العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الفـكـــريـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: كلمات جذر مطر فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كلمات جذر معن فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كلمات جذر مكث فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كلمات جذر مقت فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كلمات جذر مسح فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: المسك فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كلمات الجذر مكن فى القرآن2 (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كلمات الجذر منع فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: كلمات الجذر مهد فى القرآن (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 06-08-2009, 11:46 AM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ

المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ



المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة

ترجمة: د.علي حاكم صالح و د. حسن ناظم

من منشورات: المنظمة العربية للترجمة

توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية

مراجعة: فالح عبد الجبار

الطبعة الأولى: 2008

الحجم : 509 صفحات من القطع المتوسط.

المحتويات:

كلمة شكر
المقدمة

القسم الأول: أصول المجتمع المدني

الفصل الأول: المجتمع المدني والموروث الكلاسيكي
خطر المصلحة الخاصة
الحكومة المختلطة
المجتمع المدني والمصلحة العامة

الفصل الثاني: المجتمع المدني والجماعة المسيحية
الغرور، والإيمان، والدولة
الجماعة المسيحية
الانشقاقات المبكرة

الفصل الثالث: المجتمع المدني والانتقال الى الحداثة
الفضيلة والسلطة
المجتمع المدني والضمير المتحرر
السيادة، والمصلحة، والمجتمع المدني

القسم الثاني: المجتمع المدني والحداثة

الفصل الرابع: نشوء (الإنسان الاقتصادي)
الحقوق، والقانون، والميادين المحمية
الأسس الأخلاقية للمجتمع المدني
ظهور المجتمع المدني البرجوازي

الفصل الخامس: المجتمع المدني والدولة
المجتمع المدني والجماعة الأخلاقية
المكنسة العملاقة
نظام الحاجات
سياسة الثورة الاجتماعية

الفصل السادس: المجتمع المدني والتنظيمات الوسيطة
الجمهورية الأرستقراطية
المجتمع المدني والجماعة
أعراف المجتمع المدني
الدروس الأمريكية

القسم الثالث: المجتمع المدني في الحياة المعاصرة

الفصل السابع: المجتمع المدني والشيوعية
النزعة الشمولية (التوتاليتارية)
الثورة (المحدودة ذاتياً)
بلوغ الحدود

الفصل الثامن: المجتمع المدني والرأسمالية
أسس التعددية
تسليع الميدان العام
أحلام التجديد

الفصل التاسع: المجتمع المدني والسياسة الديمقراطية
الثبت التعريفي
ثبت المصطلحات


من هو الكاتب؟

جون إهرنبرغ: أستاذ العلوم السياسية في جامعة (لونغ آيلند) الأمريكية، ناشط في الحقوق المدنية ومناهضة الحروب. له كتابات كثيرة في الماركسية والفكر الديمقراطي وتاريخ النظرية السياسية.

المترجمان:
د. علي حاكم صالح: أكاديمي ومترجم عراقي متخصص في الفلسفة الحديثة.
د. حسن ناظم: أكاديمي ومترجم عراقي متخصص في النظرية النقدية والأدب العربي الحديث.

بعض ما قيل في الكتاب:

((لن يرغب أحدٌ من المشتركين في النقاش الدائر حول المجتمع المدني [وقليلون هم العلماء الجديون غير المنخرطين في هذا النقاش] أن يهمل كتاب جون إهرنبرغ حول تلك الفكرة الرائعة... فهو كتاب موسوعي مشغول جيدا وبشغف ونفس حاد.
إنه مساهمة كبرى في كتابة تاريخ النظرية السياسية يقدمها واحد من ألمع نجوم كواكب النظر النقدي))
هذا ما قاله: برتل أولمان، جامعة نيويورك
ومؤلف كتاب تحقيقات جدلية

(( هذا الكتاب دراسة وافية عن فكرة بذرية في تاريخ النظرية السياسية.. إنه عمل مكتوب بأسلوب جميل وهو يحمل منظورا نقديا مهماً. إنه مساهمة علمية أصيلة في تبحرها))
هذا ما قاله: ستيفن إريك برونر
جامعة روتجرز

أهمية عرض الكتاب

كثيرا ما نسمع عبارات الاستهزاء بالأمتين العربية والإسلامية ومن أبنائهما، لرداءة أداءهما وركود التطور في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، ومما تذكره الانتقادات للأمتين، أنه بالرغم من تفوق الأمتين العربية والإسلامية بأعداد أبنائها وعمق تاريخهما، فإن الأمتين تتعرضان للتجاهل والاعتداء والعبث برموزهما وأراضيهما ومصالحهما من قبل مجتمعات دول أقل عددا وتاريخها لا يزخر بماضٍ عريق!

إن الفرق بين الحالتين، هو توزيع الأدوار وتقسيم العمل ووقوف المجتمع جاهزا للدفاع عن تراثه وتاريخه ومصالحه، وهذا لن يتأتى إلا من خلال رصف أبناء الأمة في تنظيمات مدنية نشطة تناقش وتحاجج من يحاول العبث بمصالحها من حكام يستغفلون أبناء الأمة واستغلال انفراط عقدهم.

وقد قدم المفكرون العرب كثيرا من المساهمات الفكرية التي تناقش موضوع المجتمع المدني أمثال: محمد عابد الجابري و عزمي بشارة وعبد الله العروي، وكلها مساهمات جديرة بعرضها وتبسيط محتوياتها لجمهور المثقفين، ولكن هذا الكتاب يكتسب أهمية استثنائية كونه قادم من بيئة معايشة لحالة تنظيم المجتمع المدني، وليس بيئة تحلم في صناعة مجتمع مدني متطور.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 10-08-2009, 12:20 PM   #2
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي


الفصل الأول: المجتمع المدني والموروث الكلاسيكي

تأملت النظرية الإغريقية طيفاً واسعا من العلاقات الإنسانية. فالحب والصداقة والتعليم والزواج والمواطنة وواجبات العبيد ومسئوليات السادة ومهارات الحرفيين وتقسيم العمل، كل تلك المسائل دُرِست من حيث فرادتها وترابطاتها.

خطر المصلحة الخاصة

تلمس القدماء خطورة المصلحة الخاصة وأثرها على نخر بنيان الدولة وهزيمتها. وقد عبر أفلاطون ابن أثينا (ولد 428 ق م) والذي شهد هزيمة أثينا عسكرياً، عن تلك الآثار المترتبة على تقديم المصلحة الخاصة على مصالح الدولة.

فقال: (إن المصلحة الفردية لا يمكن أن توفر أبداً أساساً كافياً لحياةٍ سعيدة، وعادلة أو متمدنة، فالقوة الشرعية، والسلطة، والمعرفة توجد فقط لخدمة أولئك الذين تُمارس لأجلهم. تماما مثلما تكمن مهارة الطبيب في معالجة المرض، ومثلما يمارس القبطان سلطته نيابة عن طاقمه، فإنه لا يجوز لأي حاكم، بقدر ما يتصرف بصفته حاكماً، أن يتوخى أو يفرض ما يصب في مصلحته الخاصة، فكل ما يقوله ويفعله، سيُقال ويتحقق بموجب ما هو مفيد وملائم للرعية التي من أجلها يمارس مهنته).

ذلك أن السلطة السياسية وجدت لتقوم بخدمة رفاه المدينة ورفاه مواطنيها. ولا يمكن فهم المجتمع المدني إلا بموجب المبادئ الناظمة للدولة.

(1)

أدرك أفلاطون أن الناس يعيشون في ميادين مترابطة، وأن لكل ميدان منطقه التنظيمي الجوهري الخاص. وكان من المهم، بالنسبة إليه، أن يحيط بكل واحد من هذه الميادين، ذلك أنه أراد بلوغ فهم شامل للكامل.

يتألف المجتمع المدني [عند أفلاطون] مثل جسم الإنسان أو طاقم السفينة، من عناصر مختلفة لها مهارات مختلفة وتؤدي مهمات مختلفة. فهو يستند الى الحاجة المادية للكائن البشري للطعام، والمسكن، والملبس. وفي الحقيقة، فإن تقسيم العمل القائم على الاستعدادات الطبيعية يقع في قلب نظرية أفلاطون عن العدالة، والسياسة، والمجتمع المدني. فالعدالة، التي ترشدها فضيلة العقل الأساسية، تتيح لكل جزء المساهمة في رفاه الكل.. وهذا يجري سواء في الحياة العائلية، أو الصداقات، أو الشؤون السياسية.

إن نظرية أفلاطون نظرية وظيفية، إذ يعتمد صلاح الروح والجسم والدولة على الانسجام المتوازن الذي يتحقق عندما يقوم كل عنصر مكوِن بأداء وظيفته المناسبة. وقد بحث أفلاطون دائما في هذه العلاقات المتبادلة، لأنه ((من دون العدالة، لا يمكن للرجال أن يعملوا معاً على الإطلاق))

(2)

كانت مهمة النظرية السياسية، بالنسبة لأفلاطون، تتمثل في مواجهة مشكلة الفساد والتحلل [التفتت] المتلازمتين. وقد كان واثقاً من مصدرهما حين أثار السؤال الآتي: (( أليس أخبث شرٌ بالنسبة للدولة هو الشيء الذي يتولى تقطيعها إرباً ويدمرُ وحدتها، بينما لا يصلحها شيءٌ أكثر من ذلك الذي يشد لحمتها ويرصها في كل واحد؟)).

لقد أراد أفلاطون التوكيد على أن وراء ترهل أداء المواطنين ووراء الاضطرابات وأعمال الشغب ووراء التفتت يكمن الفساد الذي هو عكس العدالة التي تغذي كل عضو أو خلية في الجسم بمبررات بقائها وأدائها عملها على أحسن وجه.

وهنا، نرى أن أفلاطون قد اكتشف مبكراً مصادر الاضطراب الاجتماعي، عندما أخذ يتحرى ويتتبع بواطن تكوينه في مفاصل المجتمع المدني.

لقد استذكر أفلاطون حكمة (سقراط) التي مؤداها (أن الإنسان السعيد سيوجه نفسه طبقاً لمعرفته بالغايات الجوهرية للحياة)

(3)

(ما لم يتم القضاء على الأنانية الذاتية في المهد، فإنها ستتسرب من قيادة المدينة الى عامة السكان، ذلك أن التنوع، واللامساواة، والتنافر ستسبب الكراهية والحرب الأهلية كما هو دأبها دائماً، وتلك هي، كما في كل مكان، ولادة الصدام المدني وأصله) [ من كتاب جمهورية أفلاطون ص 270]

في مناقشته للأهواء الخاصة، وأثرها في تفتيت المجتمع وشيوع الفساد، حارب أفلاطون فن الرسم وقرض الشعر، واعتبر من يزاولهما مسايراً للانفعالات الشخصية ومغرقاً للحقيقة العامة في حدود الذات، ويسهم في تقزيم ملكة العقل الرشيدة، وهو يسعى للإشباع الفوري للذة الشخصية على حساب المصالح العامة.

(4)

(( القانون غير معني بتحقيق السعادة لأي طبقة واحدة بشكل خاص، بل هو معني بضمان رفاهية الجماعة ككل. وبإقناع الناس بالقانون أو التهديد به سوف يتحقق الانسجام بين المواطنين، وسوف يجعلهم يتشاركون المنافع التي يمكن أن تساهم بها كل طبقة في الصالح العام، ولم يكن غرضه من تشكيل الناس على تلك الروح هو لزوم ترك كل واحدٍ وشأنه، بل لزوم أن يكونوا مفيدين في توحيد الجماعة)).

حاول أفلاطون أن يوفر قوة معادلة للتنازع النافر بين المصالح المختلفة، عبر فلسفة عامة ترسي السياسة على قاعدة الحكمة الأخلاقية والحياة الخيرة. غير أن سعة أفقه بدت في النهاية أنها العلاج الذي قتل المريض!

لكن، لا شك أن أفلاطون قد أسس لقواعد تشكيل المجتمع المدني بوقت مبكر.

تعليق:

لم يكن أجدادنا بعيدين عن التفاعل مع مثل تلك الطروحات، فقد بدا أثر تلك الفلسفة واضحاً في كتابات (ابن سينا) و (الفارابي) و (ابن رشد) و (ابن خلدون) وهم من الفلاسفة الذين أسهموا بإحياء الفلسفة القديمة وأعادوا إنتاجها بما يتلاءم مع معتقدهم الإسلامي. فقد كانوا يحاذون عمل السياسيين ويكتبون بما يدعم عمل هؤلاء السياسيين.

وفي مرحلة أخرى، ظهر مجموعة من الكتاب السياسيين المسلمين والعرب، والذين كتبوا في السياسة بشكل محدد مثل: (أبو الحسن الماوردي) و (ابن الأزرق) وغيرهم.

ومن هنا فإن مناقشة مواضيع كالتي بين يدينا، ستساعد وبدون شك في تنشيط الذاكرة المنتمية والتي ستكون مستعدة بعد إعادة عملها على القراءة الصحيحة لما يدور حولنا ونعجز عن تفسيره في كثير من الأحيان.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-08-2009, 07:42 AM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي



الحكومة المختلطة


(( كانت العائلة والقرية تسبقان الدولة زمنياً، لكنها سابقة عليهما من حيث الطبيعة، لأن إمكانهما الأخلاقي يكتمل فيها ... وأن الحياة الأخلاقية المكتفية ذاتياً للمدينة هي الغاية المتضمنة في أشكال التنظيم كلها غير المكتملة ... وأن الإنسان مهيء لأن يكون جزءا من الكل السياسي، ولذا يكون ثمة دافع متأصلٌ لدى الجميع للارتباط بهذا النظام ... والإنسان عندما يكون كاملاً، هو أفضل الحيوانات، ولكنه حين ينفصل عن القانون والعدالة يكون أسوأها)) [ أرسطو]

بعد أن استعرض الكاتب ما أسس له أفلاطون في فقه السياسة الغربية، انتقل ليستعرض ما قدمه تلميذه (أرسطو طالس المولود في 384 ق م)، والذي أمضى عشرين عاما في أكاديمية أفلاطون.

والفقرة التي بدأنا بها هذه الحلقة، هي شذرات مجمعة من أقوال (أرسطو)، دمجناها مع بعض لتشكل النواة التي سنمر بها على رؤية أرسطو المغايرة بعض الشيء لأستاذه (أفلاطون).

(1)

يتفق أرسطو مع أستاذه أفلاطون، على أن تقسيم العمل يقع في صميم المجتمع المدني. وما دامت الأسرة هي الوحدة الإنتاجية للعالم القديم، فهي أساس الدولة لدى أرسطو. وفي الحقيقة، كانت بضع عائلات تؤلف قرية.

يَعتبر أرسطو أن العائلة أو القرية توجد من أجل ((مجرد الحياة))، لكن المدينة توجد من أجل ((الحياة الصالحة)). وأن الأسرة والقرية هما ميدانان من ميادين الفعل الأخلاقي، غير أن مداهما مقيد، لأنهما تشكلا بحكم الضرورة والكفاح الشخصي واللامساواة.

(2)

لم يكن أفلاطون ليتفق أبداً مع رأي أرسطو القائل: أن الأسرة تتشكل من ثلاث مجموعات من العلاقات الأخلاقية المشروعة: علاقة السيد بالعبد، والزوج والزوجة، والآباء والأطفال. وكان فن التدبير المنزلي (Oikonomia) شبكة متناقضة من الضرورة الشخصية والاعتماد المتبادل، شبكة تخدم غرضاً خلقياً وتساهم في المقدار الأكمل للتطور البشري في المدينة. وقد عبر وصف أرسطو لهذا الفن، بوصفه فن إدارة العبيد وممارسة سلطة الزوج والسلطة الأبوية، عن النظرة الكلاسيكية للعائلة باعتبارها ميدناً للذكور الأحرار.

لم يشغل أرسطو نفسه بالرق باعتباره قضية إنسانية. فيقول: كان العبيد والسادة مترابطين معاً في شبكة من الاعتماد المتبادل تبلغ عمقاً أبعد من العجز المنزلي أو كسل الثري. فالعبيد ساهموا في تطوير السادة بتخليصهم من العمل المنزلي، والسادة ساهموا في تطوير العبيد بتوفير الإرشاد الأخلاقي والروية العقلانيةلهم. نظر أرسطو الى الرق بوصفه علاقة بين العناصر الحاكمة طبيعيا والعناصر المحكومة طبيعيا، وفي ذلك منفعة للجانبين وحفاظ عليهما.

كما يتصور أرسطو أيضاً سلطة الزوج والأب بوصفها علاقة الضرورة واللامساواة التي تربط البشر في علاقات منفعة تبادلية. إن التفوق الخلقي للزوج على الزوجة والآباء على الأطفال يقوم بتطوير الجميع على نحو أساسي. حتى لو كان الغرض الأخلاقي محدودا جداً.

يعرج أرسطو الى الجانب الاقتصادي، فعلى الرغم من أن الأسرة هي وحدة إنتاجية في المجتمع، فإن التبادل بين أفرادها سيكون محدودا جدا، وفي القرية سيكون التبادل أكثر سعة من الأسرة لكنه لن يؤدي الى فائض إنتاجي، طالما اعتمد مبدأ المقايضة البسيطة.

(3)

كانت الأسواق جزءا من الحياة الإنسانية لأمدٍ طويل، غير أنها لم تهيمن على الشؤون الاجتماعية إلا مؤخراً. وقد شكلت مجموعة معقدة من التطلعات والمؤسسات تنظم الحياة الاجتماعية لآلاف السنين، وكانت هذه المؤسسات في الأصل مؤسسات غير اقتصادية بطبيعتها.


كان البشر يشبعون حاجاتهم الأساسية من خلال مؤسسات الدين والقرابة التي لا يمكن أن تُفهم على نحو أولي، أو حتى على نحو واسع، بوصفها مؤسسات (اقتصادية) من حيث طبيعتها.


كانت الشؤون الاقتصادية، بطبيعة الحال، أساسية للمجتمعات المنظمة على الكفاف، غير أنها لم تقتضِ استقلالها ووضوحها الظاهرين، حتى جاءت الرأسمالية لتطلق باعثاً على نزعة حديثة متميزة الى متابعة الكسب الاقتصادي لذاته.

نتيجة للمقايضة بين مراكز بعيدة، أوجد الناس فكرة النقود، مما جعل من فكرة إشباع الحاجات هدفاً للتبادل، وهذا ما جعل أرسطو في شك من أنه ليس هناك حدودٌ لمبلغ المال الذي يمكن مراكمته في أيدي الأفراد، ومن ثم المؤسسات بعد تكون فكرة الرأسمالية.

(4)

كان أرسطو متسلحاً بقناعة مؤداها أن دافع أفلاطون لفرض وحدة على المجتمع المدني، يدمر إمكانية قيام المجتمع السياسي، فالمدينة عند أرسطو ليست مثل العناصر التي تكونها. والأفراد والأسر ظواهر موحدة، لكن (المدينة مؤلفة من عدد الرجال، وهؤلاء الرجال مختلفون، ذلك لأن المتشابهون لا يمكن أن يوجدوا مدينة) أي أنه لا تكون عندنا مدينة إذا كان سكانها متشابهون، فهم عند ذلك سيكونون أسرة، أو حتى فرداً واحداً مكررا بعدد المتواجدين في تلك المساحة التي يفترض أن تكون مدينة.

ربط أرسطو وجود الحياة العامة بضمان وجود الحياة الخاصة، وأن الخصوصية وشعور كل رجل أنه يخدم ما يخصه هو الذي يطور فكرة المدينة، وليس شعور كل رجل أنه يخدم المصلحة العامة، فإن وضعت المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة، لن يكون هناك مصلحة عامة.

لكن أرسطو، ربط المصلحة العامة بالحرية الناقصة للأسرة والأفراد، فلا يوجد امتياز يشترك به جميع المواطنين. وقد عرف أرسطو المواطن: بأنه إنسان يشارك في إدارة العدالة وإشغال المناصب. والمواطنة مقولة خُلقية تتحدد بأشياء أكثر من الولادة والإقامة وطاعة القانون.

(5)

يدخل أرسطو في توضيح فكرة الحكومة المختلطة، ويربطها بما يسمى (الصالح العام) ويقول عنه أنه شيء أكثر من كونه مجموع المصالح الخاصة كما أنه يمكن تحديده موضوعياً. ((فتلك الدساتير التي تراعي المصلحة المشتركة هي الدساتير الصحيحة، وهي التي تحكمها معايير العدالة المطلقة. أما الدساتير التي تراعي فقط المصلحة الخاصة للحكام فإنها الدساتير الخاطئة، أو هي انحرافات عن الأشكال الصحيحة)).

يقول أرسطو: أن (العدالة المطلقة) هذه متاحة لأغلب بني البشر إذا ما استخدموا عقولهم، وقد مكنت هذه البصيرة أرسطو من أن يصل الى تصنيفه المشهور للدول. النظام الملكي، والنظام الأرستقراطي، والحكومة المختلطة.

فإن المصلحة الخاصة ومنفعة الطبقة مشتركتان في الانحراف: (فالاستبدادية حكومة يديرها شخص واحد لمصلحته، والأوليغاركية (حكم القلة) تدار لمصلحة الأغنياء، والديمقراطية تدار لمصلحة الطبقات الأفقر. ولا شكل من هذه الأشكال يُدار لمنفعة المواطنين ككل).

كل المجتمعات تتألف من عوائل مختلفة ومن طبقات وصنائع وأنساب ومراتب. ولا يمكن أن تتحقق الحكومة المختلطة إلا إذا راعت دساتيرها التعددية المتأصلة في الحياة الاجتماعية.

(6)

في كل الدول، هناك ثلاثة أقسام أو طبقات متميزة من المواطنين، الطبقة الغنية جداً، والطبقة الفقيرة جداً، والطبقة الوسطى التي تشكل الحال الوسط. إن الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة تنقادان، على الأرجح، بالجشع والخوف وعدم الشعور بالأمان. فالطبقة الغنية لا تعرف شيئا غير الحكم، والطبقة الفقيرة لا تعرف شيئا غير الطاعة.

أما الطبقة الوسطى، فمن المرجح أن يكون لها أعداء أقل من الطبقتين الأخريين. الراجح أن تكون الطبقة الوسطى، بإذعانها للعقل والانضباط والاعتدال، أقل عنفاً وطموحاً وطمعاً من الطبقتين الأخريين.

والدول التي تتشكل من الطبقة الوسطى تستطيع حماية الغني من طمع الفقير والفقير من جشع الغني، وتنظيم الواجبات الضريبية.

ومن هنا فإن أرسطو دعا الى تشكيل المجتمع المدني الذي ينظم المجالات المنفصلة للحياة من خلال الدولة وهيكلها والمحيط الذي تعيش فيه تلك الدولة لتنظيم ذلك المحيط بما يتناغم مع أهداف الدولة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 10-09-2009, 06:22 PM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

المجتمع المدني والمصلحة العامة Res Publica))

قبل أن ندخل في صلب الموضوع، دعنا نمر على ما أومأ إليه المترجمان حول Res Publica))، أي المصلحة العامة، ف Res باللاتينية تعني: شيء أو شأن أو مسألة، و Publica تعني عام. فيصبح المصطلح: الشأن العام أو الصالح العام، ويستخدم للإشارة إلى أي شيء يقع خارج حدود أي ملكية خاصة. فهو ملك للجميع، وبهذا المعنى يكون مساوياً للدولة. فالدولة ليست شيئا خاصاً، إنما هي مُلك للجميع.

(1)

انشغل الفلاسفة والسياسيون في اليونان في وضع أسس لطبيعة تحرك الإنسان، حتى يربطوا تلك الطبيعة بما يتعلق بشكل الحكم وشرعيته الذي سينظم أمور الأفراد. فمنهم من رأى أن الناس ولدوا مفطورين على الحياة الجماعية العاقلة، التي تتلقى كل نفس أوامرها ونواهيها من عقلها، والذي يتشابه الى حد كبير مع عقول الآخرين، وبالتالي فإن الناظم العام لكل الناس سيكون العقل العام الذي يصدر قوانينه وتعليماته ممثلاً بالدولة التي تكفل مصالح مواطنيها.

لقد كان هؤلاء الفلاسفة وعلى رأسهم (أرسطو) يراهنون على أن الناس قادرون على حكم أنفسهم من خلال تفويض من يمثل الجماعة، ويتلاءم مع ما يصبو إليه الأفراد.

في حين، دخل الشك نفوس الآخرين في تحقيق تلك النظرة المتفائلة، وحل محلها نظرة تدعو الإنسان الى الاهتمام بنفسه واختلطت تلك الدعوات بالجانب الديني، حتى تتحقق سعادة الفرد واستقلاليته، أي أنها كانت دعوة للعزلة وعدم النزوع للاجتماع، والحذر من مفاجئات الآخرين.

(2)

اتخذ الهجوم على فكرة الجماعة السياسية التي بشر بها أرسطو، صورة (فلسفة السخط)، والاعتماد على الذات، والانكفاء، وحل الاكتفاء الذاتي والأصالة محل المواطنة والعمل المشترك. ومن هؤلاء الساخطين (أبيقور 341 ـ 270 ق م) الذي أعلن أن ((الطبيعة العمياء لا يمكنها أن توجه السلوك الإنساني.. لا يمكن للبشر أن يحيوا حياة طبيعية إلا إذا حرروا أنفسهم من الخرافات والأوهام.. والرغبة الفردية في السعادة هي المرتكز الموثوق الوحيد في عالم فوضوي لا يكترث لشيء)).

بعد تلك الموجة من السخط على السياسة اليونانية القديمة، لم يعد بعدها، المجتمع المدني (القديم طبعا) بالإضافة للسياسة مصدرين للتطور الأخلاقي. ولم تعد الذات الفردية تلقى نفسها في النشاط المشترك!

(3)

يتكون المجتمع المدني من ذرات منعزلة لا توفر تفاعلاتها المتقلبة أساساً طبيعيا للارتباط. وإن العلاقات العامة المتشابكة كلها إنما هي علاقات عرفية أصلاً، ولا يمكن تسويغها إلا إذا كانت مهمتها (تسكين ألم).

لكن، يذهب المدافعون عن المجتمع المدني، الى أن السعادة التي يراها الساخطون على السياسة وعلى المجتمع المدني، ممكن أن تتحقق بالانعزال والابتعاد عن مشاركة الناس حياتهم (همومهم وأفراحهم)، هي مقولة خاطئة، فلو اعتزل كل الناس (ليصبح قانون الاعتزال عاما) ويحل محل الدولة والسياسة والمجتمع المدني، فإنه من السهل أن تبرز على الناس قوى متجمعة صغيرة تسلبهم راحتهم وشرفهم وكبريائهم ولن تجد من يدافع عنهم طالما أن كل فرد قد أحاط نفسه بعزلة.

(4)

أحس بعض (الرواقيين) من أعداء المجتمع المدني، أنه لا بد من المصالحة بين الاعتزال والاختلاط أو المشاركة العامة.

فهذا (سينيكا Seneca) يكيف عدائه المبكر للصلات الاجتماعية ويعترف بأن ((الخصوصية استدعت الحياة المشتركة وأن المجتمع المدني يمكن أن يتعزز بالانعزال)) ... (( يجب أن نعتزل داخل أنفسنا أكثر فأكثر، لأن العلاقة بأولئك الذين لهم ميول مختلفة تشيع الاضطراب وتوقظ الانفعالات الدنيئة والخسيسة، وتسبب القروح التي ما برحت واهنة في العقل ولم تُشف شفاءً تاماً.)) .. ((أما الاجتماع والانعزال فيجب أن يتمازجا ويتناوبا. سيولد الأول رغبتنا في لقاء الرجال، ويولد الأخير رغبتنا في أنفسنا، وسيكون أحدهما علاجاً للآخر: إذ ستبرئ العزلة كراهيتنا للناس، وسيبرئ الناس كراهيتنا للعزلة)).

إن هذا التحديث في موقف الرواقيين للمجتمع المدني الشامل والذي ينظمه العقل، يفترض مساواة أخلاقية أكثر سعة مما كان ممكنا في بيئة مقيدة لدولة المدينة.

(5)

ظهر في القرن الذي سبق ميلاد السيد المسيح عليه السلام، مَن حاول الإجابة عن تساؤلات كثيرة، أو من حاول رسم الصورة التي يجب أن تكون عليها الدولة ويكون عليها المجتمع المدني.

هل هي الطبيعة أم المنفعة؟ من يملي الشكل الذي سيقود الناس، هل هي توزيع اللذة والسعادة ـ كما ارتأى أبيقور ـ أم الصراع الطبيعي المحموم على المجد والسلطة؟ في الاحتمال الأخير تم اختزال السياسة الى اغتيال وزيف وسرقة وحرب، وأوشك الرأي (الفردي) الخاص والطموح والشهوة والرغبة على تدمير الحياة المتحضرة آنذاك.

من هناك انطلق النداء Res Publica))، أي إنقاذ المصلحة العامة، والتي تتجسد في جسد الدولة الديمقراطية البعيدة عن الفردية، وهناك يبرز دور المجتمع المدني.

(6)

كان (شيشرون المولود عام 106 ق م) أبرز من حاول إنقاذ الدولة والمجتمع المدني من أن يتحولان الى حالة من الفوضى. فيقول: إن المجتمع المدني متأصل في (روح اجتماعية) غرستها الطبيعة في البشر. فالناس الذين يحركهم استعدادهم الفطري على الاجتماع، ويقودهم العقل، منجذبون للارتباط بعضهم ببعض. ولكن العواطف الجميلة وحدها لا تكفي لتشييد صلة اجتماعية قوية ودائمة، فالمؤسسات ضرورية أيضاً.


يشير (شيشرون) الى أهمية الملكية الخاصة، فهي بنظره أساس الحياة العامة. فهي من جانب تحمي الفرد من طغيان الآخرين، وتمنع الفساد من أن ينخر جسم الدولة. كان شيشرون معارضا عنيداً لقانون زراعي يصادر كل الأراضي ويعيد تقسيمها على الفقراء، فهو يرى أن ذلك سيمس الخصوصية التي هي أساس (العزلة) والتي تصالحت مع الاجتماع ضمن علاقة يحترمها الطرفان.
لكن شيشرون، ضد الجشع والاستغلال أيضاً، فهو إن كان مع الملكية الخاصة وعدم المس بها، فإنه مع فقراء الشعب من استغلالهم من المالكين الكبار، وحتى يضمن تلك المعادلة لا بد من دولة المؤسسات أو دولة المجتمع المدني. لقد أغنى شيشرون الفكر السياسي كثيراً، عندما التزم جانب العدالة التي تضمنه وجود المؤسسات.

لقد فشل في النهاية (شيشرون) من المحافظة على الدولة (الجمهورية) من الانهيار، كما فشل في تحقيق العدالة، لأنه لم تتجه الجهود بصدق لبناء دولة المؤسسات والمجتمع المدني، ولم يجرِ تنزيه المصلحة العامة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 28-09-2009, 11:46 AM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

الفصل الثاني: المجتمع المدني والجماعة المسيحية

يذكر الكاتب في بداية هذا الفصل، أن انهيار الإمبراطورية الرومانية والذي عزاه (Edward Gibbon) الى النصر الذي حققته البربرية والمسيحية، أدى الى ضعف الفهم الكلاسيكي للمجتمع المدني باعتباره جماعة منظمة سياسياً. وأنتج تفسخاً سياسيا، أصبح بعده من المستحيل ولمئات السنين التنظير في السياسة على الطريقة القديمة التي سبقت هذا التغيير.

كان اليونانيون والرومان رغم وثنيتهم قبل اعتناقهم المسيحية، يخرج من بينهم من يتناول الجانب السياسي بأخلاقية عالية تدعو للفضيلة والعدل. وعندما تم اعتناق الإمبراطور (قسطنطين) للمسيحية، تحولت القبائل والدويلات المحيطة بمركز الإمبراطورية الرومانية الى ما يشبه (الأمة المسيحية)، وأصبح التنظير في السياسة من قبل القصر مقرونا باعتقاد ديني مسيحي.


لم تكن المسيحية في بداياتها تهتم بأمور الدولة، باعتبارها قضايا دنيوية عابرة ستزول، هذا أدى الى تدفق النشاط القبائلي لقبائل الجرمان وغيرها من القبائل للتسابق على احتلال مكان قريب من المركز المسيحي، مما دفع برجال اللاهوت أن يبدءوا التفكير بالتنظير للدولة لإقامة مملكة (الرب) على الأرض.

الغرور، والإيمان، والدولة

(1)

في بداية القرن الخامس الميلادي، بدا الضعف يظهر على الإمبراطورية الرومانية، وتم اجتياح (القوطيين بقيادة ألارك) لروما. شاعت في تلك الفترة مقولات تحمل الديانة المسيحية باعتبارها مُستوْرَدٍ (شرقي) المسئولية عن هبوط الأداء السياسي وضعف الإمبراطورية. وظهر بعدها الحنين لفكر أرسطو وغيره.

ظهر بعد ثلاث سنوات من الاجتياح أي في عام 413م كتاب مصنف شهير لا زال يترك بصماته واضحة في العقائد الغربية السياسية، وهو (مدينة الله The City of God ) وقد كان من تأليف (أوغسطين) ولمن لا يعرف هذا الرجل، فقد كان أفلاطونياً محدثاً، وأسقفاً في نفس الوقت، وعالم لاهوت وقاضيا وجدلياً، وقد فكر في مسألة الروح والجسد، ورغم انبهاره بالأداء الإمبراطوري قبل المسيح عليه السلام أو قبل اعتبار الديانة المسيحية ديانة الدولة، فقد انبرى مدافعا عن المسيحية دون أن ينكر انبهاره بالتنظيم السياسي للدولة ما قبلها.

(2)

رد أوغسطين على القائلين بأن الكوارث التي حلت بروما نجمت عن الاستخفاف بالطقوس القديمة، بقوله: إن المسيحية لم تكن مسئولة عن سقوط روما، بل أن ضعف الإمبراطورية المتنصرة حديثاً جاء نتيجة تسامحها مع الوثنية والهرطقة والفسوق.

البشرية عند (أوغسطين) فاسدة فساداً كبيراً بحيث لا تستطيع أن تختط لنفسها قيما أخلاقية، وأن الجمال والأخلاق والفضائل كلها مستمدة من سجل حضور الله في الشؤون البشرية، وفهم المجتمع المدني الخاطئ يأتي من تمجيد الناس للعقل البشري وإمكانياته وابتعادهم عن الإيمان بالله.

كان لدى الإغريق والرومان فكرة مفادها أن أرضية السعادة البشرية تأسست بفعل القدرة على الكلام والتدبر، والعمل في المجتمع المدني المنظم سياسياً. أما أوغسطين فيقترح أن الإيمان والكتاب المقدس والكنيسة والمبادئ المسيحية هي الوحيدة التي يمكنها برأيه أن تضع أساساً للسياسة وتنظيم المجتمع المدني.

(3)

عند حديث أوغسطين عن روما، فإنه يقول: إن الله جعلها إمبراطورية جبارة (لعلةٍ ما!). وأن إنجازات أهلها لأنهم (أحبوا المجد بحماسة متوقدة، ورغبوا في العيش من أجله، ومن أجله لم يتوانوا عن التضحية بأنفسهم. وكانت كل رغبة مقموعة بشدة ولعهم بالمجد وحده دون سواه) كانت تلك اللهفة للثناء والرغبة في المجد إذاً، هما اللتين أنجزتا تلك المآثر العديدة الجديرة بالثناء*1

كانت الدنيوية الوثنية تتناقض بشكل صارخ مع الإمكانات التي فتحها حضور المسيح عليه السلام. بل يذهب أوغسطين الى أبعد من ذلك عندما اعتبر أن الشر والخير ابتدأتا مع ابني آدم (قابيل وهابيل). ومن هنا فقد انقسمت المدن الى مدن خير ومدن شر وبشكل سرمدي. فمدينة الشر تقوم بخدمة إبليس وشياطينه ومدينة الخير بخدمة الله وملائكته.

وفي مكان آخر من كتابه (مدينة الله) يقول أوجستين: (طبقاً لذلك، تأسست مدينتان بنوعين من الحب: المدينة الأرضية بحب الذات، حتى وإن كانت بمعصية الله، والمدينة السماوية، حتى وإن كانت باحتقار الذات، وبكلمة تمجد الأولى ذاتها، وتمجد الأخرى وتعظم الله، الشاهد على الضمير وتناجيه: [إلهي أنت مجدي، ورافع رأسي]، في الأولى يحكم الأمراء والأمم التي تخضع لهم بشهوة السلطان، وفي الثانية يخدم الأمراء والرعايا بعضهم بعضاً بالمحبة الخالصة)*2

(4)

سدد أوجستين ضربة الى صميم النزعة التفاؤلية (الفلسفية) الإغريقية والرومانية، في أن قوانينهم التي كانوا يزعمون أنها تحقق العدالة، قد أصابتهم بالغرور بأنهم حققوا مجدهم، فقادهم هذا الغرور الى العجز والانحطاط، وكان عليهم وعلى من يبكي على مجدهم المفقود أن يعلموا أن الخير والمجد هو من الله وحده، فحيث تكون هناك عبادة تليق بالرب تكون هناك أمة وبشر ومجتمع مدني حقيقي.

يقول أوجستين: (إني أقر بأنه كانت هناك جمهورية من نوع ما، وكان يديرها الرومان القدماء القدماء بصورة أفضل بكثير من النواب الرومان المحدثين [في العهد المسيحي]. غير أن الواقع هو أن العدالة الحق لن يكون لها وجود إلا في تلك الجمهورية التي يكون المسيح مؤسسها وحاكمها إذا ما اختار أي كان أن يدعوها جمهورية، وفي الحقيقة لا يمكننا إنكار أنها تمثل مصلحة البشر... كيف يتسنى للبشر أن يحققوا العدالة إذا كانوا يخدمون الشياطين الدنسة والأرواح الشريرة)*3

(5)

لقد شبه أوجستين الملوك والأمراء باللصوص، فقال: (ما الممالك، حين تغيب العدالة، غير سرقات كبرى؟ والعصابة نفسها ما هي إلا زمرة من البشر محكومة بسلطة أمير، وهي متكاتفة بموجب اتفاقية اتحاد، وأما الغنائم فيجري تقسيمها بموجب قانون تضعه العصابة نفسها)*4

استعان أوجستين بقصة تاريخية عن الإسكندر الكبير ، عندما قبض على قرصان وسأله عن دوافعه بالقرصنة واستيلائه على سفن الغير، أجابه القرصان بعجرفة (ما عنيته أنت بالاستيلاء على الأرض كلها؟ ولكني لأني أنفذ ذلك بسفينة صغيرة، أُسَمَى لصاً، بينما تنفذه أنت بأسطول ضخم، فتلقب إمبراطوراً).

(6)

بالنسبة للعقوبات والردع، انشغل أوجستين بوضع علاقة واضحة بين العقوبة ومن ينفذها ومن يشرعها ومدى فائدتها، فاعتبر أن العقوبة هي رحمة على المذنبين لكي يقابلوا ربهم يوم القيامة وهم طاهرين من كل ذنوبهم التي عاقبهم عليها من في الأرض من الذين انتدبهم الرب لذلك.

لكن من هم هؤلاء؟ إن أوجستين يطالب المؤمنين بالله من منظمات المجتمع المدني أن تلتف حول الكنيسة لتفرض قانون الله على الأرض بواسطة الدولة التي باركتها الكنيسة نفسها.

يتبع



هوامش: (من تهميش المؤلف)
Saint Augustine, The City of God, Translated by Marcus*1 Dods (New York: Random,1950) صفحة 159
*2ـ المصدر السابق ص 477
*3ـ نفس المصدر صفحة 699
*4ـ المصدر نفسه ص 112
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 12-10-2009, 02:27 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

الجماعة المسيحية

(1)

كان مسعى (أوغسطين) لتحويل بابوية القيصر (Caesaropapism)، التي دمجت الدولة والكنيسة، الى أداة لخدمة الله، بات بحاجة الى تطوير دقيق بسبب اقتران تنصير الإمبراطورية بتفككها، ودمج الدولة بالكنيسة من أجل طاعة الله، ذلك أن تنصير الإمبراطورية صاحب تفتتها.

وإن التطور البطيء للعالم المسيحي بوصفه عالم (الدولة ـ الكنيسة) الموحد شجع مفكري العصور الوسطى الأوائل على تطوير بنية شاملة تتيح لهم أن يستوعبوا ضمن حدودها علاقات الشعوب والميادين المختلفة. إن تقسيم العمل بين (البنية الكنسية) الرسمية و(البنية المدنية) للإمبراطورية والمملكة وَسَمَ مسارات السلطة المتحولة بين ميادين يكمل بعضها بعضا في أمة مسيحية واحدة.

(2)

انتقل الى العصور الوسطى، ما كان أُسس في العهود الأولى للإمبراطورية المسيحية على يد (Gelasius جيلاسيوس الأول) وأطلق عليه نظرية (السيفين Two Swords) والتي قصد بهما (سيف الله) و (سيف الدولة أو الملك) وهما مندمجان متوحدان لا يفصل بينهما شيء، وليس هناك سلطة أعلى من سلطة، وإذا تصادم السيفان فالكلمة العليا لسيف الرب (الكنيسة).

وكانت السياسة والاقتصاد والفن والعلوم والأخلاق، تتبع مباشرة لسلطة الكنيسة، وكان تنصيب شارلمان سنة 800م [ وهو المعاصر لهرون الرشيد] على يدي البابا (ليو Leo) يرمز الى صهر الكنيسة والدولة معا.

ملحوظة: ليلاحظ القارئ الكريم، أن الأوروبيين كانوا يستشعرون أو يستلهمون ما كان يجري في الشرق (الإسلامي) ويحاولوا تقليده من باب المناددة.

(3)

تعاظم دور البابا شيئاً فشيئاً، فشرع انفصاله عن جسم دولة (أي دولة) وأصبح ينصب الملوك والأمراء، وأصبح يبارك الجماعات المدنية ويتصل بإدارات الجامعات والمصالح التجارية وكبار الفلاحين أو كبار مالكي الأراضي، حتى تكونت في البلاد الأوروبية ممالك عديدة أو الأجدر أن تسمى بالإمارات أو الإقطاعيات، وأصبح البابا وكأنه الإقطاعي الأكبر. وكان المقصود بذلك هو إنشاء إمبراطورية مسيحية كبرى مكونة من دويلات يباركها البابا ويكون مقاتلو تلك الدويلات في خدمة أهداف البابا.

حدث تململٌ صامت في منظمات المجتمع المدني، (جامعات مؤسسات، مصانع) وكان الغرض من ذلك التململ هو الحصول على استقلالية معينة من سلطة الكنيسة، أو بالذات عن (البابا)، فتم اقتراح انتخاب المجلس البابوي الذي ينتخب البابا، وحدث خلاف على من يحق له تعيين أعضاء المجلس البابوي، فكان الأمراء أو الملوك يسمون مندوبيهم ليكونوا قادرين على تنصيب البابا أو عزله، فانتبه البابا لذلك ومنع تسمية المندوبين من الحكام السياسيين.

الى أن جاء الصدام بين إمبراطور ألمانيا (هنري) والبابا (غريغوري)، حيث اتهم البابا الإمبراطور بأنه ملك متمرد على سلطة البابا وبالتالي فهو متمرد على الله، وتحالف الأمراء (الملوك الأضعف) مع البابا ضد الإمبراطور (هنري)، مما حدا بإمبراطور ألمانيا ببعث رسالة شهيرة يعزل فيها البابا جاء فيها: (من هنري الملك، لا بالاغتصاب، بل بقضاء إلهي ورع، الى (هلدبراند) الذي لم يعد الآن البابا، بل راهب مزيف).

ورغم أن أساقفة (ألمانيا) اصطفوا الى جانب ملكهم، إلا أن الانتصار أخيرا كان لصالح البابا الذي هددهم بالحرمان المسيحي، فذهب الإمبراطور (هنري) حافي القدمين وبقي يقف بالثلج ثلاثة أيام في كانون الثاني/يناير من عام 1077م، قرب مقر البابا في (كانوسا Canossa) فجاء غفران البابا له.

إن انتصار البابا (غريغوري) هيأ لروما أن تكون سيدة العالم المسيحي كله، وترعى المجتمع المدني من زاوية نظر بابوية بحتة.

(4)

لقد حدث انعطافٌ في القرن الثالث عشر، عندما وصل (توما الأكويني) الى باريس عام 1245م، حيث كانت العلوم العربية والفلسفة اليونانية المعاد صياغتها على أيدي الفلاسفة العرب، الى العودة لقراءة ما كتبه اليونانيون ونقله (العرب). فافترض (توما الأكويني) أن الكنيسة لا تختلف عن المؤسسات الدنيوية الأخرى، فالكنيسة ومنظمات المجتمع المدني الأخرى هي وحدات تشكل نظاما أخلاقيا يوحده حب الله وتسير على هدي هدفها المشترك في تحقيق الخلاص.

وقد استخلص (توما الأكويني) أنه ما دام يجب على العقل الإنساني ألا ينظم فقط الأشياء التي يستعملها البشر، وإنما أيضا البشر أنفسهم. ويضرب مثلا لموضوع استخدام العقل فيقول: أن الإنسان يتبع مسارا من البسيط الى المعقد: ففي حال الأشياء التي يستعملها البشر عندما يبني هؤلاء مثلا، سفينة من (الخشب)، وبيتا من (الخشب والحجر) وفي حال البشر أنفسهم عندما تنظم مثلا، مجموعة منهم لتكون جماعة معينة والجماعات لها تراتب ومنازل، وأن المرتبة العليا هي مرتبة المدينة التي تنظم الكثير من حاجات البشر.

(5)

الكل له الأسبقية الطبيعية على الأجزاء، حتى لو كانت الأجزاء أسبق من حيث النشوء. لكن الأفراد من البشر مرتبطون بالمدينة ككل مثلما ترتبط أعضاء الإنسان بالإنسان.

والآن لو حدث أن أحدهم كان غير قادر على المشاركة في المجتمع المدني بسبب من انحراف يعانيه، فإنه يكون أسوأ من الإنسان، بل هو وحش إن جاز التعبير. ومن جهة أخرى، إذا كان غير محتاج لأي كان وهو مكتف بذاته إذا جاز التعبير، فإنه أفضل من الإنسان لأنه إله، إذا جاز التعبير. ولذلك يظل صحيحا استنادا الى العقل، أن المدينة لها الأسبقية على الفرد الواحد.

لقد حاول (توما الأكويني) أن يكون قريبا من فكر (أرسطو المنقول له عربياً) لكنه كان (لاهوتياً) فابتعد عنه في النهاية، وأرجع علاقات الناس مع بعضهم ضمن منظمات المجتمع المدني يجب أن يكون مشروطاً برضا الله وتوفيقه.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 14-11-2009, 08:36 AM   #7
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

الانشقاقات المبكرة

على الرغم من المساومة غير الكاملة التي طرحها (توما الأكويني)، استمر النزوع الى تحويل السيادة السياسية (Regnum) من فرع للجماعة المسيحية الى هيئة جماعية مستقلة للدولة، وبقي هذا النزوع يجد عداءً مستحكماً في دعاوى (البابوات) بأنهم يجب أن يشرفوا على الجماعة بكاملها.

كانت أطروحة (مارسيليوس) التي رأت أن مصالح المجتمع كلها يمكن حصرها داخل حدود الدولة الدنيوية، هي المفجر الذي قلب الموازين من سلطة الكنيسة الى المصالحة مع الكنيسة ثم أخيرا الاستغناء عن الكنيسة.

لقد اقتنص (دانتي أليجيري Dante Alighieri) فكرة من مارسيليوس مفادها: وجوب استعادة السلام المدني الذي عطلته الكنيسة بتطفلها في الشؤون الإيطالية، وادعاء البابوات بالحصانة الكنسية إزاء سلطة الدولة. فقد اعتبر هذه التعديات على واجبات الميدان السياسي مسئولة عن تقويض التوازن الذي رسم حدود مجتمع مدني مسالم على نحو معقول.

(1)

لقد ركز (دانتي) على مسألة واحدة، اعتبرها أساساً لفكرة الحكم السياسي (الأرضي)، وهي حاجة الناس للسلام والسكينة والأمن. فإن تحقق لهم ذلك فإن عطائهم وإنتاجهم وحركتهم نحو التقدم ستزيد، وبعكسه فإنهم يبقون في حالة خوف وعدم اطمئنان على مشاريعهم وأموالهم وحياتهم.

لكن، من سيقدم لهم العون في تحقيق ذلك؟ يجيب دانتي: إنها الحكومة الواحدة (حكومة عالمية واحدة!) التي يجب أن تكون مفهومة، بمعنى أنها تحكم البشرية على أساس ما نشترك فيه جميعاً وأنها تقود الجميع نحو السلام بقانون عام.*1

وإن وجود إرادة واحدة توجه الجميع هو الشيء الوحيد الذي يضفي معنى على تنوع الغايات البشرية. ف (الملِك) يخدم الله لأنه هو فقط من يستطيع (حمل البشر على الخضوع لنظام واحد من القبول والرفض).

ما دام الإمبراطور والبابا يمثلان (نوعين مختلفين من السلطة) التي لا يمكن المساس بها، فإن السلطة الزمنية للإمبراطور تتنزل مباشرة من الله دون توسط الكنيسة*2.

لكن دانتي كان على معرفة بحدود محاججته، فهو يعلم أن الإمبراطور الكلي للعالم لا يستطيع الإلمام بكل تفاصيل الحياة في مختلف الأقاليم، فقال: (إنه ليس من الخطأ القول إن كل تنظيم لكل مدينة لا يمكن أن يأتي من الحكومة العالمية مباشرة، لأنه حتى القوانين البلدية تكون أحياناً قاصرة وبحاجة الى تعديلات مستمرة.

(2)

كان لدانتي خصوم ألداء، فقد واصل البابا (إنوسنت الثالث Innocent III) و (إنوسنت الرابع Innocent IV) الإعلاء من مقام السلطة البابوية وادعاء السلطة على مجالات الحياة الدنيوية.

لكن (المرسوم البابوي Unam Sanctum) الشهير الذي أصدره البابا (بونيفيس الثامن Boniface VIII) عام 1302م دفع بالنزاع الى أشد مراحله تطرفاً بالنسبة للسلطة البابوية. وكرد فعل على سعي (إدوارد الأول Edward I) ملك إنجلترا و (فيليب الجميل ملك فرنسا) لفرض ضريبة على أملاك الكنيسة، فأعلن البابا، أنه لا سلطة فوق الكنيسة إلا سلطة الله.

لم تمنع الاحتجاجات الكنسية، الملك الفرنسي (فيليب الجميل) من إرسال جنوده للقبض على البابا بونيفيس الثامن، ولكن الموت سبقهم إليه.

(3)

انتقل الصراع الى (الكرادلة) الذين انتخبوا بابا على الفور، وواصلوا صراعهم مع السلطة ليبدأ قرن من الزمان سمي ب (الأسر البابلي 1309ـ 1378)، وضعت خلالها نظريات من قبل الكنيسة انشق عليها الراهب الدومنيكاني (جون الباريسي Dominican John of Paris) الذي دافع عن السلطة المستقلة للإمبراطور.

حُسم النزاع أخيراً لصالح الدولة القومية، بسبب التطورات الاقتصادية والسياسية، التي أنحى (مارسيليوس البادوي) باللائمة على البابوية بسبب الفساد والحزازات الفئوية والعنف المستشري في شمال إيطاليا، وقال أن الكنيسة أضعف من أنها تستطيع التماشي مع تلك التطورات وتساهم في تنظيم المسائل الدنيوية الأخرى. وتوقع (مارسيليوس البادوي) نهاية تقاليد العصور الوسطى برمتها.

وقد ساهم كتاب (مدافع عن السلمDefensor Pacis )*3 الذي ألفه (مارسيليوس البادوي) في معالجة الشرور الناجمة عن تعديات البابوية في الميدانين الروحي والزمني، وعواقبها السيئة على السلم المدني.

وبدأ مارسيليوس البادوي بالحاجات الإنسانية الأهم وتطلع الى أن تنظم الدولة المجتمع المدني حتى يتمكن الناس من العيش المشترك بسلام.

(4)

مما جاء بكتاب (مدافع عن السلم): (( لا يمكن للمجتمعات المدنية بوصفها مجتمعات ذات روابط منظمة سياسياً وأكثر سعة من العائلة أن تصبح مجتمعات كاملة ومكتفية ذاتيا كما أرادها الله من دون وجود السلام. فالبشر يحيون نوعين من (الحيوات) الخيرة: الحياة الزمنية والكونية والحياة الأبدية السماوية والمجتمع المدني هو منزل الحياة الأولى، وهو يشمل المدى التام لحياتنا على الأرض. ولكونه وجد أصلاً من أجل الحياة، فإنه يتشكل من الفصل في النزاعات وحبس المخالفين ومعاقبتهم، وحماية ما هو مشترك، والإعلاء من قيمة عبادة الله وتمجيده. أما حياة الكنيسة فمتضمنة ومحددة بالمؤسسات السياسية لمجتمع مدني دنيوي)).

رفض (مارسيليوس البادوي) لوجود أي صلة بين عمل الدولة وعمل الكنيسة، ودعا الكنيسة الى الانشغال بالدراسات اللاهوتية، وترك الشأن السياسي والدنيوي لسلطة الحكومة.

انتهى الفصل الثاني (الصفحات 73ـ 119)


هوامش
*1ـ ليلاحظ القارئ الكريم، أن تلك الأرضية الفلسفية كانت ولا زالت تغلف الخطابات السياسية والأيديولوجية التي توجه الإمبراطوريات في توسعها، زاعمة أنها وحدها القادرة على القيام بذلك.. فالمعارك الإغريقية والرومانية والفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية وحروب نابليون بونابرت وهتلر وبوش كلها تندرج تحت هذا المعنى.

*2ـ تعتبر هذه أول إشارة لتحدي (الهرمسية) التي سادت ردحا من الزمن ولا زالت جذورها قائمة في العالم. وهذه الظاهرة تكونت بعد موت نبي الله (إدريس) عليه السلام، حيث حار الناس بمن يكون إدريس(هرمس): هل هو الله أم ملك من الملائكة؟ فتم الاتفاق على أنه وكيل الله في الأرض، فكان شكل البابا في الفاتيكان أو في الكنيسة الأرثوذكسية أو القبطية ممثلاً لله في الأرض، وقد كان للمراجع الدينية (الشيعية) شكلاً قريباً من ذلك.

*3ـ كتاب فيلسوف إيطاليا (مارسيليوس البادوي)، وهو أحد الكتب الأساسية في النظرية السياسية خلال العصور الوسطى. كُتب في باريس بين عامي 1320 و 1324م انتقد فيه السياسة البابوية وبعد أن ذاعت شهرته هرب الى بافاريا الى بلاط الملك لويس الرابع. [ هذا من تهميش المؤلف].
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 03-12-2009, 10:32 AM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

الفصل الثالث:

المجتمع المدني والانتقال الى الحداثة

الفضيلة والسلطة

إن الحقب الانتقالية ليست يسيرة على الإطلاق، والانتقال الى الحداثة ليس استثناء. فلقد أسفر انحلال الحياة الدينية، والسياسية، والاقتصادية في القرون الوسطى الى استشراء قدر عظيم من الفوضى والاضطراب، حال دون بلورة نظرية متسقة عن المجتمع المدني.

كان من الواضح أن المقولات القديمة لم تكن وافية، ولم تكن المقولات الجديدة قد برزت بعد، ولم يعد بالإمكان فهم المجتمع المدني بوصفه جماعة سياسية ودينية شاملة، ولكن البنى الاقتصادية والسياسية الحديثة كانت لا تزال في طفولتها الأولى. وكانت السلطة النامية للأسواق القومية والدول القومية تَطحَن لبعض الوقت بُنى الإقطاع التراتبية للمكانة والرتب والطبقات الاجتماعية قبل الهجوم المدمر الذي شنه عصر النهضة وحركة الإصلاح.

(1)

كانت مرحلة التحول تلك مشوبة بفسادٍ سياسي، جعلت من المفكرين في ذلك العصر أن يشغلوا عقلهم في الخلاص مما كانت الدولة تمر فيه، فقاد هذا الوضع (نيكولاي مكيافيللي) الى حسم العلاقة بين ما هو دنيوي وما هو ديني، ولكنه لم يستطع الخروج عن المقولات الجمهورية المألوفة.

إن اقتصاد السلطة الدنيوية الذي جاء به مكيافيللي، وحرية الضمير التي نادت بها حركة الإصلاح المدني استبقت نشوء مجتمع مدني منظم على أساس المصالح الخاصة. وأعلن (توماس هوبز) ميلاد فرد مصلحي جديد ينشط في مجتمع مدني تنظمه سلطة الدولة. وإن هي إلا مدة قصيرة حتى انهارت محاولة العصور الوسطى لفهم (الكنيسة والدولة) بوصفهما سلطتين تشريعيتين متكاملتين لجماعة مسيحية واحدة.

انتقد مكيافيللي تمركز السلطة في كل من الكنيسة والاستبداد الملكي على حساب نظام مركب من المؤسسات الوسيطة والأديرة والبرلمانات والمدن والأصناف الحرفية والطبقات الاجتماعية التي ميزت مشهد النظام الإقطاعي في أواخر عهده.

(2)

ركَزَ مؤلف الكتاب (جون إهرنبرغ) على أبرز ما تناوله كتاب (الأمير) لمكيافيللي، ومن يتمعن بالنقاط التي ركز عليها المؤلف، سيتعرف على حِراكٍ كان قائماً في تلك المجتمعات الآخذة بالتحول، لتقود في حراكها التوجهات السياسية لدى النُخب الأوروبية لما آلت إليه العلاقة بين الدين والدولة.

يقول مكيافيللي: إن النظام السياسي المتين يستند الى رضا السكان، ويستلزم احترام عاداتهم، واحترام أسس النظام الاجتماعي القائم. فالأمير (يجب أن لا يغير قوانينهم ولا ضرائبهم) وأن يحذر من التصرف غير المحتشم مع النساء، ويحاول أن يحكم المدن المفتوحة من خلال مواطنيها ومؤسساتها هي بالذات. وقبل هذا وذاك، من الضروري ألا يغفل الأمير أبداً عن العنصر الأهم المتمثل في أملاك رعاياه الخاصة، فعلى الأمير (أن يمنع نفسه بممتلكات الآخرين، لأن الرجال ينسون موت آبائهم أسرع من نسيان ضَيَاع ممتلكاتهم)

تعليق:

كان الأمراء في أوروبا في تلك الحقبة، إذا ما رأوا بستاناً ذا حدائق غناء أمر رجاله بطرد أصحابه وضمه لممتلكاته، وإذا ما رأى فتاة أو امرأة جميلة، أمرهم بإحضارها وقتل من يريد الدفاع عنها (زوجها، أو والدها). هذا الأمر ظهر بكتابات (مونتسكيو) عندما طالب أنه لا يجوز قتل شخص إلا بقانون، ولا يجوز الاستيلاء على أرض إلا بقانون، ولا يجوز سن قانون إلا بموافقة ممثلي الشعب، وكانت تلك النواة الأولى لفكرة الديمقراطية الحديثة.

ولو عدنا في منطقتنا العربية، الى بداية القرن العشرين، لرأينا تصرفات الإقطاعيين لا تختلف كثيراً عن تلك التصرفات، فكان الإقطاعي يعبث بعفاف نساء الفلاحين لديه، وله زبانيته الذين يصدون من يعترض، من خلال حظوات اكتسبها الإقطاع في الفترات التي سبقت انهيار الإمبراطورية العثمانية. وما أن أخذت الدولة العربية بالتكون، حتى شاهدنا من فقدوا امتيازاتهم الإقطاعية يهرعون للوقوف ضد التغيير، تارة بالتباكي على زوال (دولة الخلافة!) وتارة بزعمهم معاداة التقليد الغربي. وهم بالحقيقة لا يهمهم سوى ما فقدوه من امتيازات، ولا زالت تلك الفئات وما شابهها تشكل عائقاً كبيراً أمام الانتهاء من تشكيل الدولة العربية الحديثة التي تخلو من لوائح الاستثناءات والمستثنيين.

(3)

يقول مكيافيللي: ( إذا كان الأمير هو الذي يبني سلطته اعتماداً على الشعب، وكان رجلاً قادراً على القيادة وشجاعاً، غير آيسٍ في ساعات المحنة، وغير هياب من اتخاذ التدابير، حائزاً الولاء بفضل المؤسسات التي شادها، وبما له من صفات شخصية، إذا كان الأمير كذلك فلن يخذله الشعب مطلقاً، وسيكون قد شاد سلطته بإحكام)

ويقول في مكان آخر: (على الأمير أن يشجع الرجال المقتدرين، ويُكرم المتفوقين في أعمالهم. وعليه أن يوفر الأسباب ليمضي المزارعون والصناعيون والتجار بأعمالهم بسلام، فعلى المرء ألا يخشى من تحسين ممتلكاته مخافةً أن تُسلب) و (عليه أن يُدخل البهجة في أوقات مناسبة من السنة في قلوب الناس من خلال الاستعراضات والمهرجانات).

وما دام أن مجتمع المدينة مقسم الى أصنافٍ حرفية وعائلية فيجب أن يحظى كل صنف برعاية تحسسه بمواطنته وعضويته في حلقة أو دائرة في المجتمع المدني.

(4)

إن في كل جمهورية نزعتين مختلفتين: نزعة العامة ونزعة الطبقة العليا، أما التشريع الملائم للحرية فيتحقق نتيجة الفهم للصراع بينهما. لا يمكن إزالة الصراع الاجتماعي، ولكن يمكن جعله صراعاً مدنياً من خلال مؤسسات مناسبة، وحياة عامة نشطة، وقيادة خلاقة.

تسقط الدول عندما ينحط الصراع الاجتماعي الى مستوى نزاعٍ سياسي. بيد أن مكيافيللي كان واثقاً من أن مثل هذا الصراع يمكن أن يعزز الحرية إن تمكنت المؤسسات السياسية من حل الجدالات الحتمية التي تنشأ عن الصراع الطبقي أو عن المصالح الشخصية.

عندما يتم تعيين أو انتخاب المدافعين عن العامة فإن النظم المستبدة الملكية ستتحول الى دول أرستقراطية ثم تواصل طريقها للتحول الديمقراطي.

(5)

تحمل كل الدول بشكل طبيعي جرثومة الانحطاط، فالقوة والثروة الزائدة مع غياب المؤسسات التي تصون الدولة، تسحبان الدولة الى الفساد رغم وجود تألق ثقافي.

وأحياناً يكون ضغط العامة لإيجاد وظائف لمدافعين عنهم، تجعل هؤلاء المدافعين يدخلون في نزاع أو تفاوض مع النبلاء وعلية القوم (في الدولة التي لم تصل بعد الى الديمقراطية) لتقاسم الألقاب والامتيازات. وهذا سيقود الى إجهاض حالة الصعود في تشكيل الدولة الصلبة.

إذا كان العامة يرغبون في قبول فقرهم لأنهم حظوا بالتمثيل السياسي (فالفضيلة كانت تُلتمس مهما يكن البيت الذي تقيم فيه. فجعلت طريقة الحياة هذه من الثروات أقل جاذبية). ولكن تبين أن ضغط طبقة النبلاء المتواصل، واشتداد قلاقل العامة، وفشل المؤسسات السياسية، هي توليفة قاتلة.

(6)

من هنا تأسست فكرة ضرورة إيجاد المجتمع المدني بمؤسساته الفاعلة، فالبرلماني الذي لا ينتمي الى هيئة اجتماعية تساعده في تكوين رأيه واتخاذ موقفه المنسجم مع موقف الدائرة الاجتماعية التي أوصلته للبرلمان، وتحاسبه إذا ما انحرف، سيكون منشغلاً منذ اليوم الأول في تحقيق مكاسبه الشخصية على حساب مصالح المؤسسة المدنية (مؤسسة المجتمع المدني) التي انتخبته. وهذا ما يجعل من الانتخابات البرلمانية المنقوصة في كثير من البلدان، عبئاً إضافيا على المجتمع ودولته وميزانيته، ويقود الى الفساد وخراب الدولة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 22-12-2009, 11:49 PM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

المجتمع المدني والضمير المتحرر

لقد كانت حركة الإصلاح الديني في ألمانيا تدور حول فكرة (مارتن لوثر) بأن هناك دوراً مركزياً للتجربة الباطنية للإنسان، التي تقلل تماما من قيمة الخدمات الظاهرية التي يؤديها رجال الدين. وكان لهذا الدفاع عن ميدان الحياة الشخصية الذي لا يمكن النفاذ إليه أثره العميق في مفاهيم المجتمع المدني الحديثة.

دخل مارتن لوثر في صراع مع الكنيسة من خلال طرحه لتساؤلات هامة فتحت الأبواب لجذب الأتباع مثل: (لماذا يناصر الله الباطل؟ [باعتبار سلوك الكنيسة في زمنه وحسب رأيه باطلاً] و (الله لا تسترضيه الأفعال الظاهرية). أدار مارتن لوثر ظهره لعالم مسيحي استند الى تراتبية وسلطة كنسيتين.

(1)

لا يمكن معالجة مفهوم النعمة الإلهية باعتبارها ثمرةً لصفقة تنال فيها الكائنات البشرية رضا الله بموجب أفعال ظاهرية. فلا البابوات ولا القرابين المقدسة ولا القوانين ولا القساوسة ضروريون لأجل الخلاص. فالتعبد، والطقوس، والشعائر الدالة على الخضوع الظاهر لم تكن بدائل مقبولة عن طهارة القلب والعقل.

يقول لوثر: إن الضمير هو مركز الإيمان، (( فلا البابا ولا الأسقف ولا أي كائن آخر له الحق في فرض أمر واجب على الإنسان المسيحي من دون رضاه)).

لم يتنكر مارتن لوثر للقول المسيحي القديم القائل بأن المرء يعيش حياته من أجل الآخرين، ولكنه اعتبر أن الأعمال التي لا تنبع من الإيمان بالله ونيل رضاه، لن تكون أعمال خير حتى وإن بدت كذلك، فالصالح بإيمانه يأتي بأعمالٍ صالحة والطالح يأتي بأعمالٍ طالحة. وهذا كله يعود لنقاء الضمير.

(2)

كان لوثر يأمل في أن تقوم الكنيسة بإصلاح نفسها، ولكنه اكتشف أنه لا يمكن أن تقبل الكنيسة بأدوار صغيرة، فلجأ حينها بالاستعانة بالسلطة الدنيوية لمعالجة وضع الكنيسة، لكنه أدرك فيما بعد أن مسائل الإيمان لا تقع ضمن مسئوليات الأمراء، وأن المجمع الكنسي هو فقط من يستطيع تناول المسائل اللاهوتية، فانحرف باتجاه أن مسئولية المجتمع المدني (المواطنين بهيئاتهم) هي من مسئولية الأمراء، وطالما أن هذا المجتمع يتعرض لحيف من الكنيسة، فعلى الأمراء التصدي للكنيسة من أجل إصلاحها.

سرعان ما جابه لوثر المواقف الثلاثة الجوهرية السائدة في زمنه وهي: أولوية السلطة الروحية على السلطة الدنيوية، والحق البابوي في تأويل الكتاب المقدس، والسيادة البابوية على المجمع الكنسي العام. فشرع في تهديم كل واحد من هذه الجدران الثلاثة على التعاقب.

(3)

رفض لوثر المزاعم القائلة بأولوية السلطة الروحية على السلطة الدنيوية، وعمل على إقامة أساس لاهوتي للفصل بين الكنيسة والدولة، وهذه الخطوة الأولى الحيوية نحو قيام نظرية حديثة عن المجتمع المدني. وأعلن أن للمسيحيين مهمات مختلفة في العالم ولكنهم جميعا أعضاء متساوون في الكنيسة وإن التقسيم الاجتماعي للعمل لا ينطوي على تراتبية متفاوتة في الشرف أو الخلاص.

إن جميع المسيحيين ـ القساوسة والحدادين والمزارعين والأساقفة والإسكافيين والأمراء سواء بسواء ـ مسؤولون الواحد عن الآخر وعن المجتمع ككل. إن تمايزات المجتمع المدني المميز لا تمس البتة في مساواة المؤمنين. وإن النظام الدنيوي ضروري للروحي.

كان لوثر بكلامه هذا، يبرر مسبقاً للأمراء بأن يتدخلوا في شؤون الكنيسة كون القساوسة رعايا مثلهم مثل بقية المواطنين.

وعند الجدار الثاني: أي تأويل الكتاب المقدس وحصره بالبابا، فقد قال أن مفاتيح الفهم قدمت لجميع المؤمنين فكل المؤمنين قساوسة وكلهم بابوات.

أما الجدار الثالث، وهو سيادة البابا على المجمع الكنسي العام، فقد استنبط لوثر منفذاً يسمح للمؤمنين بمحاكمة المجمع الكنسي إذا ما لعب به الشيطان، وهنا يكون للأمراء ـ كونهم من المؤمنين ـ الحق في محاكمة المجمع الكنسي وليس البابا وحده.

(4)

عندما أحرزت حركة لوثر زخما قويا، ذهب الى أبعد من ذلك، فطالب الأمراء بوقف (البهرجة) في طقوس الرهبان وملابسهم، ودعا الأمراء الى إجبار القساوسة على الزواج، وطالبهم برفع أيديهم عن تنظيم التجارة والصناعة، كان هذا في مسودة قدمها عام 1520.

إن فكرة المساواة والضمير، فتحت الأبواب أمام الفلاحين والأجراء ليقوموا بثورتهم عام 1524ـ 1525، فقاد لوثر (المستعين بالأمراء) الى الوقوف ضد تلك الثورات، مبررا أن تساوي الأرواح لا يعني تساوي الأجساد، ويخطب بالعبيد والفلاحين: ألم يكن للأنبياء عبيداً وخدماً؟

يجوز للعبد والمريض والسجين أن يكون مسيحيا ولكنه ليس حراً!

على المسيحيين أن يطيعوا السلطات الدنيوية لضمان الاستقرار ولأن السلطة تمنع تسلل اللاأخلاقيين وتمنع الشرور، اعبدوا الله بضمائركم وأطيعوا السلطات. هذا موقف لوثر.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 12-01-2010, 10:55 AM   #10
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,366
إفتراضي

السيادة، والمصلحة، والمجتمع المدني

كان ظهور كتاب (اللوياثان Leviathan) في العام 1651 البرهان البالغ الأهمية الذي قدمه (هوبز) على أن المجتمع المدني لا تقوم له قائمة من دون سلطة الدولة. فجهده القوي لإظهار "قلب" و "أعصاب" و"مفاصل" الجسم السياسي انتهى الى نتيجة مؤداها أنه يجب دمج هذه الأعضاء في مصدر مهيمن واحد، إذا كان يُراد للمجتمع المدني أن ينتظم، وللسلم المحلي أن يتوحد.

إن إيجاد (كائن مصطنع Artificial Man) تُنفخ فيه (روح سيادة مصطنعة Artificial Soul of Sovereignty) هو وحده الذي يستطيع أن يُنزل نِعَم الحضارة للأفراد الذين تتأتى أخطارهم الجماعية من مساواتهم ورغباتهم. لقد بحث (هوبز) المذعور من الثورة الإنجليزية، عن ملاذٍ في إقامة دولة ذات حدود مشتركة مع المجتمع المدني، ومؤسسة لهذا المجتمع الذي يُفهم، بحسب التعبير الحديث، ميداناً يمور بنشاط المصلحة الشخصية.

(1)

إن مخطط نظرية هوبز العامة معروف بما فيه الكفاية (القول للمؤلف). فانعدام الأمن المستشري الذي يقدم له المجتمع المدني علاجاً هو النتيجة الحتمية لرغبة الإنسان الدائمة في حيازة السلطة لغرض حماية نفسه. ونتيجة انعدام الأمن هذا، فإن جوع الإنسان الى مراكمة السلطة ـ " وسائله الحالية للظفر بخير مستقبلي ظاهر *1 " ينتقل به من شيء الى آخر، وإحرازه لشيء ما هو إلا مجرد حافز لإحراز شيء آخر أيضاً.

إن الفرد الجديد الذي يحسب حساب المصلحة (Calculating Individual) يحدد لنفسه أهدافه الشخصية في غياب " الخير الأعظم " الذي سوف يقصده الناس كافة طواعيةً.

إن الإنسان يأمل في الحصول على لذةٍ أكبر مما كان قد حصل عليه، أو أنه لا يستطيع الاقتناع بسلطة معتدلة. إن الحاجة الى مراكمة المزيد من السلطة أمر ملازم لجوهر الشرط الإنساني.

إن هذه "الرغبة في حيازة سلطة إثر سلطة " يشكل تهديداً عارما باندلاع حرب بلا نهاية ما لم توضع هذه الرغبة تحت السيطرة. والمفارقة العظيمة في حياتنا الإنسانية هي أن رغبتنا البسيطة في الأمن، وقابلياتنا المتساوية في العدوان، يسفران معاً عن وضعٍ لا يُطاق.

عندما يرغب الناس في الأشياء نفسها و (لا توجد سلطة قادرة على إرهاب الجميع) فإن الاضطراب المتساوي والقابليات المتساوية والرغبات المتساوية تنتج حالة حرب دائمة.

في ظرف كهذا لن تكون ثمة صناعة؛ لأن ثمارها غير مؤكدة، ولا حراثة للأرض؛ ولا ملاحة للبحر، ولا فائدة مرجوة من استيراد البضائع عبر البحار، ولا عملية بناء واسعة، ولا وسائل للنقل، أو لرفع تلك الأشياء التي تحتاج الى قوة؛ ولا معرفة لنا بوجه البسيطة؛ ولا تقدير للزمن؛ ولا فنون؛ ولا آداب؛ ولا مجتمع، لن يكون هناك سوى الأسوأ: خوف دائم وتحسب من خطر الموت العنيف؛ وحياة يقضيها الإنسان منعزلاً وبائساً ومقرفاً ومتوحشاً وفظاً، حياة قصيرة*2

(2)

من المستحيل قيام المجتمع المدني من دون (سلطة عامة)، ولسوف تجعل فوضى الشرط الطبيعي الإنساني من الحياة نفسها أمراً مستحيلاً. والمفارقة العميقة هي أن كل فرد يعتمد على عقله الشخصي ينتهي سريعاً الى وضع لا يُطاق بالنسبة للجميع.

ليس بوسع الناس العيش بسلام ما لم يرغبوا في التخلي عن (حقهم في الأشياء كلها)، ويقنعوا بدرجة محدودة من الحرية. ينتج عن هذا التخلي عن حساب مصلحي معين، مفاده أن منافع السلم تفوق ما يخسره الناس حين لا يعولون على فطنتهم أو لا يكونون هم من يبت في المسائل التي تهمهم.

لا تقوم للمجتمع المدني قائمة ما لم تُنفذ العهود وتُحترم الاتفاقيات. فإذا ما وثق الناس بأن الآخرين قادرون على السيطرة على أنفسهم، يكون بوسعهم العيش معاً بقدر كبير من الاطمئنان.

يجب أن تكون هناك سلطة قسرية تجبر الناس، سواءً بسواءٍ، على تنفيذ مواثيقهم من خلال رادع العقاب الذي يكون أعظم بكثير من المنفعة التي يتوقعونها من نقضهم للميثاق*3

(3)

إن العنصر المهم في المجتمع المدني لدى (هوبز) يعود الى الجماعة المنظمة سياسياً، ويعني ذلك صهر الدولة (المجتمع الحاكم) مع المجتمع (الكلي)، بتأسيس طوعي واتفاق دائم بين الطرفين لإتاحة حرية التعبير لمنظمات المجتمع المدني في معاونة الدولة (الحكومة) وردعها بحالة انحرافها، فهذا يصنع عقلاً عاما يحمي المجتمع.

إن الطريقة الوحيدة لإقامة سلطة عمومية كهذه، سلطة قادرة على الدفاع عنهم بوجه غزو أجنبي، وبوجه المظالم التي يسببونها بعضهم لبعض، وبذلك يحيون في طمأنينة عندما ينالون قوت يومهم بنفس راضية بمعونة الصناعة أو غلال الأرض، هي نقل سلطتهم كلها الى شخص واحد قوي أو الى مجلس من الرجال يصهر إراداتهم كلها من خلال تعددية الأصوات في إرادة واحدة، فيقر كل واحد من أبناء المجتمع بما يفعله أو يقرره ذلك الرجل.

إن العمل السياسي هو الذي يؤسس المجتمع المدني، وليس ثمة اختلاف بين القانون والأخلاقية، وتوضع السلطة كلها في يد صاحب السيادة، أما القوة فهي التي تشكل الدولة والمجتمع المدني بالطريقة نفسها.

خاتمة لهذا الفصل

لم تحظ أفكار هوبز تلك بإعجاب عام في وقتها، أي في القرن السابع عشر، لأنه حصر السلطة في فرد ينال شرعيته من وسائل تحددها منظمات المجتمع المدني المنصهرة مع الدولة (الحكومة) من خلال لوائح داخلية تستند الى دستور ينظم علاقة الجميع.

لكننا في الوقت الحاضر ومن خلال تصفحنا للكتابات السياسية والفكرية التي صدرت في القرن الماضي (العشرين) وما يصدر من كتابات في هذا القرن، فإننا لا نستطيع تجاهل نظريات ذلك المفكر والفيلسوف وتأثيره على المفكرين الحاليين في مختلف أنحاء العالم.

يتبع



هوامش من تهميش المؤلف

*1ـ Thomas Hobbes, Leviathan, Edited by C.B. MacPherson (New York: Penguin 1985, p150.
*2ـ المصدر نفسه صفحة 186.
*3ـ المصدر نفسه صفحة 202


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .