العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > خيمة بـــوح الخــاطـــر

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قراءة فى كتاب الرسالة الحجة (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: نقد كتاب الأنوار البينة في تخريج أحاديث المصطفى من المدونة (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب المورد في عمل المولد (آخر رد :رضا البطاوى)       :: مانريـد الخبز والمـاي بس سالم ابو عــداي (آخر رد :اقبـال)       :: أحمد هيكل (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: نقد كتاب إتحاف الأعيان بذكر ما جاء في فضائل أهل عمان (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى كتاب عجالة المعرفة في أصول الدين (آخر رد :رضا البطاوى)       :: مــــــــردوع (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب مظلوميّة الزهراء (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 05-12-2009, 08:45 AM   #1
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي شقاء السعادة

شقاء السعادة

(1)

كان من ينظر الى الرجال الستة الذين يحيطون بموقد أخذ موقعه في الطرف القريب من باب الغرفة القديمة، يُهيئ إليه أنه يشاهد تمريناً لعرض تمثيلية استوحت شخصياتها من رواية البؤساء.

وُضع في الموقد بعض مخلفات الحيوانات المجففة والمخلوطة بالتبن، وبعض أعوادٍ من أطراف أعشاب لم تجف تماماً.

كان الدخان الصاعد من الموقد يتوزع على وجوه الجالسين، قبل أن يكمل طريقه ليستقر على خيوط عنكبوت قرب زوايا الغرفة المتصلة في السقف المصنوع من أعواد القصب.

لم يكن من السهل التعرف على ملامح وجوه الرجال، ولا على بدانتهم أو نحافتهم، فقد كان سوء الإضاءة المتحالف مع الدخان المخيم في أجواء الغرفة كفيلاً لإعاقة مهمة التعرف على وجوه الرجال، الذين كانوا يشبهون خلفيات لوحة لرسام إيطالي في العصور الوسطى.

لم تختلف آثار القحط التي تبدو على الرجال عنها عند الأغنام، ففي المواسم التي يكون فيها الغذاء متوفراً، فإن أوزان الأغنام ستزيد، وعندما لا يتوفر الغذاء فإنها ستهزل، ولا يستطيع أحدٌ التعرف على ذلك في ندرة الضوء الكافي، إلا إذا حمل الكبش بين يديه للتعرف على وزنه، خصوصا، إذا تُرك صوفه عليه دون قص ليمنع عنه برد الشتاء القارص.

ارتدى أبو سعفان معطفاً عسكرياً قديماً، ربما كان لأحد مساعدي الجنرال اللنبي، وقد فقد لونه الأصلي وبريق أزراره التي كان كبار الضباط يحرصون على تلميعها لإبراز إحداثيات انتصابهم في ساحات الاستعراض. فيما كان صاحب الدار (أبو صابر) يضع على كتفيه شيئاً ثقيلاً مكوناً من أكثر من عشرة جلود لخراف بألوان مختلفة، كانت مهارة صانعها تنحصر فقط بربط تلك الجلود ببعضها، فلم يهتم بما سيكون شكل ذلك الشيء، وكان يغطي تلك الجلود بقماش داكن سميك، لا يمكن إعطاءه أي لون مصنف.

كانت ألوان ملابس الرجال الستة متقاربة، رغم أنها كانت تختلف عند بداية صنع نسيجها، فقلة تنظيفها بشكل جيد مع آثار الأدخنة تجعلها متشابهة، وحتى عند غسلها فإن مادة التنظيف كانت من آبار الجمع بالإضافة لبعض الرماد المحترق ليطرد أفراخ البراغيث والقمل، فليس هناك أثر من إزالة آثار الدخان بأحد مخلفات الحريق.

(2)

مضت ثلاث سنين، ولم ينعم الفلاحون بموسم خير يحقق لهم السعادة والرضا، وكان أبو سعفان قد كشف سقوف ثلاث من غرفه المتواضعة، ليستخرج التبن الذي يعتلي عيدان القصب والذي كان مغطى بطبقة من الطين يتم تجديدها سنوياً حتى لا تتسرب مياه الأمطار من خلال مواضع جذور النباتات التي تنمو على السطوح حيث كانت تختبئ في تربة الطين، ليطعم ذلك التبن لحيواناته المنزلية.

لم يرى أبو سعفان فائدة من إبراز شكواه لأصدقائه، فهم يعيشون أوضاعاً تتساوى في كل شيء مع أوضاعه، لكنه كما هم، لا بُد لهم من أن يتفننوا في التغلب على رتابة الوقت والضجر، بالصبر والسكون، وقد تكون تلك الخبرات قد اكتسبت لتقنين صرف الطاقة، فالسكون لا يحتاج لحرق حرارة غير متوفرة مصادرها بالغذاء المتواضع الذي كانوا يتناولونه.

حتى كلامهم كان قليلاً، ففترات الصمت كانت تزيد على فترات الكلام، ونبرات أصواتهم إن تكلموا، كانت همهمة خفيضة، فالصوت أيضاً يستدعي صرف طاقة.

قلب أبو سعفان يديه، ونبس بكلمة، كاد هو ألا يسمعها، كان يريد من أحدهم أن يسأله عما يجول في خاطره. لكن ذلك لم يحدث، فكل الرجال يرمون رؤوسهم الى الأسفل أو الى مركز الموقد، الذي تلاشى بريق الجمر فيه منذ وقت، فكان كل واحد منهم يتتبع حالة الانطفاء الكامل لتلك الجمرات، ويبقي نظره مركزا عليها عل نارها تُبعث من جديد.

(3)

دخل صابر على الرجال، وألقى تحيته بصوت منخفض، وجلس دون أن يهتم إن كان أحدٌ من الجالسين قد رد التحية، رغم أنهم ردوا كلهم، فقد كانوا بحاجة ماسة لكسر فترات الصمت الطويلة.

كان صابر يعلم حالة والده وأهل قريته، فلم يتذمر عندما طلب منه والده عدم السفر للالتحاق بجامعته في بلد عربي، والتي كان قد أمضى سنتين فيها.

تأمل صابر في وضع الرجال، وتمنى لو أن العلم يستطيع جلب الأمطار ليسعد والده وأصدقاء والده بنزوله.

تذكر صابر نمط الحياة في البلاد التي يدرس بها وقارنه بنمط حياة أهل قريته، وتساءل من هم أكثر سعادة؟ أو من هم أكثر تعاسة في النمطين؟

كانت جداول طلبات حياة الفرد بالمدينة أطول بكثير من جداول طلبات حياة الفرد في قريته، ولكنه حاول إسقاط ما تعلمه في الرياضيات على تلك المقارنة، فقال ألف على ألف يساوي واحد وعشرة على عشرة يساوي واحد وواحد على واحد يساوي واحد.

فإن كانت طلبات ابن المدينة مئة طلب وحقق منها ستين طلباً فسعادته تساوي ستة أعشار السعادة، وإن كانت طلبات ابن القرية عشرة طلبات وحقق منها سبعة فسعادته أكثر من سعادة ابن المدينة.

ابتسم في سره، وقال: إن لهؤلاء الرجال طلب واحد وهو نزول المطر، فإن تحقق لهم ذلك ستكون سعادتهم مائة بالمائة.


__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 05-12-2009, 07:45 PM   #2
إيناس
مشرفة بوح الخاطر
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2008
المشاركات: 3,262
إفتراضي

إقتباس:
فإن كانت طلبات ابن المدينة مئة طلب وحقق منها ستين طلباً فسعادته تساوي ستة أعشار السعادة، وإن كانت طلبات ابن القرية عشرة طلبات وحقق منها سبعة فسعادته أكثر من سعادة ابن المدينة.
ابتسم في سره، وقال: إن لهؤلاء الرجال طلب واحد وهو نزول المطر، فإن تحقق لهم ذلك ستكون سعادتهم مائة بالمائة.



شقاء السعادة ؟ ياله من تناقض
والغرابة في تناقضه إمكانية التعايش والإنسجام
تصوير رائع ودقيق لحالات واقعية جعلتني كذلك أبتسم حزنا من بداهة واقعيتها

أعجبني كثيرا هذا التحليل الحسابي لشقاء السعادة أخي إبن حوران
فدمت متألقا كعادتك
__________________

Just me

إيناس غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 06-12-2009, 10:53 AM   #3
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

(4)

قطع عكرمة برنامجه اليومي في اللعب مع أترابه في الحي، رغم أن الجو لا زال صحوا وبرده ليس بقارصٍ، وقفل راجعاً يركض بأقصى سرعته متجهاً نحو والده (أبو صابر)، الذي كان مستلقياً على ظهره وقد غطى أوسط بطنه بجزء من رداءه الثقيل، في حين كانت ركبته اليسرى أعلى من مستوى رأسه، كونه قد كف قدمه اليسرى باتجاهه، وأردف ساقه اليمنى فوق جزء من أعلى الفخذ الأيسر، لم يكن أحد تمارين (اليوغا) بل هي إحدى الطرق التي كان كبار السن يبتكرونها لتمضية أوقات فراغهم الكثيرة. كان أبو صابر يراقب أصابع قدمه اليمنى التي كان يحركها بالتناوب وكأنه يقوم بتفقد صلاحيتها.

كان عكرمة ابن العشر سنوات أو أكثر قليلاً، لا يزال يلهث من ركضه، يرتدي سروالا خارجياً من المخمل المضلع وقد زالت بعض نتوءات الأضلاع وزال منها لونها الزيتي، وتنافرت الخيوط بعض الشيء من جهة الركبتين، منذرة بانتهاء العمر فوق الافتراضي للسروال، وكانت رؤوس أصابع قدميه تنزف دماً قليلاً متخثراً من كثرة ما يصطدم بالحجارة التي في طريقه.

بادره والده (علامك؟) أي ما بك؟
أجاب الولد بصوت مرتبك: رأيت رجلاً أكبر منك يضع عصبة خضراء على رأسه، ويتزر بإزارٍ ثخين فوق ثوب سميك ويحمل عصا غليظة وطويلة أعلاها منحني نحو ساقها..
قاطعه والده: إنه أبو المَرَاشد .. ماذا فعل؟
ـ بعد أن تطلع بالسماء نحو الغرب، ضرب بعصاه الأرض عدة مرات وصاح: (كسبها .. كسبها .. كسبها من زرع عفير وبَدَرْ).
ومعنى ذلك الذي لم يفهمه الصبي، أنه أفلح من زرع أرضه مبكراً.

استند أبو صابر، وعدل من جلسته، وأخذ يُعالج الرماد الذي في الموقد، وطلب من ابنه أن ينادي أمه لتحضر بعض الوقود للموقد لتسخين القهوة.

(5)

كان أبو المراشد من الأشخاص الذين قليلاً ما يشتركوا بحديث مع الآخرين، وكان الناس ينظرون إليه بمشاعر ممزوجة بالحيرة والإعجاب والاحترام والعطف.

لم يكن درويشاً بمعنى الكلمة، ولكنه لم يقطع فرضاً واحداً في مسجد البلدة الوحيد، ولم يسمع عنه الناس أنه أثار مشكلة مع أحد، حتى جيرانه لم يسمعوا أن خلافاً حدث داخل بيته، رغم أنه كان متزوجاً من أربعة نساء، وله من الأولاد الذكور أربعة عشر ولداً، غير البنات الستة.

(6)

انشغلت أم صابر بتحضير العشاء، وانشغالها كان رتيباً، فالوجبة المعتادة للعشاء هي (جريش) القمح، الذي سبق سلقه وتم تنشيفه ليحمل اسما جديدا (البرغل)، وكان يُحفظ بعد جرشه في (كَوَايِرْ)، تنتصب في (بيت العِيلة)، حيث تحتفظ العائلة بمئونتها فيه، داخل كواير وجِرار وبعض الجلود التي تُخصص لحفظ السمن.

كانت (الكوارة) تُبنى على مراحل، من الطين المخمر الممزوج بالتبن، فبعد أن تحضر المرأة الطين، تختار ضلعاً من أضلاع الغرفة (بيت العيلة)، لتبني بجانبه الكواير، فبعد أن تصنع (دكة أو مصطبة) بارتفاع أقل من قدم قليلاً لتنصب فوقه الكواير، تقوم بعمل مربعات فوق المصطبة طول ضلع المربع حوالي ذراع، وتعين مكان فتحات استخراج المواد المخزونة من الأسفل، تقوم برص الطين بيديها الاثنتين بسماكة أصبعين تقريباً، وحتى لا تنحني تلك المواد تتركها لمدة يوم أو اثنين حتى تجف قليلاً، ثم تكمل بناء الكواير حتى يبلغ ارتفاعها ارتفاع رأس المرأة تقريباً، ثم تترك فتحتها العلوية دون بناء، بل يتم تغطيتها بطبق من القش المحبوك لمنع دخول الفئران.

لم تكن وجبة العشاء، سوى برغل وماء وملح، كانت توضع في قدر من النحاس، وتترك على فوهة (الفرن الطيني) لتنضج على مهل. وبعد صلاة المغرب، تقوم أم صابر بسكب الطعام في قصعة واسعة، وتضيف إليه بعض الدهون المسخنة والتي غالبا ما تكون من (سنام الجمل) أو زيت الزيتون المقلي به قليل من البصل.

(7)

لم يمض وقت كبير، حتى انهمر المطر بغزارة، فضحكت الأرض ومن عليها في البلدة استبشاراً للخير، وارتفع صوت أذان المغرب، من على أعلى المئذنة وبصوت أبي صابر نفسه، وكان صوتاً قوياً على غير العادة، ولم يكن هناك ضجيجٌ يمنع وصول الصوت الى مسافة تتعدى حدود البلدة.

عاد أبو صابر ولحيته يقطر الماء منها، وأسنانه الصناعية تضحك متوسطة لحيته البيضاء ووجهه النحاسي، تناول طعامه بنهم، هو وأفراد أسرته، وأمر صابر أن يذهب الى احمد الرشيد البقال في الحي ليحضر (الهريسة) ليتحلى هو وأفراد أسرته ومن سيأتي لقضاء السهرة القصيرة.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 07-12-2009, 10:38 AM   #4
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

(8)

أثناء وبعد كل مناسبة أو حدث، يكثر الكلام لمن شاهدوا الحدث، حتى وإن كانوا أشخاصاً غير مؤثرين في تحديد مساره، فكل واحد سيروي أو يحلل ما شاهده من خلال شخصه الفاعل أو الذي يتمنى أن يكون فاعلاً.

بدا الانشراح على وجه أبي صابر، وهو يحدث من جاء يسهر عنده من أبناء عمومته والجيران. فبعد أن مسد على لحيته، تجول نظره في وجوه زواره، وإن كان لا يحدد ملامح وجوههم بشكل جيد. كانت تلك الحركة ضرورية ليجعلهم يتوقعون كلاما هاما وخطيراً.

يا جماعة، كنت في ليلة الصليب والزبيب، قد وضعت كومات الملح الخمسة كما هي العادة، وقد توقعت بناءً على ما شفت من ذوبان معظم كومات الملح أن هذا الموسم جيد بإذن الله، لكنني لم أكشف لكم ذلك في حينه، بعد أن مرت ثلاث سنوات دون أن ننعم بمثل تلك الأمطار الغزيرة. اسمعوا، اسمعوا صوت الرعد وارتطام حبات المطر على الأرض.

سأله أبو سعفان: وهل تعتقد أن هذا الموسم يبشر بالخير؟
أجابه أبو صابر (في ندرة من يفند آراءه): العلم عند الله، سيكون الموسم جيداً، فعندما تمر (الصفاري) ببرودة ليلها وصفاء سماءها ويبدأ تشرين الثاني/ نوفمبر ببرق (بانياسي)، فما أن ندخل ب (المربعانية) حتى تكون الأرض (ملقحة).

أراد صابر والذي أحضر الحلويات للاحتفال، أن يستفسر من والده عن المصطلحات التي وردت بحديثه، فسأله: ماذا تعني يا والدي بالصليب والزبيب؟ وماذا تعني بالصفاري؟ وماذا تعني بالبرق البانياسي والمربعانية والملقحة؟

أجاب أبو صابر (وقد رأى في تلك الأسئلة مجالا لتمضية السهرة): الصليب والزبيب: هو عندما يتساوى طول الليل بطول النهار ويكون ذلك ليلة منتصف شهر سبتمبر/أيلول، فتتصالب الأرض في مدارها، ويتوقف الناس عن النوم في ساحات بيوتهم أو على أسطحها، ويتهيأ أصحاب الكروم لصناعة الزبيب من العنب.

والصفاري، هي أيام الخريف حيث تصفر أوراق الأشجار، ويثور الغبار وتتسطح قشرة الأرض. والبرق البانياسي هو البرق الآتي من جهة بانياس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث يبشر بالأمطار بخلاف البرق الآتي من جهات أخرى. أما المربعانية، فأيام الشتاء تقسم لقسمين أول أربعين يوم منها تسمى المربعانية وهي أشد أيام السنة برداً، ويتبعها خمسين يوماً تقسم الى أربعة أقسام: (سعد ذابح) و (سعد ابلع) و(سعد السعود) و (سعد الخبايا).

كان عكرمة الذي يجلس في حضن والده ليتمتع بالدفء، يطل رأسه من أبط (الفروة) التي يضعها والده مغطياً بها جسمه المتربع، وكأنها فرخ حيوان (جرابي) يستمع للحديث، ويحس بغصة شديدة، فالموسم يبشر بالخير، وهذا يعني أن عطلة المدرسة الصيفية ستذهب في كد وتعب في الحصاد والدرس واستخراج الحبوب، إن ذلك يعني أن الأولاد سيحرمون من متعة العطلة الصيفية!

(9)

استنزفت السنون الثلاثة، التي حُبست فيها الأمطار، مُدخرات معظم الأسر الفقيرة، كما استنزفت تلك السنوات الرغبة في الحرص من توقع أمطارٍ غزيرة.

كانت (ذيبة) أرملة (ياسين الحاصود) من بين أولئك الناس الذين لم يهيئوا سطوح منازلهم الطينية، بإضافة طبقة جديدة من الطين الأملس، الذي يتكفل بمنع (الدلف).

وزعت ذيبة مجموعة من الأواني القديمة تحت مساقط قطرات الماء المخترقة للسقف، وفرشت لأولادها الثلاثة، في بقعة لا تنزل فوقها قطرات الماء، وغطتهم ببساط صوفي ثقيل، وبقيت شبه متيقظة.

كانت أصوات ارتطام قطرات الماء بتتابعها تشبه أصوات آلة موسيقية تستخدمها قبائل (آرابيش في غينيا بيساو)، وكان اختلاف نغماتها آتٍ من اختلاف أحجامها واختلاف معادن الأواني واختلاف عمق المياه في كل آنية، وكأن الطبيعة قد قامت بضبط (دوزان) آلة موسيقية.

(10)

في الحروب، والزلازل، والكوارث، هناك أفراد أو كائنات، تتأذى من تلك الظروف، كما أن هناك أفراد وكائنات تستفيد من تلك الظروف.

كانت الضباع والذئاب من بين تلك الكائنات، التي تحاول استثمار ثمان ساعات متواصلة من المطر المنسكب بغزارة ملفتة للنظر، فكانت تعرف أن هناك جدران أبنية وأسيجة ستنهار بفعل الماء المتدفق من على السطوح والأزقة.

تعالت أصوات الرجال والتي كانت استجابة لنباح كلاب الحراسة المذعورة. خرج أبو صابر ليتتبع تلك الجلبة فتيقن أنها صادرة من دار أبو سعفان، وأخوته الأربعة الذين يعيشون في دار كبيرة واحدة هم وأبنائهم وزوجاتهم.

كان أحدهم يحمل فانوساً ضعيف الإضاءة أما الباقون فكانوا يحملون عصياً وأدوات زراعة.

بعد أن قفز الذئب مذعورا من تلك الجاهزية التي أبداها أهل الدار، التفت من يحمل الفانوس الى الرجال، فوجد أنهم لا يخفون أجزائهم السفلى، فضحك بصوت مرتفع، ثم انتبه لنفسه فوجد أنه يشاركهم تلك الهيئة.

حاول صابر أن يجد لتلك الظاهرة تحليلاً، فلم يتذكر سوى أنه في حالة ندرة الغذاء فإن القوارض تمتنع عن التزاوج رحمة بأبنائها، ولكنها تعاود لتلك العملية الأيضية بمجرد شعورها باقتراب توفر الغذاء.

يتبع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 10-12-2009, 09:54 AM   #5
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

(11)

أكملت أم صابر إحماء الفرن لتبدأ بالخَبْز، بعد أن ألقمته كميات كافية من العيدان الجافة، وبعض أقراص (الجلة)، وهي تعلم أن بعض النسوة من الجارات ستأتي لصنع الخبز، كونهن لم يبق عندهن من (وقيد) وقدرة كافية لاستمرار ودوام تجهيزهن لمثل تلك الأفران.

لم تكن متعة النسوة في تجهيز الخبز فقط، بل كانت لتتبادل الأخبار الطازجة، فكل جارة لها جارة والجارة الأخرى جارة، وكل جارة لديها خبر، فتتصل الأخبار ببعضها كاتصال (روجات) ماء في بركة أُسقط بها أحجار في أمكنة متباعدة منها.

سياج دار (أبي صالح) تهدم (كَرَع) من أثر الأمطار.
عجلة أم ابراهيم نفقت.
سُرِق ثلاثة أزواج من أفراخ الحمام من دار بهلول.
تخاصم أولاد بركات على توجيه مياه الأمطار لآبارهم.
تسمم عائلة (عوفة) بعد أن تناولوا طعاماً كان محفوظاً بإناء نحاسي غير (مُبيض).
أصبح الشيخ عليان مصاباً بإسهالٍ وحمى شديدة... (شكله مَوَات).

دخل عكرمة الى غرفة الفرن، وجلس الى جانب أمه، وكانت تعرف ماذا يريد، فكان يأتي ليأكل رغيف (كماج) ساخن وعليه قطعة من زبد البقر وترش فوق الزبد قليلاً من السكر، فبادرت لصنع رغيفه، وناولته إياه، فجلس ينعم بدفء المكان ولذة طعام الإفطار.

(12)

التقى صابر أستاذ التاريخ في مدرسة البلدة، في دكان احمد الرشيد، حيث كان يقضي الرجال معظم أوقاتهم بعد العصر في الدكاكين أو على قارعات الطرق، فوق أحجارٍ ثبتت لذلك الغرض.

كانت دكان أحمد الرشيد رغم مساحتها الضيقة التي لا يزيد طول ضلع مربعها عن أربع خطوات، مقسمة الى قسمين يفصلهما حاجز خشبي منتصب في الوسط، وضع عليه ميزانٌ ذو كفتين، وبعض أوعية الحلويات الشعبية، ونصفه الداخلي تم نصب رفوف من الخشب وضع فوقها أوعية زجاجية تحوي حاجات أهالي البلدة التي بَخنها جيداً احمد الرشيد.

أما النصف الخارجي من جهة الباب، فكان به بعض الأكياس التي يوضع بها الشعير والقمح والعدس، ليس كسلعٍ للبيع بالدرجة الأولى، بل كمكان لوضع أثمان المبيعات، فقد اعتاد الأهالي أن يشتروا بضائعهم بالحبوب أو بالبيض، ونادرا ما يستعملون النقود لأداء الأثمان.

وكان في أحد جوانب الجزء الخارجي (دكة) أو (مصطبة)، يتمدد فوقها صاحب الدكان عندما لا يكون لديه عمل أو زوار، وعندما يأتي الزوار يجلسون فوق المصطبة، لا يتحرجون من شيء، طالما أنها عادة!

على جانبي باب الدكان ثُبت بعض الأوتاد لتعليق المكانس والغرابيل وأدوات نخل الطحين، وقلائد (الدنيدلة: نبات يجمع بالربيع ويجفف ليستخدم في الطبخ)، وبعض ربطات الثوم، ولجامات الخيول وبعض الحبال. أما في أوسط الدكان فكان يتدلى شريط لاصق للإمساك بالذباب الذي كان يحوم فوق أواني الحلوى.

(13)

سأل صابر، أستاذَ التاريخ عن الأشياء التي سألها لوالده، والتي لم يُجب عنها كلها، فأراد مطابقة المعرفة الشعبية بالمعرفة العلمية المدونة.

تطابقت الأجوبة العلمية مع الشعبية فيما يخص الصليب والزبيب والمربعانية، والصفاري والبرق البانياسي، لكن فيما يخص (أُلقحت الأرض)، التي لم يجب عنها أبو صابر، قال أستاذ التاريخ: أن معارف أهل تلك المنطقة موغلة في القدم، ومن تلك المعارف ما لم يتم تدوينه، بل انتقل من جيل الى جيل بالمشافهة.

فقد كان السومريون والبابليون يعتقدون أن السماء ذكر والأرض أنثى، وكان المطر هو من يلقح الأرض ويخصبها لتعطي ثمارها.

استوقفه صابر: وهل أهل تلك البلدة على دراية بما كان يعتقد السومريون والشعوب القديمة؟
ـ نعم ليس السومريون وحدهم، بل والفراعنة والكنعانيين والحثيين.
ـ معقول هذا؟ وكيف؟
ـ لو تأملت الأمثال التي يرددها الفلاحون في تلك المناطق لتيقنت مما أقول.
ـ كيف؟ أي أمثال؟
ـ هناك مثلٌ يقول: (في مشير يتساوى اللوكسي والعفير)، فالعفير هو ما يزرع مبكرا، واللوكسي هو ما يزرع متأخراً، ومشير عند الفراعنة هو آذار/مارس عند سكان بلاد الشام، ومع ذلك لا زال المثل يقال كما كان في الأصل. ويعني المثل ما تمت زراعته مبكراً أو متأخراً سيتساوى في نموه في مشير.
ـ والكنعانيون، أين آثارهم بما نحن في صدده؟
ـ الزراعة البعلية أي المطرية، فكان الكنعانيون، والحثيون، يعتقدون أن بعل هو إله المطر وهو المسئول عن نجاح أو فشل الزراعة، في حين تُسمى تلك النوع من الزراعة التي لا تعتمد على جر المياه بالسواقي، في العراق بالديمية نسبة الى أديم إله المطر في بلاد ما بين الرافدين.

جاء عكرمة لينادي على أخيه صابر ليذهب للدار حيث أمره أبوه بذلك.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 21-12-2009, 12:00 PM   #6
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

(14)

بعد مرور ستة أيام على انهمار الأمطار بتواصل شبه مستمر، بلغ مدير المدرسة المعلمين بأن ينهوا تساهلهم وتسامحهم مع التلاميذ المتغيبين في البلدة، وكانت تلك الصلاحيات تُعطى لمدراء المدارس في المناطق الريفية كونهم أكثر قدرة على التعامل مع الظروف المحيطة.

لم تكن طرقات البلدة مستقيمة، ولا مُعبدة، بل تتعرج مع تعرج جدران المنازل التي كان يتم إكمالها على مراحل لتكون طرقات ملتوية يصعب على المساحين رسمها دون الاستعانة بتصوير جوي!

كانت حوافر حيوانات العمل وأقدام المواشي تفعل فعلها في خلط المياه مع الطين ومخلفاتها، فتصبح الطرقات معها وكأنها نماذج مصغرة لمستنقعات في بلاد مطيرة، ولم ينقصها سوى نماذج مصغرة عن تماسيح.

لم يكن باستطاعة عكرمة أن يسير بمحاذاة أترابه في الحي في الذهاب للمدرسة، كما اعتادوا في الأيام الخالية. كان عليهم أن يسيروا كأفراد قطعان النو التي تقطع الأنهر في إفريقيا في رحلاتها، فيتقدم تلميذٌ شجاع في القفز أمام أصحابه واضعا إحدى قدميه على جزء لم تطأه أقدام الحيوانات، ثم ينتقل بخطوة أوسع نحو حجر مرتفع ليقي ثيابه من بلل الطرقات، ويتبعه التلاميذ الآخرون، إن رأوه قد نجح في مسيره، وفي بعض الحالات كانت إحدى قدمي التلميذ المقدام تنزلق فيسقط التلميذ على جانبه لتنطلي ملابسه بطين بلون التراب والسماد والماء، فيعود لبيته لاغياً يومه الدراسي.

يتغيب بعض التلاميذ عن الدراسة في مثل تلك الأيام، ليس بسبب كراهيتهم للدراسة، بل بسبب عدم توفر ما ينتعلونه من أحذية يستطيعون التغلب فيها على مصاعب الطرقات. ولم يكن حظ عكرمة أفضل كثيراً من حظوظ أترابه، بل كان لديه (جزمة) من (الكاوشوك) تم شرائها قبل سنتين، حيث كان الآباء يشترون لأطفالهم مثل تلك الأحذية لتخدمهم سنتين أو ثلاثة، فيشترونها بأحجام كبيرة لتستوعب أقدام الأطفال التي كانت تنمو بمعدلات تفوق نمو أجسامهم، كونها حافية راكضة في أغلب الأحيان.

ولأن عمر الحذاء طويل وسعته أكبر من القدم، فكان ينشق شقاً طولياً من الجهة السفلى الخلفية للقدم وبطول إصبع، فإن لم ينتبه الطفل في سيره فإن سيعاني من برودة الماء والطين التي ستنفذ من خلال الشق وتستقر أسفل القدم العارية (دون جوارب) طيلة اليوم، ومن هنا كان انتباههم.

(15)

وقف التلاميذ في ساحة المدرسة لينشدوا نشيد الصباح، ثم يدخلوا لصفوف الدراسة، وكان يسهل على رسام مبتدئ أن يرسم لوحة لأولئك التلاميذ، حيث كانت ملابسهم بألوان لونها الزمن، فلم يكن أي لون منها مصنفاً تحت ألوان الطيف الشمسي، بل مزيجا منها مع اكتساب ألوان الدخان واختلاط مياه غسيل الملابس، وأحجامها تزيد عن أحجامهم بنمرتين أو ثلاثة وأحياناً خمسة، فملابس الشتاء كانت تُشترى بالجملة من سوق الملابس المستعملة ودون حضور الأطفال، أو أنها تكون لأخوة قد ضاقت عليهم أو لآباء الأطفال.

كان من السهل على أستاذ العلوم معرفة آثار سوء التغذية على وجوه التلاميذ الذين يجلسون متقاربين على مقاعد الدراسة طلباً للدفء من بعضهم واستجابة لزيادة أحجامهم بفعل ملابسهم السميكة والمرقعة. فكان (الحزاز) يبقع وجوههم وكانت السوائل تتماطى للخروج من فتحات أنوفهم. والأستاذ يتهيأ لشرح قاعدة (إرخميدس).

لكن الأستاذ لم يشرع في ذلك، بل عرج للحديث عن استبسال المقاومة في الجزائر، وضرورة الدعاء لأهل الجزائر والتبرع للثوار من أجل التخلص من الاستعمار الفرنسي، ولو كان ذلك التبرع بعشرة قروش!

كيف سيبلغ عكرمة والده بضرورة إعطاءه عشرة قروش، وهو لا يستطيع الحصول على نصف قرش كمصروف يومي؟

(16)

خرج الطلاب لساحة المدرسة، بعد أن انتهوا من ثلاث حصص، ليقوموا بشراء الحمص المسلوق والمملح، من بائع يضع وعاء على منصب خشبي يقف على ثلاثة أرجل.

ولكن عكرمة قرر ألا يشتري شيئاً، فإن لم يفلح في جعل أمه تقنع والده بإعطائه عشرة قروش للتبرع بها لثورة الجزائر، فإنه سيقوم بتجميع ذلك المبلغ أو نصفه من مصروفه اليومي.

أخذ عكرمة ينقل قدميه بجزمته التي مُسح نقش أسفلها بفعل الزمن، من مكان الى آخر، ويرفعها ليراقب كيف تترك أثرا على الأرض المبللة وطينها الرخو، فكانت بشكل أشجار مرسومة بخفة على الأرض، وكل نقلة تكون مختلفة عن الأخرى، لقد استلهم تلك الفكرة من أستاذ الفن الذي طلب منهم ذات يوم بشق رأس (البطاطس) ووضعه على سائل ملون ثم طبعها على ورقة بيضاء، لينتج عن ذلك رسم بديع!

مضى وقت تلهية عكرمة، حتى قرع الجرس ودخل التلاميذ الى غرف الصفوف.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 06-12-2009, 10:49 AM   #7
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

أشكركم أختنا الفاضلة على دوام التواصل والتشجيع

احترامي و تقديري
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 30-03-2010, 03:41 AM   #8
هـــند
مشرفة
 
تاريخ التّسجيل: May 2008
الإقامة: بلاد العرب
المشاركات: 4,260
إفتراضي

متألق دائما و جميل ما نثرتثه هنا أخي الكريم ابن حوران
العنوان بليغ لدرجة يشعرك بواقعية ما نعيشه
استمتعت و متابعة
__________________

هـــند غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 30-03-2010, 09:50 AM   #9
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي


(39)

كعادته، تطوع (إعْوَيِد) لمرافقة (عكرمة) في رحلته لجمع الحشائش، ورغم أنه يكبره بسنتين ولا يجمعه به صلة قربى، فكان من أكثر أصدقائه الملازمين له في لهوه وجده.

امتطى الفتيان حماراً أسود اللون ضئيل الحجم، يتناسب حجمه وطاعته مع عمريهما، وكان تحتهما (بردعة) يعلوها كيسٌ ضخم من الخيش أخذاه ليملأنه بالعشب بعد أن سمح (السندياني) للناس بذلك.

لم تستطع الشمس التغلب على الغيوم المتكاثرة، فكانت تبدو بينها كشيخ عنين يراود امرأته دون جدوى. ومع ذلك كان الطقس دافئاً في مظهره الخارجي، بارداً في حقيقته، دون أن يحس الفتيان ببرودته.

لم تكن مشية الحمار توحي بأنهما سينجزان مهمتهما بسهولة، فكان يضع رقبته على امتداد ظهره، وعيناه بين المغمضتين والمفتوحتين، والوقت الذي استغرقه للوصول الى الحقل لجمع الحشائش، زاد عن ساعتين.

استغل (إعويد) ذلك الوقت في سرد قصصٍ خيالية، منها ما نسبها لنفسه ومنها ما نسبها لوالده، وكانت معظم قصصه تأتي على إثر رؤية مشهدٍ أمامهما في الطريق، فكان يركب القصة، وهو مطمئن أن (عكرمة) لن يعترض عليها، فقد كان يجلس خلفه على ظهر الحمار، متشبثاً في أطراف البردعة أحياناً، أو ممسكاً بأحد يديه برفق بخاصرة (إعويد).

عندما أقبلا على وادٍ ليس بالسحيق كثيراً، كانت الجهة المقابلة لهما يزيد ارتفاعها عن بناية من أربعة طوابق. اخترع (إعويد) قصة: أنه ذات يوم، عندما وصل لتلك المنطقة برفقة آخرين لم يذكر أسمائهم، كان هناك رجلٌ أشعث الشعر طويل القامة، رشيق الحركة، شبه عارٍ، يصعد ذلك السفح للوادي ووجهه باتجاه الوادي بسرعة تفوق سرعة السحلية، ثم يعود راكضاً للأسفل ويكرر صعوده ونزوله، لم يهتم عكرمة بتلك القصة ولم يسأله أي سؤالٍ حولها يبدي اندهاشه أو تكذيبه.

كانت عينا عكرمة تراقب حشرة (الجعران) السوداء التي بحجم حبة الزيتون، تدفع كرة من روث المواشي يفوق حجمها حجم الجعران بعشرة أضعاف، وكان الجعران يسير باتجاه الخلف، ورأسه باتجاه آخر، فابتسم عكرمة وقال في نفسه لعل الجعران هذا هو من جنود الرجل الأشعث الذي تحدث عنه (إعويد).

(40)

أكمل الفتيان جمع الحشائش ووضعاها داخل الكيس الضخم، ولم يخطر ببالهما أنهما لن يستطيعا رفع ذلك الكيس فوق ظهر الحمار.

وبعد أن أكملا تشبيك فوهته بالخيوط الثخينة، أبرقت السماء وتلا برقها صوت رعد مخيف وكأنه انفجار مدوي. سحبا حمارهما الى (قحفٍ) بجانب التل، ليحتميا من الأمطار التي انهمرت بغزارة مبالغ فيها، عل أن تلك السحابة هي من سحابات الربيع المتأخر التي سيتوقف مطرها قريباً.

لم يسأل عكرمة صاحبه عن سبب حمل علبة ثقاب في جيبه، خصوصاً أنه استعملها في إشعال كومة من الأشواك والحشائش الجافة التي تركها أناس كانوا يشعلون النار لسبب ما.

كان الدخان المتصاعد من الأشواك الرطبة، قد تحالف مع ظلمة الجو الخارجي الممتلئ بالغيوم السوداء، ليشكل خلفية للهب المتصاعد بشُعَبٍ تتراقص وكأنها جنيات، وهذا ما استفز (إعويد) لابتكار قصص جديدة تتناسب مع المشهد.

فقال: ذات يوم ونحن نلعب (الاستغماية) في الحارات القديمة، وجدنا رجلاً طويلاً يضع على كتفيه عباءة سوداء، ويعتمر (كوفية) بيضاء فوقها (عقال) أسود، سألناه عما إذا رأى فتية مروا من هنا، وما أن انتهينا من تكملة السؤال لم يكن هناك رجل.

نظر عكرمة الى وجه صاحبه الذي لا يتوقف عن الكلام، ثم تناول عوداً من الحطب الرفيع، وأخذ يقلب به النار، ثم لمح أن السماء انقشعت وتوقف المطر.

(41)

حاول الفتيان حمل الكيس ليرفعانه على ظهر الحمار، لكن دون جدوى. ولم يقتربا من فكرة أن يتخلصا من قسمٍ من الحشائش التي في داخله، فابتكر (إعويد) طريقة لحمل الكيس على ظهر الحمار.

عكرمة، سأضع رجلي بجانب ساق الحمار الخلفي، وقم أنت بدفعه بكل قوتك مرة واحدة، دون أن ينتبه الحمار.

وافق عكرمة على ذلك، بعد أن أجبرا الحمار على الاقتراب من الكيس الممتلئ، فدفع الحمار فإذا به يسقط على الأرض. قرصا الكيس بواسطة عصا القيادة التي كانت بيد إعويد، فإذا بالكيس الضخم يستقر فوق ظهر الحمار. لكز الحمار لكي ينهض لكنه لم يستطع النهوض، عاوناه بوضع كتف كل واحدٍ منهما تحت طرفي الكيس، مع نهر الحمار وتشجيعه على النهوض، فنهض.

سار الحمار، ببطءٍ شديد، والبخار يخرج من فتحتي أنفه، ولهاثه بات مسموعاً، في حين باراه الفتيان كلٌ من أحد الجانبين، وهما يحسان بإنجازٍ عظيم.

كف (إعويد) عن سرد القصص، وركز اهتمامه في منع الكيس من السقوط، خصوصاً عندما اقتربا من وادي الرجل الأشعث.

لم يكن يخطر ببالهما أن الأمطار التي انهمرت ستجعل السيول تندفع الى بطن الوادي لتجعل مهمتهما أصعب في اجتيازه، خصوصاً وهذا الحمل الثقيل الذي فوق ظهر الحمار. غاصت أرجلهما في ماء الوادي ولم يكن يباليا في أن الماء علا سيقانهما لفوق ركبهما، المهم أن يبقى الحمل فوق ظهر الحمار.

(42)

تجمعت النسوة من الجيران وأهل الدار، لتنبش محتويات الكيس، وتتناول تلك النباتات التي لكل واحد منها اسم تعرفه النسوة، فهذه (حويرة) وهذا (مرار) وهذه (دريهمة) وهذه (كريشة) وكل نبات يجد طريقه الى أفواه النسوة.

التفت عكرمة الى النسوة ولم يقل شيئاً، بل مضى الى داخل الغرفة لتبديل ملابسه المبللة.
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 15-04-2010, 12:51 PM   #10
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي


(43)

عندما شرع البناءون بتشييد مخازن (أبي مناور)، تساءل بعضهم: لماذا يبني أبو مناور خمسة مخازن بطول عشرة أذرع للواحد وعرض سبعة أذرع؟ والكل يعرف أن الحركة التجارية البسيطة في بلدتهم لا تحتاج مثل تلك المخازن. وتساءل آخرون: من أين أتى (أبو مناور) بالأموال اللازمة للبناء؟ وبعضهم قال: إنه عثر على كنز .. وآخر قال: إنه رهن أرضه عند (النصراني) ليمده بالمال. نادراً، ما يعتذر أحدهم عن تفسير أي شيء، حتى لو كان ذلك الشيء يخص علوم الفضاء.

كان بعض الرجال، يجلسون منذ الصباح يراقبون كيفية تثبيت ألواح الخشب، وكيفية تثبيت قضبان الحديد، ويدققون النظر بحجم الطوب، ويسألون البنائين عن كل صغيرة وكبيرة، وكأن أحدهم مُكلفٌ في وضع تقرير أو دراسة عن هذا النمط الجديد من طرق البناء، والمغاير لطريقة الحجر والطين القديمة.

كان بعض الفتية، يستغلون غفلة البنائين، ليلتقطوا بعض المسامير الملتوية أو قطعٍ من أسلاك رفيعة، ويذهبون بها بعيداً ليستحدثوا أداة يلعبون بها، كمصيدة للعصافير أو لعمل مركبات من الأسلاك يدفعها الأولاد أمامهم متخيلين أنهم يقودوا سيارات حقيقية.

لم يكمل أبو مناور (تشطيب) مخازنه، بل تركها مسقوفة ووضع لها أبواباً، ووضع على الأبواب أقفالاً متينة، ولكنه لم يترك أي نافذة، ولم يغطِ الطوب بما يصقل الجدران، ولكنه صب أرضيات المخازن بصبة إسمنتية ناعمة.

برر أحدهم أن أبا مناور لم يكمل البناء، لأنه يريد أن يوهم الآخرين بأن المال الذي وجده بالكنز قد نفذ! وقال آخر: ربما اكتشف خطأه بأنه لا نفع من ذلك المشروع.

(44)

حضر قائد الدرك مع مدير الناحية، واتفقا مع أبي مناور لاستئجار مخازنه على الحال التي هي فيه، ليتم تخزين المساعدات الأمريكية من القمح على المواطنين.

وصلت عشر شاحنات محملة بالقمح الأحمر الداكن والأرفع من القمح المحلي، وضع في كل كيس خمسون كيلوغراماً من القمح. وكُتب على الكيس (هدية من شعب الولايات المتحدة الأمريكية) ثم وضعت (صورة) ليدين متصافحتين، وكتب أسفل الصورة (ليس للبيع أو المبادلة).

تجمهر الناس حول السيارات التي بُدء بتفريغها في مخازن أبي مناور، ووقف بعض رجال الدرك محيطين بقائدهم ومدير الناحية، وكان هناك من يسجل بعض المعلومات (عدد الأكياس في كل مخزن) (اسم السائق) (حالة العبوات الخ).

كان بعض الفتية يتهيئون للصعود الى السيارات الفارغة، بعد أن تفرغ حمولتها لجمع ما تساقط منها من حبات القمح. ولكن كان هناك أكثر من صوت يزجرهم، سواق الشاحنات، وبعض رجال الدرك، فأفشلوا أحلام أولئك الفتية.

لم يُعين من يحرس المخازن أو قمحها، بل اكتفى مدير الناحية بأخذ مفاتيح الأقفال، بعد أن وضع شمعاً أحمراً على كل قفل.

(45)

استمرت دعوات مدير الناحية لوجهاء البلدة أكثر من ثلاثة أسابيع قبل أن يشرعوا بتوزيع القمح على المواطنين. فكان كل وجيه أو (مُختار) يحضر قائمة بأسماء العائلات وأعدادهم.

كثر اللغط بين الناس، عن نزاهة التوزيع المقبلة، وكانوا يتناولون الحديث عن ذلك أمام دكان (أحمد الرشيد) والذي لم يخفِ قلقه، فقد استورد من العراق سيارة كاملة من تمر (العجوة) الذي كان يستخدمه الناس غذاءً بديلاً عن غذائهم الرئيسي والمكون غالبه من القمح، فخشي أن يقل الطلب على تلك المادة.

كان أستاذ التاريخ وصابر من بين الذين يتناولون ذلك الموضوع، فكانا يسميان تلك الهدية بأنها (رشوة سياسية) لربط القرار السياسي الوطني بالإرادة الأمريكية. لكن لم ينتبه أحدٌ لما كانا يتحدثان به.

(46)

حضرت خيول الدرك مع سيارة شرطة من العاصمة، فقد اكتشف مدير الناحية أن أكثر من نصف القمح المخزون قد سُرق. ولم يكتشف الخبراء من سرقه، فالأقفال لا زالت في مكانها ولا يوجد ما يدل على أن أحداً قد اقتحم المكان.

جُمع سبعة (زُعران) من البلدة، وتم ضربهم ضرباً مبرحاً، وحجزهم في (نظارة) الدرك، والتناوب على ضربهم، دون فائدة.

ولم ينتبه أولئك الخبراء لركض طفلٍ من أمامهم كان يرتدي (دشداشة) مكتوبٌ على مؤخرتها ( ليس للبيع أو المبادلة).

لقد اختار (الزعران) السبعة من بينهم واحداً رقيق البنية، أزالوا واحدة من الطوب فيدخل من خلال الفتحة ويرفع الكيس حتى تبقى فتحته العليا فارغة، فيوجهها نحو مكان الطوبة المُزالة، ثم يلاعب محتويات الكيس حتى تصبح خارج المخزن، ورفاقه يأخذون الكيس ويذهبوا به بعيداً الى مكانٍ لا يشك به أحد، ثم يحملون القمح ويبيعونه بسعر زهيد في قرى مجاورة.

سُجلت القضية ضد مجهول. وتم الإفراج عن الزعران الذين برروا عملهم بأنهم أولى بسرقته من القائمين على توزيعه!
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .