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 08-06-2011, 10:06 PM   #121
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(116)
فالشاعر كما رأينا يصور كلا من الطرفين مستقلاً عن الآخر ، والطرف الأول بما يحمله من عبير المجد والعزة والخلود ، والثاني بكل ما آل إليه هذا المجد من اضمحلال وخمود ، ومن خلال وض عكل من الطرفين إزاء الآخر يبدأ التفاعل بينهما ، وتبرز المفارقة. وفي مثل هذه الصورة من المفارقة يظل الطرف التراثي محتفظًا بدلالته التراثية، ولا يحمل أية دلالة معاصرة في ذاته إلا من خلال مقابلته بالطرف المعاصر ، والتفاعل بينهما ، ومن ثم فإن هذه الصورة تظل أهون صور المفارقة ذات المعطيات التراثية قيمة من الناحية الفنية
الصورة الثانية : وفيها يستدعي الشاعر الطرف الثاني إلى وعي القارئ دون أن يصرح بملامحه التراثية-التي يعتمد على أنها مضمرة في وعي القارئ- وبدلاً من التصريح بهذه الملامح يضفي الشاعر على هذا الطرف التراثي الملامح الخاصة بالطرف المعاصر ، والتي تناقض الملامح الحقيقية -المضمرة - للطرف التراثي . ومن خلال التفاعل العميق بين هذه الملامح الحقيقية المضمرة والملامح المعاصرة تبدو المفارقة فادحة وأليمة ، حيث تصبح منابع العطاء والخصب في التراث رموزًا للجدب والعقم ،ومعاني الشجاعة رموزًا للجبن ، وقيم الخير رموزًا للشر ..إلخ

أود لفت عناية القارئ أن الكاتب قد أورد في هذه الصورة مقطعًا من قصيدة تحمل نوعًا من التهكم بأحد الصحابة الذين لعبوا دورًا بارزًا في تاريخ الفتوحات الإسلامية ؛لذلك فقد استعضت عنها بنموذج آخر منعًا للحرج (مع الاحتفاظ بكامل التقدير للكاتب الراحل)
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 08-06-2011, 11:57 PM   #122
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي


(117)

الصورة الثالثة : وهي عكس الصورة الثانية ، حيث يستدعي الشاعر فيها الطرف المعاصر للمفارقة دون أن يصرح بأي من ملامحه ، وبدلاً من ذلك يضفي عليه ملامح الطرف التراثي سلبًا ، أو بعبارة أخرى يربط هذه الملامح التراثية بالطرف المعاصر عن طريق نفيها عنه .
ومن نماذج هذه الصورة من صور المفارقة ذات الطرف التراثي الواحد قصيدة "الشعر وخصيان السلاطين" (103) للشاعر الفلسطيني معين بسيسو ، التي بناها على نوع من إثارة الإحساس بالمفارقة بين نوعية الشعراء الذين كانوا يشتهرون ويبرزون في الماضي ، وهم أولئك الشعراء الفحول الذين صنعوا مجد الشعر العربي وتاريخه ، وبين أورئك الذين يبرزون ويشتهرون في الحاضر وهم الانتهازيون المنافقون والمتسلقون ،وقد اختار الشاعر للطرف التراثي للمفارقة شخصية أبي الطيب المتنبي ، أحد رموز الأصالة والفحولة في شعرنا العربي القديم ، ليقابل بينه وبين الطرف المعاصر المتمثل في الشعراء الانتهازيين الدخلاء على ميدان الشعر ، وقد استدعى الشاعر هذا الطرف المعاصر دون أن يصرح بملامحه المعاصرة ، وإنما اكتفى بأن ينفي عنه الملامح التراثية للمتنبي التي تجسد أصالته وعظمته ،ومن ثم فإن ملامح الطرف المعاصر لا تتميز في مجابهة ملامح الطرف التراثي ،وإنما تتحقق المفارقة عن طريق سلب ملامح الطرف التراثي عن الطرف المعاصر :
يا أبا الطيب ..خصيان السلاطين ، وغلمان القصور
كل ذي قطر وخلخال وعقد وأساور
كل من قد شده النخاس من وحل الضفائر
كل من لم يعرف الخيل .. ولا الليل ..وبيداء المخاطر
والقوافي .. وهي كالبيض البواتر
جاءنا يركب صهوات القصائد

وهكذا يضفي الشاعر ملامح الطرف التراثي سلبًا على الطرف المعاصر للمفارقة ، وهو الشعراء الوصوليون والمتسلقون والدخلاء ،حيث نفى عنهم ملمحين أساسيين من الملامح التراثية لشخصية المتنبي ، وهذان الملمحان هما الشجاعة والأصالة الشعرية ،وهما الملمحان اللذان حددهما المتنبي في بيته المشهور :
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم ُ


___________________________


(103) معين بسيسو :الأشجار تموت واقفة، دار الآداب.بيروت 1966،ص1981
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-06-2011, 12:01 AM   #123
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(118)
وهو البيت الذي استدعاه الشاعر هذا ونفى مضمونه عن الشعراء المعاصرين الانتهازيين في البيتين الرابع والخامس .
أما الأبيات الثلاثة الأولى فقد استعمل فيها الشاعر معجم المتنبي الذي كان يستعمله في هجاء بعض الأشخاص والطوائف ، فـ" خصيان السلاطين" و"غلمان القياصر" و "الأقراط والخلاخيل والعقود والأساور" و"النخاس " و"الضفائر" كل هذه مفردات أصيلة في معجم المتنبي الهجائي.
وهكذا تتحقق المفارقة عن طريق سلب ملامح الجطرف التراثي عن الطرف المعاصر عكس ما حدث في الصورة الثانية من صور المفارقة .
هذه هي الصور الثلاث للمفارقة ذات الطرف التراثي المبنية على المقابلة بين وضع تراثي وآخر معاصر ، وقد رأينا كيف كانت قصيدة برمتها تنبني على صورة من صور هذه المقبالة ، ولكن القصيدة الواحدة قد تجمع في بعض الأحيان بين أكثر من صورة من هذه الصور الثلاث كما فعل الشاعر صلاح عبد الصبور مثلاً في قصيدته "أبو تمام"(104) ، التي بناها على مفارقة تصويرية شاملة ضمت الصور الثلاث السابقة للمفارقة ذات الطرف التراثي.
والطرف التراثي -أو الأطراف التراثية- للمفارقة في هذه القصيدة يتألف - أو تتألف - من ثلاث شخصيات تراثية ارتبطت بموقف تراثي تتجسد فيه العزة والمنعة العربية ، وهذه الشخصيات الثلاث هي شخصية الخليفة العباسي المعتصم ، وشخصية المرأة العربية الهاشمية التي وقعت في أسر الروم في عمورية فاستنجدت بالمعتمص في صرختها المشهورة "وامعتصماه" فلبى المعتصم صيحتها ، وزحف إلى نجدتها بجيش ضخم اكتسح به عمورية فدمرها وحرر المرأة الهاشمية .
_____________
104: ديوان ( أقول لكم). الطبعة الثالثة .دار الآداب .بيروت سنة 1969 ص49
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-06-2011, 12:04 AM   #124
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(119)


أما الشخصية الثانية فهي شخصية الشاعر أبي تمام الذي تغنى بهذا الانتصار في قصيدته المشهورة في فتح عمورية.والشاعر يستحضر هذا الموقف التراثي بأبطاله الثلاثة ليقابل بينه وبين الموقف العربي المهزوم الضعيف ، وحالة الهوان والتقاعس التي أصيب بها العرب . وهو يستخدم الصور الثلاث للمفارقة في إبراز هذا التناقض الفادح بين الموقفين .
يستخدم أولاً في مطلع القصيدة الصورة الأولى مصرحًا بطرفي المفارقة : التراثي متمثلاً في المعتصم وهبته لنجدة المرأة العربية استجابة لصيحتها "وامعتصاه" ، والمعاصر ممثلاً في أصوات الاستصراخ المنبعثة من الأرض العربية المحتلة في فلسطين والجزائر-التي لم تكن قد استقلت بعد حين كتبت هذه القصيدة سنة 1961-هذه الأصوات التي لا تجاوبها سوى المؤتمرات والخطب والأحزان ، والشاعر يحتفظ لكل من الطرفين باستقلاله وتميزه عن الآخر فيقول في تصويره للطرف الأول :
الصوت الصارخ في عمورية
لم يذهب في البرية
سيف البغدادي الثائر
شق الصحراء إليه..لباه
حين دعت أخت عربية :
"وامعتصماه"
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-06-2011, 12:06 AM   #125
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(120)
ثم يقابل بينه وبين الطرف المعاصر الذي احتفظ له هو أيضًا باستقلاله وتميزه ،تاركًا لعملية المقارنة بين الطرفين أن تقوم بإبراز المفارقة :
لكن الصوت الصارخ في طبرية
لباه مؤتمران
لكن الصوت الصارخ في وهران
لبته الأحزان
وفي المقطع الثاني يلجأ الشاعر إلى استخدام الصورة الثانية من صور المفارقة التصويرية ذات الطرف التراثي ، حيث يستدعي الطرف التراثي للمفارقة ، ممثلاً في المرأة العربية المستنجدة ، مضمرًا الدلالة التراثية لموقفها،المتمثلة في انتصار صيحتها واستجابة المعتصم لها وزحفه لتحريرها ، فلا يصرح بها ، وإنما يسقط على المرأة العربية ملامح الطرف المعاصر المتمثل في ضعف العرب وعجزهم عن تحرير أرضهم وتركها فريسة في يد الأعداء ، حيث يجعل السيف ما يزال مغمدًا في صدر الأخت العربية بينما يقنع أحفاد أبي تمم بالخطب وتبادل الأنباء في خدر :
في موعد تذكارك يا جدُ
يلقي الأبناء الأنباء
يتعاطون أفاويق الأبناء
والسيف المغمد في صدر الأخت العربية
ما زال يشق النهدين
وأخيرًا يستخدم الشاعر الصورة الثالثة من صور المفارقة ذات الطرف التراثي الواحد ، حيث يستدعي الطرف المعاصر بدون أن يستدعي ملامحه ، وبدلاً من استحضار ملامحه المعاصرة يضفي عليه سلبًا ملامح الطرف التراثي بنفيها عنه .
والطرف المعاصر هنا هو أحفاد أبي تمام الذين لم يعوا أقواله ولم يفهموها ، وقد سلب الشاعر عن هذا الطرف بعض الملامح التراثية المرتبطة بأبي تمام ، والمتمثلة في تفضيله للسيف على الكتب في مطلع قصيدته المشهورة في فتح عمورية :
السيف أصدق إنباءً من الكتب
في حده الحد بين الجد ِ واللعبِ
وقد نفى الشاعر مضمون هذا البيت عن الطرف المعاصر المتمثل في أحفاد أبي تمام الذين لم يعوا قوله ولم يفهمون ، فأغمدوا أسيافهم الصادقة ، وقنعوا بما ترويه الكتب :
وأبو تمام الجد حزين لا يتكلم
قد قال لنا ما لم نفهم
والسيف الصادق في الغمد طويناه
وقنعنا بالأنباء المروية
وهكذا بنى الشاعر قصيدته على هذه المفارقة الشاملة الكبيرة التي استخدم في إبرازها وبنائها الصور الثلاث للمفارقة ذات الطرف التراثي الواحد .

المفارقة ذات الطرفين التراثيين :
أما النمط الثاني من أنماط المفارقة التراثية فهو المفارقة ذات الطرفين التراثيين ، وهو نمنط أكثر تعقيدًا وعمقًا من المفارقة ذات الطرف التراثي الوحد ، إذ في هذه المفارقة التصويرية ذات الطرفين التراثيين يكون لطرفي المفارقة أو لأحدهما أكثر من مستوى دلالي ، بأن يحمل مع دلالته التراثية دلالة أخرى معاصرة رمزية ، وهكذا تتم عملية المقابلة في هذه المفارقة على مستويين حيث تتم أولاً بين الدلالة التراثية للطرفين وتتم ثانيًا بين الدلالة التراثية لأحدهما والدلالة المعاصرة الرمزية في الآخر ، وبهذا تزداد المفارقة عمقًا وتأثيرًا عن طريق هذه المقابلة المزدوجة التي تبرز التناقض بين الطرفين مرتين .
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-06-2011, 12:08 AM   #126
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(121)
في قصيدة " من مذكرا ت المتنبي في مصر "(105) للشاعر أمل دنقل يستخدم الشاعر مفارقة تصويرية أحد طرفيها شخصية كافور الإخشيد ، الذي يمثل السلطة الضعيفة العاجزة المهزومة ، التي تحاول تغطية ضعفها وعجزها بلون من الدعاية الزائفة ، وهو يضفي على شخصية كافور من خلال هذه الملامح مدلولاً رمزيًا معاصرًا ويقابل بينه -بدلالته التراثية والرمزية- وبين شخصيتين تراثيتين أخريين ، تمثل كل منهما القوة والإقدام والغلبة ، وهما شخصيتا سيف الدولة الحمداني والمعتصم العباسي، مستخدمًا أسلوبين مختلفين في إبراز المفارقة بين شخصية كافور وكل من هاتين الشخصيتين فبالنسبة لشخصية سيف الدولة يستدعيها الشاعر من خلال رؤيا المتنبي -الذي يحمل بدوره إلى جانب دلالته التراثية دلالة أخرى رمزية ، حيث يرمز إلى صاحب الكلمة المعاصرة-ليقابل بينها وبين شخصية كافور بدلالتها التراثية ، ولكن من خلال هذه المقابلة يتم في وعي القارئ مستوى آخر من المقابلة بين شخصية سيف الدولة بما تمثله ، وشخصية كافور بمدلولها الرمزي المعاصر ، يقول الشاعر على لسان المتنبي متحدثًا عن سيف الدولة :
حلم حلظة بكا
وجندك الشجعان يهتفون : سيف الدولة
وأنت بدر تختفي هالة الغبار عند الجولة
ممتطيًا جوادك الأسهب .. شاهرًا حسامك الطويل المُهلكا
تصرخ في وجه جنود الروم
بصرخة الحرب ، فتبسقط العيون في الحلقوم
تخوض .. لا تبقى لهم إلا النجاة مسلكا

تهوى .. فلا غير الدماء والبكا
والصبية الصغار يهتفون في حلب :
يا منقذ العرب
يا منقذ العرب
حين تعودت باسمًا ومنهكا
ثم يقابل الشاعر بين سيف الدولة بهذه الدلالة المشرقة الرائعة وبين كافور -ودلالته الرمزية والتراثية-بكل ما يمثله من ضعف وتضعضع وهوان وتغن بأمجاد وبطولات زائفة :
حلمت لحظة بكا
حين غفوت
لكنني حين صحوت
وجدت ذاك السيد الرخوا
تصدر البهوا
يقص في ندمانه عن سيفه الصارم
وسيفه في غمده يأكله الصدأ
وعندما يسقط جفناه الثقيلان .. وينكفئ
يبتسم الخادم

_________________
(105) : ديوان:البكاء بين يدي زرقاء اليمام.دار الآداب. بيروت 1969 . ص 121

آخر تعديل بواسطة المشرقي الإسلامي ، 09-06-2011 الساعة 12:24 AM.
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-06-2011, 12:12 AM   #127
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(122)
أما المقابلة بين شخصية كافور وشخصي المعتصم فإن الشاعر يسلك إليها طريقًا أكثر خفاء وبراعة ، حيث لا يصرح بشخصية المعتصم ولا بموقفه من المرأة العربية التي استنجدت به من أسر الروم بصرختها المشهورة "وامعتصماه" فأنجدها واكتسح عمورية وحررها من الأر ، لا يصرح الشاعر بأي من هذه الملامح التي تمثل الطرف الآخر للمفارقة وإنما يضمرها ويضفي على كافور من الملامح ما يستدعي إلى ذهن القارئ موقف المعتصم العظيم ، حيث يروي عن كافور قصة مشابهة عن فتاة عربية هي "خولةتلك البدوية الشموس "حبيبة المتنبي التي التقى بها بالقرب منب أريحا وعندما سأل عنها القادمين في القوافل بعد أن تركها أخبروه"أنها ظلت بسيفها تقاتل في اللي تجار الرقيق عن خبائها" ولكنهم اختطفوها بعد أن جرحوا شقيقها وأباها ، وعجز الجيران عن إغاثتها .يقول الشاعر على لسان المتنبي ، الذي يرو القصة مصورًا حزنه لوقوع حبيبته العربية في أسر الروم :
ساءلني كافور عن حزني
فقلت : إنها تعيش الآن في بيزنطة
حزينة كالقطة
تصيح :"كافوراه ..كافوراه"
فصاح في غلامه أن يشتري جارية رومية
تجلد كي تصيح : وراوماه .. وراوماه"
لكي تكون العين بالعين
والسن بالسن
هكذا يستدعي الشاعر بهذا المسلك البارع إلى القارئ موقف المعتصم من الأسيرة التي استنجدت به ، وتنم المقابلة في صمتبين هذا الموقف الشامخ العظيم وموقف كافور الهزيل المثير للسخرية والازدراء ، دون أن ترد أية إشارة إلى المعتصم ، أو إلى موقفه من الأسيرة التي استنجدت به .
وهكذا عن طريق هذا التركيب البارع في بناء المفارقة وتعدد مستويات التقابل بين الطرفين فيها تزداد المفارقة غنى وعمقًا ، وتزداد المعاني التي تستثيرها اتساعًا ورحابة في وجدان القارئ وعقله ، ويزداد إحساسه من ثم بفداحة المفارقة قوة وشمولاً .

آخر تعديل بواسطة المشرقي الإسلامي ، 09-06-2011 الساعة 12:24 AM.
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-06-2011, 12:19 AM   #128
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(123)
المفارقة المبنية على نص تراثي :
بقي نوع أخير من المفارقة التصويرية التي يستخدم الشاعر في بنائها بعض معطيات التراث ، وهي تلك المفارقة التي يكون العنصر التراثي فيها المستخدم اقتباسًا تراثيًا وليس شخصية أو حدثًا ،والصورة العامة لمثل هذه المفارقة القائمة على اقتباس تراثي أن يحور الشاعر في النص المقتبس ليولد من هذا التحوير دلالة معاصرة تتناقض مع الدلالة التراثية للنص التي ارتبطت به في الأذهان ، ومن خلال المقابلة بين هذا المدلول الجديد الذي اكتسبه النص المقتبس بعد تحويره وبين الدلالة الأساسية له -المضمرة في ذهن القارئ-تتولد المفارقة.

فمثلاً حين يريد شاعر كمحمد عز الدين المناصرة أن يندد بالموقف الرعبي المعاصر من قضية فلسطين ، وكيف أن العرب يحاربون بالخطب ، والحكم فإنه يصوغ مفارقة تصويرية عن طريق استدعاء نصين تراثيين ارتبطا بمعاين العزم والقوة والشكيمة والسعي الحازم للثأر ، أولهما عبارة ارمئ القيس المشهورة التي قالها حين بلغه نبأ مقتل أبيه وهو عاكف على الخمر :"اليوم خمر وغدًا أمر " وكانت هذه العبارة بداية معارك طويلة ومريرة خاضها امرؤ القيس في سبيل الثأر لأبيه من قاتليه ، أما النص الثاني فهو بين ابن أخت تأبط شرًا في قصيدتهخ المشهورة التي قالها بعد مقتل خاله وانتداب نفسه للثأر له ، هذا البيت الذي يتفجر توعدًا وحماسًا وعزمًا جادًا على الثأر :
فوراء الثأر مني ابن أخت
مصع ، عقدت ما تحل
يأخذ الشاعر المناصرة في قصيدته "المقهى الرمادي "(106) هذين النصين بكل ما يفيضان به من معاني الإصرار الحاسم على الثأر والسعي الدائب في سبيله ، فيحور فيهما بحيث يعطيان مدلولاً مناقضًا للمدلول التراثي الذي ارتبط بهما في الأذهان .
_____________
(106):ديوان : يا عنب الخليل ، دار العودة .بيروت 1970 .ص38

آخر تعديل بواسطة المشرقي الإسلامي ، 09-06-2011 الساعة 12:24 AM.
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-06-2011, 12:23 AM   #129
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(124)
ومن خلال المقابلة بين هذا المدلول التراثي للنصين والمدلول الجديدالذي اسكتباه بعد تحويرهما تبرز المفارقة الأليمة :
وأقول :"اليوم خمر .. وغدًال .. " يا غرباء
اسكتوا يا غرباء
فوراء الثأر منا خطباء
ووراء الثأر منا حكماء
هكذا تتحول تلك العزيمة الباترة في عبارة امرئ القيس "وغدًا أمر "وذلك الوعيد الرهيب في بيت ابن أخت تأبط شرًا إلى هذه الرخاوة وذلك الضعف المتمثلين في الخب الخاوية الجوفاء ، والحكم العاجزة الكسيحة التي نعدها للثأر ، وتتم المفارقة عن طريق إبراز هذا التناقض بين المدلول التراثي للنصين والمدلول الجديد الذي اكتسباه بعد تحويرهما.
وشيبه بهذا ما صنعه الشاعر ممدوح عدوان في قصيدته "روي عن الخنساء" (107) حيث استدعى بيت الخنساء المشهور في إحدى قصائدها في رثاء صخر :
ولولا كثرة الباكين حولي
على قتلاهمو لقتلت نفسي
بكل ما يفيض به من معاني العزاء والتصبر بكثر ةالباكين ، فحور في هذا المعنى ليجعل بكاء الباكين عاملاً من عوامل مأساة الخنساء المعاصرة ، وبعدًا من أبعادها ، بعد أ، كان في مدلوله التراثي باعثًا من بواعث العزاء وعاملاً من عوامل التجلد ، يقول الشاعر :

ولولا كثرة الباكين حولي ما تعرت نسوة للفاتحين ضحى
ولا اهترأت سيوف الهند في بيتي
ولا قتلت قبيلتنا ابنها صخرا ، ولا عشنا بلا شمس ِ
ولا جاء الرجال إلى في أثواب نسوتهم ..لينسوني صدى ميتي

وهكذا يأخذ البكاء الباكين حول الخنساء ،بما كان يفيض به من معاني النبل والجلال والقدرة على بث العزاء في صدر الشاعرة ، معنى مناقضًا فيصبح رمزًا من رموز الخور والذلة والتهرب الجبان من مواجهة مسؤلية الثأر للشهداء ، وتتم المفارقة في وجدان المتلقي ووعيه بين المدلولين لتحدث هذه المفارقة ما يريد لها الشاعر أن تحدثه من أثر .
ولعله قد تبين من محاولة دراسة هذا التكنيك من تكنيكات القصيدة الحديثة مدى غنى وروعة ما يحاول الشاعر المعاصر أن يوفره لتجربته الشعرية من أدوات فنية لا حدود لقدرتها على الإيحاء والتصوير .

__________________
(107):ديوان الظل الأخضر ، منشورات وزارة الثقافة .دمشق 1976ص15
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-06-2011, 12:08 PM   #130
المشرقي الإسلامي
أحمد محمد راشد
 
الصورة الرمزية لـ المشرقي الإسلامي
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2003
الإقامة: مصر
المشاركات: 3,808
إفتراضي

(125)
الفصل السادس
موسيقى الشعر
1-وظيفة الموسيقى في القصيدة :
الموسيقى عنصر أساسي من عناصر الشعر ، و أداة من أبرز الأدواتالتي يستخدمها الشاعر في بناء قصيدته ،وهي بالإضافة إلى هذا فارق جوهري من الفوارق التي تميز الشعر ع النثر ، وإن لم تكن هي الفارق الوحيد بينهما ،وهذا ما فطن إليه أرسطو حيث نبه في كتابه "فن الشعر"إلى خطأ إطلاق لقب الشاعر على من ينظم نظرية في الطب أوالطبيعة ، على أساس أن النظم أو الوزن ، ليس وحده هو ما يميز الشاعر من سواه ، وذكر "أن من ينظم نظرية في الطب أو الطبيعة يسمى عادة شاعرًا ، ورغم ذلك فلا وجه للمقارنة بين هوميروس وأنباذوقليس إلا في الوزن ، ولهذا يخلق بناء أن نسمي َ أحدهما (هوميروس)شاعرًا ، والآخر طبيعيًا أولى منه شاعرًا .(108)

والموسيقى في الشعر ليست حلية خارجية تضاف إليه ، وإنما هي وسيلة من أقوى وسائل الإيحاء ، وأقدرها على التعبير عن كل ما هو عميق وخفي في النفس مما لا يستطيع الكلام أن يعبر عنه ، ولهذا فهي من أقوى وسائل الإيحاء سلطانًا على النفس ، وأعمقها تأثيرًا فيها ، ولقد فطن بعض نقادنا العرب القدامى على نحو غامض إلى هذه الوظيفة الإيحائية للموسيقى ، كابن عبد ربه الذي قال في كتابه "العقد الفريد" : "زعمت الفلاسفة أن النغم فضل بقيَ من المنطق لم يقدر اللسنان على استخراجه ، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيح لا على التقطيع ، فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الروح " (109)

_________________________________
(108) : أرسطو : فن الشعر .ترجمة وشرح د.عبد الرحمن بدوي .مكتبة النهضة المصرية 1952 .ص6. وأبناذوقليس -القرن الخامس قبل الميلاد -فيلسوف يوناني من علماء الطب والطبيعة ، وهوميروس -القرن التاسع قبل الميلاد - أشهر شعراء اليونان ، وصاحب أشهر ملحمتين في تاريخ الأدب العالمي-"الإلياذة" و.الأوديسة".
(109):أحمد بن عبد ربه: العقد الفريد.المطبعة الشرقية.القاهرة 1305،3\177.وانظر :د.محمد غنيمي هلال:النقد الأدبي الحديث ص486
المشرقي الإسلامي غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .