العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > خيمة بـــوح الخــاطـــر

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نقد كتاب مناقب جعفر بن أبى طالب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: نقد الجزء الثاني من نسخة الزبير بن عدي الكوفي الهمداني (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب نسب عدنان وقحطان (آخر رد :رضا البطاوى)       :: مأساة الحمار اللذي تاه في الشارع (آخر رد :اقبـال)       :: نقد كتاب حديث الضب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب مبلغ الأرب في فخر العرب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب الكلام على حديث امرأتي لا ترد يد لامس (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد الكتاب أحكام الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجة (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب زهر العريش في تحريم الحشيش (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 05-12-2009, 08:45 AM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي شقاء السعادة

شقاء السعادة

(1)

كان من ينظر الى الرجال الستة الذين يحيطون بموقد أخذ موقعه في الطرف القريب من باب الغرفة القديمة، يُهيئ إليه أنه يشاهد تمريناً لعرض تمثيلية استوحت شخصياتها من رواية البؤساء.

وُضع في الموقد بعض مخلفات الحيوانات المجففة والمخلوطة بالتبن، وبعض أعوادٍ من أطراف أعشاب لم تجف تماماً.

كان الدخان الصاعد من الموقد يتوزع على وجوه الجالسين، قبل أن يكمل طريقه ليستقر على خيوط عنكبوت قرب زوايا الغرفة المتصلة في السقف المصنوع من أعواد القصب.

لم يكن من السهل التعرف على ملامح وجوه الرجال، ولا على بدانتهم أو نحافتهم، فقد كان سوء الإضاءة المتحالف مع الدخان المخيم في أجواء الغرفة كفيلاً لإعاقة مهمة التعرف على وجوه الرجال، الذين كانوا يشبهون خلفيات لوحة لرسام إيطالي في العصور الوسطى.

لم تختلف آثار القحط التي تبدو على الرجال عنها عند الأغنام، ففي المواسم التي يكون فيها الغذاء متوفراً، فإن أوزان الأغنام ستزيد، وعندما لا يتوفر الغذاء فإنها ستهزل، ولا يستطيع أحدٌ التعرف على ذلك في ندرة الضوء الكافي، إلا إذا حمل الكبش بين يديه للتعرف على وزنه، خصوصا، إذا تُرك صوفه عليه دون قص ليمنع عنه برد الشتاء القارص.

ارتدى أبو سعفان معطفاً عسكرياً قديماً، ربما كان لأحد مساعدي الجنرال اللنبي، وقد فقد لونه الأصلي وبريق أزراره التي كان كبار الضباط يحرصون على تلميعها لإبراز إحداثيات انتصابهم في ساحات الاستعراض. فيما كان صاحب الدار (أبو صابر) يضع على كتفيه شيئاً ثقيلاً مكوناً من أكثر من عشرة جلود لخراف بألوان مختلفة، كانت مهارة صانعها تنحصر فقط بربط تلك الجلود ببعضها، فلم يهتم بما سيكون شكل ذلك الشيء، وكان يغطي تلك الجلود بقماش داكن سميك، لا يمكن إعطاءه أي لون مصنف.

كانت ألوان ملابس الرجال الستة متقاربة، رغم أنها كانت تختلف عند بداية صنع نسيجها، فقلة تنظيفها بشكل جيد مع آثار الأدخنة تجعلها متشابهة، وحتى عند غسلها فإن مادة التنظيف كانت من آبار الجمع بالإضافة لبعض الرماد المحترق ليطرد أفراخ البراغيث والقمل، فليس هناك أثر من إزالة آثار الدخان بأحد مخلفات الحريق.

(2)

مضت ثلاث سنين، ولم ينعم الفلاحون بموسم خير يحقق لهم السعادة والرضا، وكان أبو سعفان قد كشف سقوف ثلاث من غرفه المتواضعة، ليستخرج التبن الذي يعتلي عيدان القصب والذي كان مغطى بطبقة من الطين يتم تجديدها سنوياً حتى لا تتسرب مياه الأمطار من خلال مواضع جذور النباتات التي تنمو على السطوح حيث كانت تختبئ في تربة الطين، ليطعم ذلك التبن لحيواناته المنزلية.

لم يرى أبو سعفان فائدة من إبراز شكواه لأصدقائه، فهم يعيشون أوضاعاً تتساوى في كل شيء مع أوضاعه، لكنه كما هم، لا بُد لهم من أن يتفننوا في التغلب على رتابة الوقت والضجر، بالصبر والسكون، وقد تكون تلك الخبرات قد اكتسبت لتقنين صرف الطاقة، فالسكون لا يحتاج لحرق حرارة غير متوفرة مصادرها بالغذاء المتواضع الذي كانوا يتناولونه.

حتى كلامهم كان قليلاً، ففترات الصمت كانت تزيد على فترات الكلام، ونبرات أصواتهم إن تكلموا، كانت همهمة خفيضة، فالصوت أيضاً يستدعي صرف طاقة.

قلب أبو سعفان يديه، ونبس بكلمة، كاد هو ألا يسمعها، كان يريد من أحدهم أن يسأله عما يجول في خاطره. لكن ذلك لم يحدث، فكل الرجال يرمون رؤوسهم الى الأسفل أو الى مركز الموقد، الذي تلاشى بريق الجمر فيه منذ وقت، فكان كل واحد منهم يتتبع حالة الانطفاء الكامل لتلك الجمرات، ويبقي نظره مركزا عليها عل نارها تُبعث من جديد.

(3)

دخل صابر على الرجال، وألقى تحيته بصوت منخفض، وجلس دون أن يهتم إن كان أحدٌ من الجالسين قد رد التحية، رغم أنهم ردوا كلهم، فقد كانوا بحاجة ماسة لكسر فترات الصمت الطويلة.

كان صابر يعلم حالة والده وأهل قريته، فلم يتذمر عندما طلب منه والده عدم السفر للالتحاق بجامعته في بلد عربي، والتي كان قد أمضى سنتين فيها.

تأمل صابر في وضع الرجال، وتمنى لو أن العلم يستطيع جلب الأمطار ليسعد والده وأصدقاء والده بنزوله.

تذكر صابر نمط الحياة في البلاد التي يدرس بها وقارنه بنمط حياة أهل قريته، وتساءل من هم أكثر سعادة؟ أو من هم أكثر تعاسة في النمطين؟

كانت جداول طلبات حياة الفرد بالمدينة أطول بكثير من جداول طلبات حياة الفرد في قريته، ولكنه حاول إسقاط ما تعلمه في الرياضيات على تلك المقارنة، فقال ألف على ألف يساوي واحد وعشرة على عشرة يساوي واحد وواحد على واحد يساوي واحد.

فإن كانت طلبات ابن المدينة مئة طلب وحقق منها ستين طلباً فسعادته تساوي ستة أعشار السعادة، وإن كانت طلبات ابن القرية عشرة طلبات وحقق منها سبعة فسعادته أكثر من سعادة ابن المدينة.

ابتسم في سره، وقال: إن لهؤلاء الرجال طلب واحد وهو نزول المطر، فإن تحقق لهم ذلك ستكون سعادتهم مائة بالمائة.


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-12-2009, 07:45 PM   #2
إيناس
مشرفة بوح الخاطر
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2008
المشاركات: 3,262
إفتراضي

إقتباس:
فإن كانت طلبات ابن المدينة مئة طلب وحقق منها ستين طلباً فسعادته تساوي ستة أعشار السعادة، وإن كانت طلبات ابن القرية عشرة طلبات وحقق منها سبعة فسعادته أكثر من سعادة ابن المدينة.
ابتسم في سره، وقال: إن لهؤلاء الرجال طلب واحد وهو نزول المطر، فإن تحقق لهم ذلك ستكون سعادتهم مائة بالمائة.



شقاء السعادة ؟ ياله من تناقض
والغرابة في تناقضه إمكانية التعايش والإنسجام
تصوير رائع ودقيق لحالات واقعية جعلتني كذلك أبتسم حزنا من بداهة واقعيتها

أعجبني كثيرا هذا التحليل الحسابي لشقاء السعادة أخي إبن حوران
فدمت متألقا كعادتك
__________________

Just me

إيناس غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 06-12-2009, 10:49 AM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

أشكركم أختنا الفاضلة على دوام التواصل والتشجيع

احترامي و تقديري
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 06-12-2009, 10:53 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(4)

قطع عكرمة برنامجه اليومي في اللعب مع أترابه في الحي، رغم أن الجو لا زال صحوا وبرده ليس بقارصٍ، وقفل راجعاً يركض بأقصى سرعته متجهاً نحو والده (أبو صابر)، الذي كان مستلقياً على ظهره وقد غطى أوسط بطنه بجزء من رداءه الثقيل، في حين كانت ركبته اليسرى أعلى من مستوى رأسه، كونه قد كف قدمه اليسرى باتجاهه، وأردف ساقه اليمنى فوق جزء من أعلى الفخذ الأيسر، لم يكن أحد تمارين (اليوغا) بل هي إحدى الطرق التي كان كبار السن يبتكرونها لتمضية أوقات فراغهم الكثيرة. كان أبو صابر يراقب أصابع قدمه اليمنى التي كان يحركها بالتناوب وكأنه يقوم بتفقد صلاحيتها.

كان عكرمة ابن العشر سنوات أو أكثر قليلاً، لا يزال يلهث من ركضه، يرتدي سروالا خارجياً من المخمل المضلع وقد زالت بعض نتوءات الأضلاع وزال منها لونها الزيتي، وتنافرت الخيوط بعض الشيء من جهة الركبتين، منذرة بانتهاء العمر فوق الافتراضي للسروال، وكانت رؤوس أصابع قدميه تنزف دماً قليلاً متخثراً من كثرة ما يصطدم بالحجارة التي في طريقه.

بادره والده (علامك؟) أي ما بك؟
أجاب الولد بصوت مرتبك: رأيت رجلاً أكبر منك يضع عصبة خضراء على رأسه، ويتزر بإزارٍ ثخين فوق ثوب سميك ويحمل عصا غليظة وطويلة أعلاها منحني نحو ساقها..
قاطعه والده: إنه أبو المَرَاشد .. ماذا فعل؟
ـ بعد أن تطلع بالسماء نحو الغرب، ضرب بعصاه الأرض عدة مرات وصاح: (كسبها .. كسبها .. كسبها من زرع عفير وبَدَرْ).
ومعنى ذلك الذي لم يفهمه الصبي، أنه أفلح من زرع أرضه مبكراً.

استند أبو صابر، وعدل من جلسته، وأخذ يُعالج الرماد الذي في الموقد، وطلب من ابنه أن ينادي أمه لتحضر بعض الوقود للموقد لتسخين القهوة.

(5)

كان أبو المراشد من الأشخاص الذين قليلاً ما يشتركوا بحديث مع الآخرين، وكان الناس ينظرون إليه بمشاعر ممزوجة بالحيرة والإعجاب والاحترام والعطف.

لم يكن درويشاً بمعنى الكلمة، ولكنه لم يقطع فرضاً واحداً في مسجد البلدة الوحيد، ولم يسمع عنه الناس أنه أثار مشكلة مع أحد، حتى جيرانه لم يسمعوا أن خلافاً حدث داخل بيته، رغم أنه كان متزوجاً من أربعة نساء، وله من الأولاد الذكور أربعة عشر ولداً، غير البنات الستة.

(6)

انشغلت أم صابر بتحضير العشاء، وانشغالها كان رتيباً، فالوجبة المعتادة للعشاء هي (جريش) القمح، الذي سبق سلقه وتم تنشيفه ليحمل اسما جديدا (البرغل)، وكان يُحفظ بعد جرشه في (كَوَايِرْ)، تنتصب في (بيت العِيلة)، حيث تحتفظ العائلة بمئونتها فيه، داخل كواير وجِرار وبعض الجلود التي تُخصص لحفظ السمن.

كانت (الكوارة) تُبنى على مراحل، من الطين المخمر الممزوج بالتبن، فبعد أن تحضر المرأة الطين، تختار ضلعاً من أضلاع الغرفة (بيت العيلة)، لتبني بجانبه الكواير، فبعد أن تصنع (دكة أو مصطبة) بارتفاع أقل من قدم قليلاً لتنصب فوقه الكواير، تقوم بعمل مربعات فوق المصطبة طول ضلع المربع حوالي ذراع، وتعين مكان فتحات استخراج المواد المخزونة من الأسفل، تقوم برص الطين بيديها الاثنتين بسماكة أصبعين تقريباً، وحتى لا تنحني تلك المواد تتركها لمدة يوم أو اثنين حتى تجف قليلاً، ثم تكمل بناء الكواير حتى يبلغ ارتفاعها ارتفاع رأس المرأة تقريباً، ثم تترك فتحتها العلوية دون بناء، بل يتم تغطيتها بطبق من القش المحبوك لمنع دخول الفئران.

لم تكن وجبة العشاء، سوى برغل وماء وملح، كانت توضع في قدر من النحاس، وتترك على فوهة (الفرن الطيني) لتنضج على مهل. وبعد صلاة المغرب، تقوم أم صابر بسكب الطعام في قصعة واسعة، وتضيف إليه بعض الدهون المسخنة والتي غالبا ما تكون من (سنام الجمل) أو زيت الزيتون المقلي به قليل من البصل.

(7)

لم يمض وقت كبير، حتى انهمر المطر بغزارة، فضحكت الأرض ومن عليها في البلدة استبشاراً للخير، وارتفع صوت أذان المغرب، من على أعلى المئذنة وبصوت أبي صابر نفسه، وكان صوتاً قوياً على غير العادة، ولم يكن هناك ضجيجٌ يمنع وصول الصوت الى مسافة تتعدى حدود البلدة.

عاد أبو صابر ولحيته يقطر الماء منها، وأسنانه الصناعية تضحك متوسطة لحيته البيضاء ووجهه النحاسي، تناول طعامه بنهم، هو وأفراد أسرته، وأمر صابر أن يذهب الى احمد الرشيد البقال في الحي ليحضر (الهريسة) ليتحلى هو وأفراد أسرته ومن سيأتي لقضاء السهرة القصيرة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 07-12-2009, 10:38 AM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(8)

أثناء وبعد كل مناسبة أو حدث، يكثر الكلام لمن شاهدوا الحدث، حتى وإن كانوا أشخاصاً غير مؤثرين في تحديد مساره، فكل واحد سيروي أو يحلل ما شاهده من خلال شخصه الفاعل أو الذي يتمنى أن يكون فاعلاً.

بدا الانشراح على وجه أبي صابر، وهو يحدث من جاء يسهر عنده من أبناء عمومته والجيران. فبعد أن مسد على لحيته، تجول نظره في وجوه زواره، وإن كان لا يحدد ملامح وجوههم بشكل جيد. كانت تلك الحركة ضرورية ليجعلهم يتوقعون كلاما هاما وخطيراً.

يا جماعة، كنت في ليلة الصليب والزبيب، قد وضعت كومات الملح الخمسة كما هي العادة، وقد توقعت بناءً على ما شفت من ذوبان معظم كومات الملح أن هذا الموسم جيد بإذن الله، لكنني لم أكشف لكم ذلك في حينه، بعد أن مرت ثلاث سنوات دون أن ننعم بمثل تلك الأمطار الغزيرة. اسمعوا، اسمعوا صوت الرعد وارتطام حبات المطر على الأرض.

سأله أبو سعفان: وهل تعتقد أن هذا الموسم يبشر بالخير؟
أجابه أبو صابر (في ندرة من يفند آراءه): العلم عند الله، سيكون الموسم جيداً، فعندما تمر (الصفاري) ببرودة ليلها وصفاء سماءها ويبدأ تشرين الثاني/ نوفمبر ببرق (بانياسي)، فما أن ندخل ب (المربعانية) حتى تكون الأرض (ملقحة).

أراد صابر والذي أحضر الحلويات للاحتفال، أن يستفسر من والده عن المصطلحات التي وردت بحديثه، فسأله: ماذا تعني يا والدي بالصليب والزبيب؟ وماذا تعني بالصفاري؟ وماذا تعني بالبرق البانياسي والمربعانية والملقحة؟

أجاب أبو صابر (وقد رأى في تلك الأسئلة مجالا لتمضية السهرة): الصليب والزبيب: هو عندما يتساوى طول الليل بطول النهار ويكون ذلك ليلة منتصف شهر سبتمبر/أيلول، فتتصالب الأرض في مدارها، ويتوقف الناس عن النوم في ساحات بيوتهم أو على أسطحها، ويتهيأ أصحاب الكروم لصناعة الزبيب من العنب.

والصفاري، هي أيام الخريف حيث تصفر أوراق الأشجار، ويثور الغبار وتتسطح قشرة الأرض. والبرق البانياسي هو البرق الآتي من جهة بانياس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث يبشر بالأمطار بخلاف البرق الآتي من جهات أخرى. أما المربعانية، فأيام الشتاء تقسم لقسمين أول أربعين يوم منها تسمى المربعانية وهي أشد أيام السنة برداً، ويتبعها خمسين يوماً تقسم الى أربعة أقسام: (سعد ذابح) و (سعد ابلع) و(سعد السعود) و (سعد الخبايا).

كان عكرمة الذي يجلس في حضن والده ليتمتع بالدفء، يطل رأسه من أبط (الفروة) التي يضعها والده مغطياً بها جسمه المتربع، وكأنها فرخ حيوان (جرابي) يستمع للحديث، ويحس بغصة شديدة، فالموسم يبشر بالخير، وهذا يعني أن عطلة المدرسة الصيفية ستذهب في كد وتعب في الحصاد والدرس واستخراج الحبوب، إن ذلك يعني أن الأولاد سيحرمون من متعة العطلة الصيفية!

(9)

استنزفت السنون الثلاثة، التي حُبست فيها الأمطار، مُدخرات معظم الأسر الفقيرة، كما استنزفت تلك السنوات الرغبة في الحرص من توقع أمطارٍ غزيرة.

كانت (ذيبة) أرملة (ياسين الحاصود) من بين أولئك الناس الذين لم يهيئوا سطوح منازلهم الطينية، بإضافة طبقة جديدة من الطين الأملس، الذي يتكفل بمنع (الدلف).

وزعت ذيبة مجموعة من الأواني القديمة تحت مساقط قطرات الماء المخترقة للسقف، وفرشت لأولادها الثلاثة، في بقعة لا تنزل فوقها قطرات الماء، وغطتهم ببساط صوفي ثقيل، وبقيت شبه متيقظة.

كانت أصوات ارتطام قطرات الماء بتتابعها تشبه أصوات آلة موسيقية تستخدمها قبائل (آرابيش في غينيا بيساو)، وكان اختلاف نغماتها آتٍ من اختلاف أحجامها واختلاف معادن الأواني واختلاف عمق المياه في كل آنية، وكأن الطبيعة قد قامت بضبط (دوزان) آلة موسيقية.

(10)

في الحروب، والزلازل، والكوارث، هناك أفراد أو كائنات، تتأذى من تلك الظروف، كما أن هناك أفراد وكائنات تستفيد من تلك الظروف.

كانت الضباع والذئاب من بين تلك الكائنات، التي تحاول استثمار ثمان ساعات متواصلة من المطر المنسكب بغزارة ملفتة للنظر، فكانت تعرف أن هناك جدران أبنية وأسيجة ستنهار بفعل الماء المتدفق من على السطوح والأزقة.

تعالت أصوات الرجال والتي كانت استجابة لنباح كلاب الحراسة المذعورة. خرج أبو صابر ليتتبع تلك الجلبة فتيقن أنها صادرة من دار أبو سعفان، وأخوته الأربعة الذين يعيشون في دار كبيرة واحدة هم وأبنائهم وزوجاتهم.

كان أحدهم يحمل فانوساً ضعيف الإضاءة أما الباقون فكانوا يحملون عصياً وأدوات زراعة.

بعد أن قفز الذئب مذعورا من تلك الجاهزية التي أبداها أهل الدار، التفت من يحمل الفانوس الى الرجال، فوجد أنهم لا يخفون أجزائهم السفلى، فضحك بصوت مرتفع، ثم انتبه لنفسه فوجد أنه يشاركهم تلك الهيئة.

حاول صابر أن يجد لتلك الظاهرة تحليلاً، فلم يتذكر سوى أنه في حالة ندرة الغذاء فإن القوارض تمتنع عن التزاوج رحمة بأبنائها، ولكنها تعاود لتلك العملية الأيضية بمجرد شعورها باقتراب توفر الغذاء.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 10-12-2009, 09:54 AM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(11)

أكملت أم صابر إحماء الفرن لتبدأ بالخَبْز، بعد أن ألقمته كميات كافية من العيدان الجافة، وبعض أقراص (الجلة)، وهي تعلم أن بعض النسوة من الجارات ستأتي لصنع الخبز، كونهن لم يبق عندهن من (وقيد) وقدرة كافية لاستمرار ودوام تجهيزهن لمثل تلك الأفران.

لم تكن متعة النسوة في تجهيز الخبز فقط، بل كانت لتتبادل الأخبار الطازجة، فكل جارة لها جارة والجارة الأخرى جارة، وكل جارة لديها خبر، فتتصل الأخبار ببعضها كاتصال (روجات) ماء في بركة أُسقط بها أحجار في أمكنة متباعدة منها.

سياج دار (أبي صالح) تهدم (كَرَع) من أثر الأمطار.
عجلة أم ابراهيم نفقت.
سُرِق ثلاثة أزواج من أفراخ الحمام من دار بهلول.
تخاصم أولاد بركات على توجيه مياه الأمطار لآبارهم.
تسمم عائلة (عوفة) بعد أن تناولوا طعاماً كان محفوظاً بإناء نحاسي غير (مُبيض).
أصبح الشيخ عليان مصاباً بإسهالٍ وحمى شديدة... (شكله مَوَات).

دخل عكرمة الى غرفة الفرن، وجلس الى جانب أمه، وكانت تعرف ماذا يريد، فكان يأتي ليأكل رغيف (كماج) ساخن وعليه قطعة من زبد البقر وترش فوق الزبد قليلاً من السكر، فبادرت لصنع رغيفه، وناولته إياه، فجلس ينعم بدفء المكان ولذة طعام الإفطار.

(12)

التقى صابر أستاذ التاريخ في مدرسة البلدة، في دكان احمد الرشيد، حيث كان يقضي الرجال معظم أوقاتهم بعد العصر في الدكاكين أو على قارعات الطرق، فوق أحجارٍ ثبتت لذلك الغرض.

كانت دكان أحمد الرشيد رغم مساحتها الضيقة التي لا يزيد طول ضلع مربعها عن أربع خطوات، مقسمة الى قسمين يفصلهما حاجز خشبي منتصب في الوسط، وضع عليه ميزانٌ ذو كفتين، وبعض أوعية الحلويات الشعبية، ونصفه الداخلي تم نصب رفوف من الخشب وضع فوقها أوعية زجاجية تحوي حاجات أهالي البلدة التي بَخنها جيداً احمد الرشيد.

أما النصف الخارجي من جهة الباب، فكان به بعض الأكياس التي يوضع بها الشعير والقمح والعدس، ليس كسلعٍ للبيع بالدرجة الأولى، بل كمكان لوضع أثمان المبيعات، فقد اعتاد الأهالي أن يشتروا بضائعهم بالحبوب أو بالبيض، ونادرا ما يستعملون النقود لأداء الأثمان.

وكان في أحد جوانب الجزء الخارجي (دكة) أو (مصطبة)، يتمدد فوقها صاحب الدكان عندما لا يكون لديه عمل أو زوار، وعندما يأتي الزوار يجلسون فوق المصطبة، لا يتحرجون من شيء، طالما أنها عادة!

على جانبي باب الدكان ثُبت بعض الأوتاد لتعليق المكانس والغرابيل وأدوات نخل الطحين، وقلائد (الدنيدلة: نبات يجمع بالربيع ويجفف ليستخدم في الطبخ)، وبعض ربطات الثوم، ولجامات الخيول وبعض الحبال. أما في أوسط الدكان فكان يتدلى شريط لاصق للإمساك بالذباب الذي كان يحوم فوق أواني الحلوى.

(13)

سأل صابر، أستاذَ التاريخ عن الأشياء التي سألها لوالده، والتي لم يُجب عنها كلها، فأراد مطابقة المعرفة الشعبية بالمعرفة العلمية المدونة.

تطابقت الأجوبة العلمية مع الشعبية فيما يخص الصليب والزبيب والمربعانية، والصفاري والبرق البانياسي، لكن فيما يخص (أُلقحت الأرض)، التي لم يجب عنها أبو صابر، قال أستاذ التاريخ: أن معارف أهل تلك المنطقة موغلة في القدم، ومن تلك المعارف ما لم يتم تدوينه، بل انتقل من جيل الى جيل بالمشافهة.

فقد كان السومريون والبابليون يعتقدون أن السماء ذكر والأرض أنثى، وكان المطر هو من يلقح الأرض ويخصبها لتعطي ثمارها.

استوقفه صابر: وهل أهل تلك البلدة على دراية بما كان يعتقد السومريون والشعوب القديمة؟
ـ نعم ليس السومريون وحدهم، بل والفراعنة والكنعانيين والحثيين.
ـ معقول هذا؟ وكيف؟
ـ لو تأملت الأمثال التي يرددها الفلاحون في تلك المناطق لتيقنت مما أقول.
ـ كيف؟ أي أمثال؟
ـ هناك مثلٌ يقول: (في مشير يتساوى اللوكسي والعفير)، فالعفير هو ما يزرع مبكرا، واللوكسي هو ما يزرع متأخراً، ومشير عند الفراعنة هو آذار/مارس عند سكان بلاد الشام، ومع ذلك لا زال المثل يقال كما كان في الأصل. ويعني المثل ما تمت زراعته مبكراً أو متأخراً سيتساوى في نموه في مشير.
ـ والكنعانيون، أين آثارهم بما نحن في صدده؟
ـ الزراعة البعلية أي المطرية، فكان الكنعانيون، والحثيون، يعتقدون أن بعل هو إله المطر وهو المسئول عن نجاح أو فشل الزراعة، في حين تُسمى تلك النوع من الزراعة التي لا تعتمد على جر المياه بالسواقي، في العراق بالديمية نسبة الى أديم إله المطر في بلاد ما بين الرافدين.

جاء عكرمة لينادي على أخيه صابر ليذهب للدار حيث أمره أبوه بذلك.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 21-12-2009, 12:00 PM   #7
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(14)

بعد مرور ستة أيام على انهمار الأمطار بتواصل شبه مستمر، بلغ مدير المدرسة المعلمين بأن ينهوا تساهلهم وتسامحهم مع التلاميذ المتغيبين في البلدة، وكانت تلك الصلاحيات تُعطى لمدراء المدارس في المناطق الريفية كونهم أكثر قدرة على التعامل مع الظروف المحيطة.

لم تكن طرقات البلدة مستقيمة، ولا مُعبدة، بل تتعرج مع تعرج جدران المنازل التي كان يتم إكمالها على مراحل لتكون طرقات ملتوية يصعب على المساحين رسمها دون الاستعانة بتصوير جوي!

كانت حوافر حيوانات العمل وأقدام المواشي تفعل فعلها في خلط المياه مع الطين ومخلفاتها، فتصبح الطرقات معها وكأنها نماذج مصغرة لمستنقعات في بلاد مطيرة، ولم ينقصها سوى نماذج مصغرة عن تماسيح.

لم يكن باستطاعة عكرمة أن يسير بمحاذاة أترابه في الحي في الذهاب للمدرسة، كما اعتادوا في الأيام الخالية. كان عليهم أن يسيروا كأفراد قطعان النو التي تقطع الأنهر في إفريقيا في رحلاتها، فيتقدم تلميذٌ شجاع في القفز أمام أصحابه واضعا إحدى قدميه على جزء لم تطأه أقدام الحيوانات، ثم ينتقل بخطوة أوسع نحو حجر مرتفع ليقي ثيابه من بلل الطرقات، ويتبعه التلاميذ الآخرون، إن رأوه قد نجح في مسيره، وفي بعض الحالات كانت إحدى قدمي التلميذ المقدام تنزلق فيسقط التلميذ على جانبه لتنطلي ملابسه بطين بلون التراب والسماد والماء، فيعود لبيته لاغياً يومه الدراسي.

يتغيب بعض التلاميذ عن الدراسة في مثل تلك الأيام، ليس بسبب كراهيتهم للدراسة، بل بسبب عدم توفر ما ينتعلونه من أحذية يستطيعون التغلب فيها على مصاعب الطرقات. ولم يكن حظ عكرمة أفضل كثيراً من حظوظ أترابه، بل كان لديه (جزمة) من (الكاوشوك) تم شرائها قبل سنتين، حيث كان الآباء يشترون لأطفالهم مثل تلك الأحذية لتخدمهم سنتين أو ثلاثة، فيشترونها بأحجام كبيرة لتستوعب أقدام الأطفال التي كانت تنمو بمعدلات تفوق نمو أجسامهم، كونها حافية راكضة في أغلب الأحيان.

ولأن عمر الحذاء طويل وسعته أكبر من القدم، فكان ينشق شقاً طولياً من الجهة السفلى الخلفية للقدم وبطول إصبع، فإن لم ينتبه الطفل في سيره فإن سيعاني من برودة الماء والطين التي ستنفذ من خلال الشق وتستقر أسفل القدم العارية (دون جوارب) طيلة اليوم، ومن هنا كان انتباههم.

(15)

وقف التلاميذ في ساحة المدرسة لينشدوا نشيد الصباح، ثم يدخلوا لصفوف الدراسة، وكان يسهل على رسام مبتدئ أن يرسم لوحة لأولئك التلاميذ، حيث كانت ملابسهم بألوان لونها الزمن، فلم يكن أي لون منها مصنفاً تحت ألوان الطيف الشمسي، بل مزيجا منها مع اكتساب ألوان الدخان واختلاط مياه غسيل الملابس، وأحجامها تزيد عن أحجامهم بنمرتين أو ثلاثة وأحياناً خمسة، فملابس الشتاء كانت تُشترى بالجملة من سوق الملابس المستعملة ودون حضور الأطفال، أو أنها تكون لأخوة قد ضاقت عليهم أو لآباء الأطفال.

كان من السهل على أستاذ العلوم معرفة آثار سوء التغذية على وجوه التلاميذ الذين يجلسون متقاربين على مقاعد الدراسة طلباً للدفء من بعضهم واستجابة لزيادة أحجامهم بفعل ملابسهم السميكة والمرقعة. فكان (الحزاز) يبقع وجوههم وكانت السوائل تتماطى للخروج من فتحات أنوفهم. والأستاذ يتهيأ لشرح قاعدة (إرخميدس).

لكن الأستاذ لم يشرع في ذلك، بل عرج للحديث عن استبسال المقاومة في الجزائر، وضرورة الدعاء لأهل الجزائر والتبرع للثوار من أجل التخلص من الاستعمار الفرنسي، ولو كان ذلك التبرع بعشرة قروش!

كيف سيبلغ عكرمة والده بضرورة إعطاءه عشرة قروش، وهو لا يستطيع الحصول على نصف قرش كمصروف يومي؟

(16)

خرج الطلاب لساحة المدرسة، بعد أن انتهوا من ثلاث حصص، ليقوموا بشراء الحمص المسلوق والمملح، من بائع يضع وعاء على منصب خشبي يقف على ثلاثة أرجل.

ولكن عكرمة قرر ألا يشتري شيئاً، فإن لم يفلح في جعل أمه تقنع والده بإعطائه عشرة قروش للتبرع بها لثورة الجزائر، فإنه سيقوم بتجميع ذلك المبلغ أو نصفه من مصروفه اليومي.

أخذ عكرمة ينقل قدميه بجزمته التي مُسح نقش أسفلها بفعل الزمن، من مكان الى آخر، ويرفعها ليراقب كيف تترك أثرا على الأرض المبللة وطينها الرخو، فكانت بشكل أشجار مرسومة بخفة على الأرض، وكل نقلة تكون مختلفة عن الأخرى، لقد استلهم تلك الفكرة من أستاذ الفن الذي طلب منهم ذات يوم بشق رأس (البطاطس) ووضعه على سائل ملون ثم طبعها على ورقة بيضاء، لينتج عن ذلك رسم بديع!

مضى وقت تلهية عكرمة، حتى قرع الجرس ودخل التلاميذ الى غرف الصفوف.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 30-12-2009, 08:03 AM   #8
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(17)

كانت شمس ذلك اليوم تضع خطاً مرحلياً لسباق أمطار الأيام السابقة، فهُرع المشيعون من البلدة لتشييع جثمان الشيخ عليان، الذي عاجلته المنية بعد مرض عدة أيام.

لم يُنه الحفارون قبر الشيخ بسهولة، فتجمع الناس حولهم، وأحدهم يراقب الخط الناشف من التربة مع ما فوقه من تربة رطبة طينية بفعل الأمطار السابقة، ويعلن بصوت عالٍ: ما شاء الله لقد ارتوت الأرض، فالتربة المبلولة أكثر من شبرين. ويردد آخر: أي شبرين؟ قل ذراعاً أو أكثر، فتطوع أحدهم لقياس التربة المبلولة ليضع حداً لهذا الخلاف.

وارى المشيعون جثمان الشيخ عليان، ولقنه شيخٌ: (إذا أتاك الملكان الشفيعان يسألانك من ربك، فقل ربي الله، وإن سألاك عن نبيك فقل نبيي محمد صلى الله عليه وسلم.. الخ)

ظهر صوت محمود ابن عليان، يا أهل البلدة: لا تتحملوا مشقة التعازي هنا، فالبرد قارص رغم سطوع الشمس، ومن أراد أن يقدم تعازيه، فبيت العزاء في (مضافة الشيخ عليان).

(18)

تقاطرت النسوة الى بيت العزاء المخصص للنساء، وكن يمشين ببطء تحمل كل منهن بعض أقراص الخبز المدهونة بالزيت وتغطيها بقطعة من القماش، ويدخلن بيت العزاء يجلسن بغير نظام، فعندما تكتمل الحلقة التي تجلس فيها النسوة مستندة الى جدران الغرفة، تجلس الحلقة الأخرى أمامهن، وهكذا.

يصدر صوت نحيب من أرملة الشيخ عليان، يكون خافتاً في البداية، ثم يعلو شيئاً فشيئاً، تعدد في نواحها مناقب زوجها الراحل، لترد عليها النسوة بالبكاء تضامناً وكأنهن فرقة (كورال) لم يُحسن تدريبها.

وبعد أن انتهت أرملة عليان من نمرتها، تناوبت النسوة في النواح على أشخاص لم يذكرن أسماءهم، كما يُتَبع في بطاقات محلات بيع الزهور، لتكون وكأنها مساهمة ومشاركة في المصاب، ولكن في الحقيقة كل واحدة تندب مصابها هي وتبكي على فقيد لها دون ذكر اسمه.

لم تنشغل الحاجة حليمة بشكل جدي بالمشاركة في النواح، بل كانت ترقب دخول وخروج الابنة الكبرى للشيخ عليان وهي توزع بعض الأطعمة على المشاركات.

(19)

جلس صابر بجانب مدرس التاريخ، في بيت العزاء للرجال، وكانا يستمعان الى موعظة من الشيخ مبارك عن العذاب الذي سيتعرض إليه الظالمين، وكان الشيخ يصف الموكلين بتعذيب أمثال هؤلاء، فمن بين ما قاله: أن أصبع قدم أحدهم يزيد حجماً عن جبل أُحد.

اختلس صابر نظرة جانبية تجاه مدرس التاريخ، فبادله بنظرة في طياتها ابتسامة غير مرئية، لا يفهمها سواهما، حملت في طياتها تساؤلات عن مصادر معلومات هؤلاء الشيوخ والواعظين، وعن الكيفية التي صاغ بها من وضع مثل تلك الصور لتخويف من يعظهم، وهل كان من الضروري أن يُضخم هيئة الموكل بتعذيب المجرمين لذلك الحد، حتى يرتدع من يسمع مثل تلك المواعظ؟

أنهى الشيخ مبارك موعظته بدعاء للميت راجياً من رب العالم أن يرحمه ويتجاوز عن ذنوبه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته ويعوض على أهله عوض الصابرين. ولم ينس أن يشكر الله على الأمطار التي أنعم بها على أهل البلدة، فأمن الحاضرون وراءه عن كل دعوة، وقرءوا الفاتحة ومسحوا وجوههم.

دار من يسكب القهوة السادة في فنجانٍ أو فنجانين على جميع الحضور، ونهض من نهض مغادراً وبقي من بقي من أقارب وأهل الشيخ عليان.

__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-01-2010, 10:39 AM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي


(20)

لَمَا كان أهل البلدة، يقننون استهلاكهم للغذاء ليتجاوزوا به محنهم، لم يكونوا على علمٍ بأن هذا الأسلوب ستستخدمه شركات النقل الجوي في نقل الأبقار من قارة الى قارة، حيث كانت تحبس الأبقار وتخضعها لنظام غذائي شديد، ينقص من وزنها ما يعادل الربع أو الثلث لتوفير نفقات النقل الجوي.

ولم يكن علمهم بتلك الأمور ليطلعهم على أن هناك علائق للحفاظ على الحياة، وأن هناك علائق تهتم بصحة الجنين وعلائق لإنتاج الحليب وعلائق لإنتاج البيض. وربما يكون علماء التغذية هم من استفاد من تجارب هؤلاء الذين أخضعتهم الطبيعة لاستنهاض قدراتهم في الصراع من أجل البقاء.

ففي سنين الخير، لم يكن شبح المحل والقحط ليغيب عن أذهانهم، فإن كان حاصل إنتاج أحدهم يكفيه لعشر سنوات هو ومن يرعاه من حوله من بشر وحيوان، فإنه سيحتاط للاحتفاظ بمئونة سنتين أو ثلاث، مع كميات من البذار تكفي لتلك السنوات القادمة، ويبيع ما سيفيض عن حاجته الفورية أو المستقبلية. وكانت كميات المخزون الاستراتيجي تعتمد على كمية الغلة وحاجة أصحابه.

وتظهر المشاكل، تبعاً لنقص المواد الاحتياطية. ففي تلك الفترة التي طالت سنوات قحطها، كشفت أحوال أكثر من ثلثي سكان البلدة، فمنهم من كان يقترض من أقاربه قرضاً حسناً، ومنهم من كان يلجأ لإزالة سقوف قسم من سقائف منزله ليطعم الحيوانات التبن الذي كان يُستخدم في السقوف، ومنهم من كان يبيع جزءا من أرضه لتجاوز المحنة، ومنهم من كان يقترض بالفائض من بلدة قريبة، راهناً أرضه أو جزءاً منها، ومنهم من كان يُكابر في الصبر الشديد فلا يشتكي ولا يقترض بل يبقى هو وأهله كأنهم في تمرين بوذي، أو أنهم يفضلون (الاعتفاد*: أي الموت جوعاً بشكل جماعي) على هدر كرامتهم.

(21)

تيقن معظم أهل البلدة، أن الموسم يبشر بخير، فكان هذا (المُعْظَم) يتصرف كعطشان قطع شوطا طويلاً في صحراء، ثم شارف على غديرِ ماءٍ علمته خبرته بأنه ماءٌ حقيقي وليس سراباً. فهذا شهر (فبراير/ شباط) قد اقترب على الانتهاء والحقول خضراء بمزروعاتها وأعشابها.

لكن بهلول لم يشارك هؤلاء الناس استبشارهم بالخير، فكان يحمل عصاه التي كانت أطول من جسمه، ويطوف بين الحارات، مُردداً : ( تغل على جمر وتمحل على نهر: أي أن الله يرزق الناس حتى لو يئسوا و يحرمهم من الغلال حتى لو كانت وفرة الأمطار كماء النهر الجاري).

لم يكن بهلول وحده، من شكك في الموسم، بل كان يشكك به (أبو مناور) الذي كان يحتفظ بكميات من القمح والشعير والعدس والتبن في مستودعاته التي كانت معظمها على شكل آبار محفورة أسفل قاعات المخازن الظاهرة، ومع ذلك كان ينكر لمن يطلب منه بعض الحبوب أن لديه شيئاً مخزون.

(22)

انتشرت النسوة مع الغلمان في الحقول، وكان الجو مشمساً، وكان الأولاد يتابعون حركة سلحفاة هناك، تقترب من حفرة صخرية تجمع بها الماء، وكان أحدهم يريد إطفاء عطشه، فاقترب من الحفرة مُبعداً بعض الخنافس التي سقطت بها ليغب من الماء كأنه خروف. وقد شاهدته أمه (ذيبة أرملة ياسين) وهو يشرب فشاركته بالشرب.

جمعت (ذيبة) أشكالاً مختلفة من النباتات البرية، وكان لكل نبات اسم واستعمال، فهذه (خبيزة) وذاك (عكوب) وذلك (مُرار) و تلك (بْصِيلة)، ووضعتها ب (معقاد: صرة من القماش العتيق)، وهمت بالرحيل مع أطفالها.

تعالت أصوات الأولاد، وذهبوا يتراكضون جهة (صياح) القادم من بعيد هو وثلاثة (كلاب سلوقية) يجر وراءه ضبعاً، لا يدري أحدٌ إن كان هو من قتله أو وجده مقتولاً.

(23)

انشغلت ذيبة في تحضير الطعام لها ولأولادها، حيث فرمت (الخبيزة) مع (البصيلة) ووضعتها في قدرٍ فوق الموقد، ورشت فوقها الملح، ولم يكن في حوزتها خبزٌ، حيث عليها أن تتمرن هي وأولادها العيش بلا خبز حتى يأتي الخير الجديد، كما عليها أن تستعيض عن البصل بشبيهه البري (البصيلة).

تأخر أحد أولادها الثلاثة، عن مشاركة أمه وأخويه تناول الطعام، وكان قد لحق صياح، الذي كان يجر الضبع وراءه. وعاد ومعه قطعة من لحم الضبع.

لم تسأله أمه عن اللحم، رغم أنها سمعته عندما قال: أنها قطعة لحم من الضبع الذي ذبحه صياح.

كانت فتاوى أهل البلدة في مثل تلك الأيام فضفاضة جداً، فهم إن نصبوا (أفخاخ) للطيور في المساء وعادوا صباحاً، فإنهم لن يناقشوا الحلال من الحرام، ويكتفوا بالقول: (صيد الفخ لَخْ)، وبغض النظر عن معنى الكلمات فهي إشارة على أن أكل هذا الصيد حلال!

كذلك كان يفعل (صياح) باعتماده على فتوى لم يسأله أحدٌ عن مصدرها، وهي أن الجنب الأيمن من الضبع حلال أكله، فكانوا يأكلون ما يصيده أو يحضره صياح دون تدقيق، ودون أن يتحروا أين ذهب الجانب الأيسر؟






*ـ الاعتفاد (الانتحار الجماعي) : حالة كان يلجأ إليها سكان مكة المكرمة قبل الإسلام، عندما يقل عندهم الغذاء، خوفاً من كشف فقرهم للآخرين، وقد رافقت تلك الظاهرة ظاهرة وأد الفتيات اللواتي كان أهلهن يخشون أن ينحرفن أو يضطروا لزواجهن من رجالٍ غير كرماء الأصل [ من المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: د. جواد علي/ دار العلم للملايين].
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 19-01-2010, 08:52 AM   #10
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,388
إفتراضي

(24)

تأثر عكرمة بالتجاوب السريع لوالده، في إعطاءه عشرة قروش ليتبرع بها لثوار الجزائر، وفتحت له تلك المسألة آفاقاً كبيرة للتأمل: لماذا تجاوب والده بهذه السرعة لإعطائه التبرعات وهو الذي يدقق في كل شيء؟ أين تقع الجزائر؟ وما هي العلاقة العضوية بها؟ على ماذا يثور أهلها؟

لم يستطع رسم صورة دقيقة عما يفكر فيه، خصوصاً وأن ظلمة الغرفة التي ينام فيها وتشويش الظلال التي يشكلها خفوت الضوء المنبعث من مصباح نفطي ضاعف السنا المتراكم على بلورته من هذا التشويش، جعلت الظلال التي تتشكل من حجب الملابس المعلقة على مسامير على جدران الغرفة وكأنها أشباح ذات لون رمادي.

كان يحاول النوم، لكن عليه أن يطمئن بأن ما قام به من تبرع يشكل عملاً مفيداً، لكن كيف سيتحقق من ذلك، ما قيمة العشرة قروش؟ وكم من متبرعٍ آخر قام بمثل ذلك؟ كم أعداد الطلبة في بلده؟ وكم بلداً عربياً أو مسلماً يقوم طلابه أو غيرهم بالتبرع؟ وكم ثمن البندقية؟

لقد صنعت تلك التساؤلات لديه قاعدة ليؤسس لديه اهتماماً جديداً لم يكن ليهتم به سابقاً، فحفظ فيما بعد عواصم البلدان العربية وأعداد سكانها ومساحاتها.

كان في تصرفه البسيط وكأنه يحاول التمعن بأحوال الشركة التي لا يعرف إمكاناتها بشكل جيد وساهم بها بما قيمته عشرة قروش!

(25)

قبل أبو صابر طلباً من أبي مناور بأن يرسل أولاده لأخذ كمية من (القُزْمُل)*1 لاستخدامه كوقود للفرن. لم يتوقف أبو صابر عند الدوافع التي جعلت هذا الرجل المتصف بالبخل أو التدبير القاسي ليكون كريماً في هذه المنحة.

وصل عكرمة بناءً على طلب والده الى دار أبي مناور، ففتح له أبو مناور باباً لمخزن يواجه الجنوب، يعلو فوق الأرض بما يعادل قامتين لرجل متوسط الطول، ويهبط في الأرض ما يزيد عن ارتفاعه، وأخبر عكرمة بما يجب فعله.

كانت رائحة المخزن القديم مزيجاً من تخمر الدبال وما علق على الأدوات الزراعية من روائح الحيوانات وبولها، فقد ثبتت مجموعة غير منتظمة من الأوتاد على الجدار الغربي المبني من الحجر والطين وكانت الحجارة التي مال لونها الى اللون البني الغامق ظاهرة دون تغطيتها بالطين، فعلق على الأوتاد بعض الحبال، وإطارات الغرابيل والمقاطف و(حواة) توضع على رقبة البغلة ليُثبت عليها أذرع عربة الجر أو عود الحرث أو غيره، وسرج قديم لفرس غير موجودة.

كانت درجات الهبوط لأرض المخزن مصنوعة من صخور المكان، فكانت مقصوصة بحيث تصبح درجات، وكان جسم المخزن كله محفوراً في الصخر، ولم يكن هناك من مواد للبناء سوى الجدران الخارجية البارزة فوق سطح الأرض، وما نُصِبَ من قناطر ثلاث لتحمل السقف المكون من أخشاب وأعواد قصب وضع فوقها التبن والطين.

تساءل عكرمة، من بنا هذا الشيء؟ هل هم من عاشوا في عصرنا؟ أم هم من أبناء الجيل الأول أو الثاني ممن نجوا مع نوحٍ عليه السلام؟ اختلطت خطوط الزمن على عكرمة، كما اختلطت خطوط المكان عندما أراد أن يتصور أين تقع الجزائر.

(26)

كان عكرمة يحمل أداةً لها أربعة أصابع من الحديد المُقَسى طول الإصبع حوالي قدم، تنحرف قليلاً للداخل وتلتقي في نهايتها بوَصلةٍ مثقوبة يثبت بها ذراع خشبي، تستخدم لقلب القش وتحريكه، كانوا يطلقون عليها (شاعوب)، وقد يكون اسمها مأخوذاً من تشعب أصابعها.

غرز عكرمة أطراف الأداة في كومة (القُزْمُل) وأزاحها من مكانها، فلاحظ وجود جسمٍ أملسٍ لم يتعرف عليه على الفور لخفوت الضوء وسط ذلك المكان، فاحترز بفطرته المقترنة بالبيئة، وعاد الى الخلف ليعود ويحرك الأداة بحذر، فإذا بأفعى يزيد طولها عن طوله، ولكنها في طور سُباتٍ لم تتحرك بطريقة عدوانية بل بحركة تُشبه حركة من أكل وجبة دسمة وغفل للتو، وحاول أحدهم إيقاظه، أحضر أداة معلقة لها في رأسها سلاح مبسط حاد تُسمى (مِنساس) يستخدمها الحراثون لإزالة الطين عن أعواد الحراثة، وقطع الأفعى، ولا يدري من أين جاءت بعض القطط لتنقل أجزاء الأفعى لتأكلها. وقد لامه بعض أترابه عندما تحدث لهم عن تلك القصة، حيث قالوا أنه لو أخذها وطبخها بعد إزالة شبرٍ من جهة الرأس وشبرٍ من جهة الذيل!

بعد أن ملأ عكرمة الأوعية المصنوعة من (الليف) من المادة التي جاء لأخذها من دار أبي مناور، وصل بعض التجار مع أبي مناور ليفتحوا بوابة لبئرٍ محفور أسفل المكان ومموه بالتبن تجنباً لوصول الرطوبة وتحسباً من اللصوص، فاستخرجوا القمح من البئر.

(27)

كان أستاذ التاريخ في زيارة لصابر، عندما استمع لقصة عكرمة، فابتسم وقدم شرحاً مُبسطاً لموضوع الآبار المستخدمة في خزن الحبوب، فهي لم تكن من باب الحرص من الرطوبة واللصوص فحسب، بل لها غايات أخرى، وصَمَت، حتى يجعل من إجابته المستقبلية مادة مشوقة.

سأله عكرمة على الفور: وما هي تلك الغايات الأخرى؟

أخذ أستاذ التاريخ نَفَساً من الهواء، ثم تناول موضوع حروب العثمانيين (الأتراك) وكيف كان وقودها من شباب وأبناء تلك البلاد، ولم يكتفوا بذلك، بل كانوا يأخذون حاصل الفلاحين من القمح لإطعام الجيوش، ويأخذون الشعير لإطعام خيولهم وبغالهم.

من هنا، لجأ أهالي تلك البلاد للتحايل في إخفاء محاصيلهم.





هوامش:

*1ـ القزمل: هو ناتج تنقية التبن من العيدان الغليظة التي لا تأكلها الحيوانات، حيث يُستخدم غربال (كربال) فتحاته واسعة لينزل التبن الصالح لإطعام الحيوانات من فتحاته ويبقى في الأعلى ما كان غليظاً، تستخدمه النساء في الأفران لإحمائها.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .