العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة > دواوين الشعر

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نقد كتاب العادلين من الولاة (آخر رد :رضا البطاوى)       :: تنزيل العاب و تحميل العاب كمبيوتر حديثة مجانا (آخر رد :أميرة الثقافة)       :: نقد كتاب تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى مقال ثقتي بنفسي كيف أبنيها (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب العقل المحض3 (آخر رد :رضا البطاوى)       :: اللي يرش ايران بالمي ترشه بالدم -- والدليل القناصه (آخر رد :اقبـال)       :: The flags of love (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: نقد كتاب العقل المحض2 (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب العقل المحض (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى مقال القواعد الأساسية للحوار (آخر رد :رضا البطاوى)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 11-12-2008, 03:09 AM   #31
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

2- استعمال تعابير وتراكيب قرآنية:



فالمثل الذي سقناه، "فتحت فتحًا مبينًا مضاربه" مأخوذ كلماته كما قلنا من القرآن ، وما أكثر ما يضمن الشاعر تراكيب كما هي:

"والجوع لعنة آدم الأولى وارث الهالكين

ساواه والحيوان ثم رماه أسفل سافلين" (27)

ومن المؤكد أن الشاعر نظر إلى الآية "ثم رددناه أسفل سافلين" (28) ، وما فعل إلا أن استبدل كلمة بكلمة لملائمة الوزن الشعري.

وفي القرآن: "فهي خاويةٌ على عُروشها وبِئْرٌ مُعَطَلةٌ وقَصْرٌ مَشيد" (29).

و ها هو السياب يكرر حروف العطف على نسق القرآن ، ويستعمل تركيبًا ورد في الآية السابقة :

"خاتم وسوار وقصر مشيد

من عظام العبيد" (30).

وفي قول السياب:

"وكأن- يا بشرى- كأن هناك في أقصى الجنوب" (31) تذكرة بدعوة البشارة:"قال- يا بشرى-

هذا غلام" (32).

والاستعمالان اعتراضيان.

ويقول السياب: "ويصدى كل فج" (33 ، )فسرعان ما يتبادر إلى أذهاننا تركيب "كل فج..." (34).

وفي قول الشاعر: "قضي الأمر بالسفر" (35) استخدام لـ "قضي الأمر" الواردة في القرآن (36).

ومن التعابير القرآنية "ملح أجاج" و "عذب فرات" يقول تعالى: "هذا عَذْبٌ فُراتٌ وهذا ملحٌ أُجاج" (37).

فالسياب يقول مستعملا التركيبين:

"فما دهاه اليوم حتى غدا-
ملحًا أجاجًا بعد عذب فرات" (38).

كما يستعمل كلمة ( أجاج ) بمعنى المالح: "شربت أجاج الماء" (39).

والنفخ في الصور وارد في القرآن: "يومَ يُنْفَخُ في الصور فتأتون أفواجا" (40) ، فيقول السياب وهو يتمنى أن يكون له صوت قوي: "كنفخ الصور يسمع وقعة الموتى" (41).

وفي تعليق السياب: "وحق العقاب" (42) تطابق مع قوله تعالى: "إن كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فحَقَّ عِقاب" (43) .

وقول السياب في سياق ديني: "لقد أغضب الآثمون الإله وحق العقاب".

واستعمال "المن" و "السلوى" في الشعر عنده مأخوذ من القرآن "وأنزَلْنا عليهِم المَنَّ والسَّلْوى" (44) فالمن والسلوى المنزلان على بني إسرائيل يجعلهما الشاعر للاجئين ولكنهما من نوع جديد: من شعير، يقول السياب:

"يا مكتبا للغوث هب للتائهين
منًّـا وسلوى من شعير" (45).

تبين لنا مما سلف أن الشاعر يتناول التركيب القرآني ويدخله في نسيج شعره، ولم نلحظ فيما تتبعنا أنه اقتبس آية بكاملها ، كما عهدنا ذلك في بعض "الاقتباسات" البلاغية القديمة.



3- في المضمون:



الشاعر يتأثر بمضامين القرآن، فهو يتحدث عن الجنة والثمر.. وكأنه يستذكر قوله تعالى: "ولهم فيها مِنْ كُلِّ الثَّمَرات" (46) ، فيقول السياب:

"من نخل جيكور أجني دانـي الثمر" (47).

"لن أرى جنة الهوى- لا ولن اقطف الثمر" (48).

وهذا يذكرنا بقوله تعالى وصفًا لجنته - "قُطوفُها دانِيَة" (49 ؛ بل هناك آيات أعاد السياب صياغتها شعرًا:

"وبدا الموارى منهما فإذا هناك سوءتان

وعليهما طفقا من الورق المهدل يخصفان" (50).

وهذان البيتان مستمدان من قوله تعالى:

"فلما ذاقا الشَّجَرةَ بَدَتْ لهما سَوْءاتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عليهِما مِنْ وَرَقِ الجَنّة" (51).

وعندما يقول السياب عن المسيح:

"فسار يبعث الحياة في الضريح

ويبرئ الأبرص أو يجدد البصر" (52).

كما يقول في مكان آخر : "سيبرئ الأعمى- ويبعث من قرار القبر ميتا" (53).

فالسياب يتأثر مباشرة من مضمون الآية التي تتحدث عن المسيح: "وأُبْرئُ الأكُمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيي المَوْتى" (54).

ويقول الشاعر:

" وفتحت السماء لغيثها المدرار بابـًا بعد باب" (55)،.

فهو قد استذكر قوله تعالى: "وفُتِحَتِ السَّماءُ فكانَتْ أبْوابا" (56).

وكلمة "السماء" ارتبطت بكلمة "مدرار" في ثلاثة مواضع في القرآن (57)، فلا عجب إذا رأينا لصوقهما عند الشاعر.

وفي سورة مريم يقول تعالى: "وهُزّي إليْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عليكِ رُطَبًا جَنِيّا" (58).

والسياب يقول:

"إنه الرطب

تساقط في يد العذراء وهي تهز في لهفة

بجذع النخلة..." (59).

فالشاعر تخيل ما حدث بعد أمر الله إلى مريم، وهو يتحدث عن النخل في العراق ...ثم عن المطر والخير اللذين يعقبانه، فالرطب عطاء لمريم ساعة الضيق، وهو ما يتشوق إليه الشاعر حتى يتخلص مما يعانيه.

يقول د. عز الدين إسماعيل في مقالـة له: "فالشاعر الذي هدّه السفر وأيأسه المرض لا بد أن ينتظر معجزة تفتح أمامه باب الحياة من جديد، وتذهب بالمخاوف في نفسه وتشيع فيها الأمن، ولنتدبر كيف تسرب هذا المعنى إلى نفس الشاعر من بقية الآية، لقد اتخذت الآية الكريمة في نفس الشاعر مسارًا نفسيًا خاصة وتحددت أمامه ببعد شعوري يرتبط بأزمته الراهنة" (60).

وفي حين يقسم القرآن "والليل إِذا عسْعَس" (61) يستعمل شاعرنا نفس الكلمات بصيغة الشرط: "وإن عسعس الليل" (62)، "حين يعسعس الوسن" (63)، والآية القرآنية المذكورة متلوّة بآية أخرى "والصُّبْحِ إِذا تَنَفَّس" لكن الشاعر آثر أن تتغير كلمة "الصبح" فيأتي بمرادفة لها ، وذلك إذ يقول: "تنفس الغد في اليتيم" (64).

ومن تأثير القرآن مضمونًا ما قاله السياب:

"سيعلمون من الذي هو في ضلال" (65).

والآية تنص: "فَسَتَعْلمونَ مَنْ هو في ضَلالٍ مُبيِن"(66) وهو تطابق إلا ما ألزمته الضرورة الشعرية واللغوية.

وقول السياب: "أنا مع الصبح على موعد" (67)، صياغة أخرى لقوله تعالى: "إِنْ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْح" (68).

فالموعد في الحالين هو في الصباح، أما ما يتبع ذلك فهناك تباين، إذ معنى "الصبح" في القرآن وارد على وجه التعميم بترقب العذاب والتهديد للكفار، بينما "الصبح" عند الشاعر هو رمز تفاؤل وخير.



4- الأجواء القرآنية والإيحاء:



لعل أبرز ما يوحي لنا بهذه الأجواء بعض الكلمات التي تشير إلى الصورة القرآنية، فعندما يقول الشاعر:

"فرأى القبور يهب موتاهن فوجًا بعد فوج" (69). فان كلمة "فوج" تستدعي تذكّرنا للموقف يوم القيامة: "يَوْمَ يُنْفَخُ في الصّورِ فَتَأتون أفْواجا" (70).

وفي قول السياب: "يتنفس في كهف هار" (71) يخطر في بالنا قوله تعالى: "جُرُفٍ هارٍ" (72) ، والشاعر استعمل "هار" بعد الاسم الموصوف ، لأنه يريد أن يبين عمق المكان ونتانة التنفس فيه، بالإضافة إلى أن في المخرج الصوتي للفظتين "كهف" و "جرف" تشابهًا.

ويقول الشاعر:

"قبس من نور قلبي مشرق في ناظريك" (73).

هذا القبس يذكرنا بقوله تعالى: "أنظُرونا نَقْتَبِسْ من نورِكُم" (74).

فبينما يتحدث القرآن على لسان المنافقين وهم يخاطبون المؤمنين ، فإن الشاعر يورد هذا في معرض الغزل فقبس النور من قلبه يشرق في عينيها.

ويقول الشاعر:

"بجرتها من دافق الماء سلسل" (75).
ودافق الماء إضافة لفظية وقلب لقوله تعالى:

"مِنْ ماءٍ دافِق" (76).

فالشاعر تحدث عن الماء المتدفق ، بينما كان الماء في القرآن مجازًا.

ويقول الشاعر:

"ألا وقرت آذان من يسمعونه" (77).

ووقر الآذان تعبير قرآني: "وفي آذانهم وَقْرًا" (78).

فالشاعر صاغ جملته بأسلوب إنشائي دعائي يعبر فيها عن انفعاله ، بينما هي في القرآن جملة خبرية.

وتفجير العيون وارد في القرآن بصيغة خبرية:

"وفَجَّرْنا فيها مِنَ العُيون" (79).

" وفَجَّرْنا الأَرْضَ عُيونـًا فالتَقَى الماءُ" (80) ؛فالشاعر يصوغ بعض كلماتها بأسلوب إنشائي استفهامي: (81)

"فمن يفجر الماء منها عيونا لتُبنى قرانا عليها".

ويقول السياب بأسلوب التمني الذي يعبر عن تشفّيه : :

"لو تستطيع الكلام

لصبت على الظالمين

حميمًا من اللعنات" (82).

فنلحظ أن بعض كلماتها توحي لنا بالآية: "قُطّعَتْ لَهُم ثِيابٌ من نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقَ رؤوسِهم الحَميم" (83) ؛

وهذه الصورة أيضا نجدها عند الشاعر في قوله:

"ستنصب نار" (84)، كما أن قول الشاعر:

"ولا تلظّى بناره" (85) يذكرنا بقوله تعالى:

"فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظى" (86).

وتعبير "العيون الحور" عند الشاعر مأخوذ من قوله تعالى : "حُورٌ عين" (87).

فالعيون "الحور" و "الشراب" من كلمات القرآن المترددة في وصف الجنة والشاعر يقول:

"العيون الحور لو أصبحن ظلاً في شراييني" (88) ، "من الأعين الحور ينبوعها" (89).

وعندما يقول الشاعر "فينفطر قلب السماء" (90) لا شك انه يستوحي جو الآية "إِذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ" (91)، وكلمة "انفطر" في كل استعمال لها في القرآن ملازم لكلمة "السماء"، لكن الشاعر يمزج بين التعبير القرآني وبين التعبير الدارج "انفطر عليه"، ويقول الشاعر:

"لم تترك الرياح من ثمود

في الواد من أثر" (92).

إشارة إلى قوله تعالى: "وَثَمود الذين جابُوا الصَّخْرَ بالواد" (93) ويذهب تفسير الجلالين إلى أن كلمة "الواد" تعني وادي القرى، وفي "معاجم اللغة" الوادي- منفرج بين جبال إن آكام يكون منفذًا للسيل؛ فالشاعر -كما رأينا - يستعمل كلمة "الواد" بحذف الياء وليس له أي مبرر، ففي القرآن حذفت الياء لأنها في نهاية آية ، وحفاظًا على الفاصلة القرآنية، بينما هي عند الشاعر حافظت على رسمها القرآني كما هو.

ولنلاحظ كيف يستعمل الشاعر الكلمات القرآنية من أكثر من آية، فالسياب يقول:

"كورت النجوم إلى نداء: قابيل أين أخوك" (94) يجمع الكلمات من أكثر من آية: "إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وإذا النُّجوم انْكَدَرَتْ" (95) ، ثم لم يلبث في معرض حديثه عن اللاجئين أن يخاطب قابيل الوارد ذكره في القرآن (المائدة 31)، كما نلحظ أن كلمة "نداء" وردت في القرآن بمثل الجو الذي وصفه السياب في قصيدته "قافلة الضياع"- يقول تعالى: "وَمَثَلُ الذينَ كفروا كَمَثَلِ الذي يَنْعَقُ بما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداء" (96).

وفي قافلة الضياع يقول الشاعر:

"جمعت السماء آمادها لتصيح
كورت النجوم إلى نداء، قابيل أين أخوك؟" (97).

ويقول السياب: "... ابَّنه في موته والمضغة الصلصال" (98) "والمضغة" و "الصلصال" تتعلقان بخلق الإنسان: "إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ" (99)، "خُلِقَ الإِنسَّانُ مِنْ صَلْصَّالٍ كَالفَخّار" (100).

ويبدو أن الأصداء القرآنية تبقى في نفَس القصيدة، فكلمة "الفخار" التي في الآية الأخيرة يستعملها السياب في مكان آخر من القصيدة التي استشهدنا منها (101).

ويقول الشاعر:

"وانجلى الفجر حاملاً بين كفيه سعيرا

عذابه يصليني" (102).

وفي القرآن : "وَيَصْلَى سَعيرا" (103)، وكلمة "يَصْلَى" تتردد عند الشاعر، وعلى سبيل المثال: "اصلوها نارا" (104)، وهي مطابقة لقوله تعالى : "واصْلَوْها..." (105) والكلمات بتجميعها تدعنا نتذكر آيات مشابهة، ففي قول السياب:

"أنها عادت هشيما يوم أن أمسيت ريحا" (106).

(116).
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 03:15 AM   #32
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

فإن لفظتي "الهشيم " و" الرياح " تذكراننا بقوله تعالى : " فأصْبَحَ هَشيمًا تَذْرُوه الرِيّاح" (107)؛ فالشاعر يخاطب الصقر الإلهي أن يترفق لأن روحه تتمزق، والله يريد أن يضرب مثلاً على ضعف الإنسان: أن نبات الأرض أصبح قشًا تذروه الرياح ، وهكذا حال الكافر.

وفي قول السيياب:

" يا للقبور كأن عاليها غدا سفلا

وغار إلى الظلام" (108).

نستوحي قوله تعالى: "فَجَعَلْنا عالِيها سافِلَها" (109)، ومن الملاحظ أن جملة السياب تشبيه يعبر فيه عن رهبة الموقف ، بينما آية القرآن تقرير ووصف حال .

وفي قول السياب:

" مصابيح لم يسرج الزيت فيها وتمسسه النار" (110).

استفادة من القرآن : "يَكادُ زَيْتُها يُضيء ولَوْ لَمْ تَمْسَسَهُ نار" (111).

والشاعر يقول:

"لو أودع الله إياها أمانته

لنالهن على استيداعها ندم" (112).

وهذا مضمون قرآني من الآية: "إِنَّا عَرَضْنا الأمانةَ على السمواتِ والأرْضَ والجِبالَ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها" (113).

فالشاعر استعمل أداة الامتناع - بمعنى أن الندم سيحصل لو تم ذلك، بينما الآية تتحدث عن رفض الجبال أن تحمل الوديعة.

وترتبط كلمة "التنور" بالفيضان في قوله تعالى:

"حتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفَار التّنّور قُلْنا احْمِل فيها مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْن" (114).

وإذا بها عند السياب مرتبطة كذلك:

" في قلبه تنور- النار فيه تطعم الجياع
والماء من جحيمه يفور

طوفانه يطهر الأرض من الشرور" (115).

وكلمة "التنور" لها أكثر من تفسير، لكن الغالب فيها أنه الموقد،وهذا لا يمنع الشاعر من ترديد كلمة "تنور" بالمعنى القروي "موقد" من غير أن يتقيد بالجو القرآني كقوله:
5- ألفاظ قرآنية بارزة:



ليس سبيلنا هنا أن نقف عند كل لفظة قرآنية، وإنما نقف عند بعضها، فكلمات مثل: آد، يدثر، اجتبى، وغيرها كثير نميزها على أنها وردت في القرآن ...وتذكرنا بآيات قرآنية.

وشاعرنا مولع باللفظة القرآنية كلفظة: "أزف" (117)، يقول الشاعر:

"لقد أزف الوعد" (118)

وكأنما أزف النشور" (119)

وهو يؤثرها على (حان) و (آن) و (جاء) وإضرابها لان "أزف" تخلق عنده الإحساس بالجزالة اللغوية، وكلمة "الوصيد" (120) تعني العتبة أو فناء الدار، فيقول الشاعر:

"رمت الرداء ونشرته على الوصيد" (121).

واستعمال حرف الجر "على" يقربنا من معنى آخر من معاني الوصيد وهو "نبات متقارب الأصول" (122) وليس هذا

المعنى بدعًا ، فمن العرب من ينشر ملابسه على النبات، غير أن متابعة دقيقة تؤكد لنا أنه عنى معنى

"الساحة" (123):

" عباس عاد من الترصد بالرجال على الوصيد"

"وما زال جمعنا في الوصيد" (124).

ويؤثر الشاعر كلمة "الرعاء" اعتبارًا للقافية وللاستعمال القرآني (125)، إذ أن الشاعر يقول:

"ومن كوة في خيام الرعاء" (126).

وفي قول الشاعر:

" ولا اختص في الصرصر اللاجئون" (127).

تسترعي انتباهنا كلمة "صرصر" الواردة في القرآن (128)، وترتبط كلمة "السموم" في شعر السياب بالريح:

"ريحها السموم (129)، رياح سموم" (130).

وتعني "السموم" الريح الحارة، فيقول تعالى: "عَذاب السّموم" (131)، "نار السَّموم" (132).

كما أن الشاعر في استعماله: " بأفنانك الناطفات المياه" (133) يعرف أصلاً أن (أغصان) تؤدي نفس المعنى، لكنه يفضل كلمة "أفنان" القرآنية (134)، وكذلك الأمر في استعمال الشاعر كلمة "الحرور" التي يؤثرها على الحر.

وكم تتردد كلمات من وحي القرآن في شعر الشاعر، ونسوق بعضًا مما ورد في معنى العذاب مثلا : لظى، سعير، سقر، رجوم، وغيرها (135)....





"استخلاص"



من خلال ما تقدم نستخلص ما يلي:

1- أن أثر القرآن بارز في كل المجموعات الشعرية على السواء، وتوفرها كثيرًا في ديوان "أنشودة المطر" يعود إلى حجم الديوان أولاً .

إذا تفحصنا التراكيب التي استفاد منها الشاعر واستعملها كما هي أو طورها فإننا نجد:

أ- أن بعض التركيب وارد في لغة الأدب الحديث ، كمثل قوله "قبس من نور"، "العيون الحور" الأمر الذي يجعلنا لا نبت في الحكم أنه أفادها مباشرة من القرآن، وهذا ينطبق أيضًا على استعمال المفعول المطلق، حيث أن هذا الأسلوب ليبس واردًا قصرًا على القرآن ، ولكن لا منأى من وضعها ضمن إطار الاستفادة من القرآن لأنه الأشيع والمتداول .

ب- أن الشاعر في تأثره بالقرآن أسلوبًا ومضمونًا وتراكيب لم يقتبس على الطريقة البلاغية القديمة في الاقتباس – وذلك ، كأن ينقل الآية أو جزءًا منها كقول ابن الرومي:

" لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع" (136).

بل هو يستفيد من القرآن وأساليبه ، ويطور هذه الاستفادة بعد هضمها باتجاه الآية ، أو بمعنى مخالف مغاير للأصل.

ج- أن اغلب الاستعمالات التي اشرنا إليها في شعر السياب ترد بمعنى العذاب كقوله:

"وحق العذاب" (137) ، "ستنصب نار" (138).



مدخل إلى استفادة السياب من شعر السابقين :


لا شك أن كل شاعر في مطلع كتابته يترسم خُـطا سابقيه، والسياب- الذي أشار إليه النقاد بأنه تأثر بأبي تمام والمتنبي وغيرهما- (139) أكثر من استعمال القاموس الشعري القديم، وأعلى صوت الموروث الشعري وأدخله في عشرات الأبنية، فكان من أكثر الشعراء المحدثين اقترابًا من روح الشعر القديم، وكان من أبرز من حوّم حوله رصانته وجزالته (140) ، وهو بهذا أحيا الكثير من الكلمات القديمة، إذ أن استعماله – مثلاً - صدر بيت قديم:

"ناحت مطوقة بباب الطاق" (ص717)- على سبيل المثال- فإنه يحيي كلمة "مطوقة"، بالإضافة إلى أنه يعمق المعنى، ونحن نحس ألم الشاعر -العراقي- من خلال هذا التضمين ، ومن خلال تذكرنا البيت القديم:

"ناحت مطوقة بباب الطاق

فجرت سوابق دمعي المهراق"

والشاعر الحديث عندما يضمن شعره فإنه:

- يثري التجربة ويعمق المعنى.

- يحيي بعض الكلمات القديمة.

- يؤكد أهمية التراث اللغوي، وهذا من شأنه – بالتالي - أن يحفز القارئ على تقبل التراكيب الجديدة (141).

ويلاحظ الدارس أن الشاعر ساق الكثير من هذه الآيات في سياق تشاؤمه وألمه.

وقد حاولنا تصنيف نوعية هذا التأثر، وسجلنا الظاهرة الفريدة كدلالة على الاستفادة، ففي الأسلوب لا نستطيع الحصر مهما أوتينا، وفي التراكيب سجلنا ما تكرر عند الشاعر من غير أن نبحث كيفية وقوع التركيب هنا وهناك إلا ما يقتضي ذلك، فمن التركيب ما بقي على حالة الأول، ومنه ما تغيرت دلالته .

وقد استعمل السياب التضمين ، وأخذ يرصع به شعره ، وتناول بعض العبارات الشعرية وطورها توسعًا في المعنى أو اعتراضًا له، وفي الحالتين فإن التأثر واقع، فيه تذكير وإثارة، وفيه قدرة الشاعر على نقل التراث بصورة جديدة.

السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 03:18 AM   #33
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

تأثير الشعر القديم على السياب :


1- في بناء الجملة.

2- في تراكيب رددها الشاعر وهي لشعراء سابقين.

3- في تضمين أبيات من الشعر القديم في سياق جديد.

4- في تطوير تعابير الشعر القديم بشكل مغاير للأصل.



1- التأثر بصياغة الجملة الشعرية القديمة:

لا نستطيع أن نزعم أن باستطاعتنا حصر كل الأساليب التي تأثر بها الشاعر، فربما يكون بعض هذه الأساليب من القرآن أو الحديث، ولكن سبيلنا أن نقف عند بعض الأساليب البارزة في الشعر:

أ- أسلوب التفريع[1] أو ما أصطلح عليه أسلوب : "ما...بـ ": وهو الابتداء بما التي تعني ليس، والتي يتأخر خبرها وهو مسبوق بالباء- حرف الجر الزائد-، فالأعشى مثلاً يقول:

"ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل

يومًا بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل" (142).

وها هو السياب يستعمل هذا الأسلوب المتوافر في الشعر القديم فيقول:

"فما مذهب من شعور الحسان

تراخى على كتف واستراح

بمشبه منديلها فتنة

وسحرًا إذا جاذبته الرياح" (143).



ب- أسلوب الاستفهام في اصطلاح البلاغين "تجاهل العارف": والمقصود منه تهويل الموقف، ومن ذلك ما تقول الخنساء : "قذى بعينك أم بالعين عوّار" (144) .

ويقول السياب: "أنار البرق في عينيه أم شعار المعبد" (145).

ج- استعمال "ما الزائدة" بعد إذا: يقول النابغة: " إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم" (146).

والسياب يكثر من مثلها كقوله:

" إذا ما راح يطوي إليهم نحو الشاطئ الخصب
إذا ما اهتزت الزهرة ألقت بالندى العذب" (147).

د- استعمال المدح بما يشبه الذم: يقول السياب:-

"فتى ما جنى ذنبًا سوى أنه انتضى حسامًا بوجه الظلم ما لان جانبه" (148).
وصيغة هذا القول تذكرنا ببيت النابغة:

"ولا عيب فيهم غير أن سيوفيهم بهن فلول من قراع الكتائب" (149) .

ه- استعمال أنماط صياغة قديمة:

ففي قول المتنبي: "لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي" (150)، نجد أن قول السياب:

"لغيرك لم يخفق فؤادي ولا هفا" (151) ، مشابه له ، إذ أن البيتين يبدأان بحرف جر ، فاسم مضاف إلى الضمير، فحرف نفي ، ففعل ، فحرف عطف ، فحرف نفي ، ففعل.

ونظرة إلى مطولة "بور سعيد" (152) في قصائدها العمودية الثلاث، فإننا نستوحي الأجواء الشعرية لجرير وأبى تمام والمتنبي في كل قصيدة على التوالي، ولنضرب مثلاً:

يقول السياب: "إيماضة البرق إلا أنها حقب" (153).

ويقول المتنبي: "هذا عتابك إلا أنه مقة" (154)، وغيره كثير.

ولو أنعمنا النظر في أبيات السياب التي دللنا على تأثرها لألفينا أكثرها من مجموعة "البواكير" ، غير أن هذا لا يعني أن السياب لم تتأثر صياغته في سائر الدواوين، ففي "أنشودة المطر" مثلاً يقول:

"عصافير أم صبية تمرح

أم الماء من صخرة تنضح" (155) .وفي تكرار "أم" نتذكر قول الخنساء:

"قذى بعينيك أم بالعين عوار

أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار" (156) .

2- تراكيب من الشعر القديم رددها السياب:

وإفادة السياب من الشعراء السابقين تبرز كذلك في تضمين بعض التراكيب كما هي، فالدعاء بالسقي مثلاً كان يلائم طبيعة الصحراء، وقد أكثر منه الشعراء ، فهذا قيس بن ذريح يقول:

"سقى دار لبنى حيث حلت وخيمت من الأرض منهل الغمام رعود" (157) .

ويقول ابن زيدون مستعملاً نفس الدعاء- برغم اختلاف البيئة عليه:-
"ليسق عهدكم عهد السرور" (158) .

وكما كان الشاعر القديم يدعو بالسقي على الأطلال ، فها هو شاعرنا يستوحي السقي على منزل الأقنان:

"ألا يا منزل الأقنان سقتك الحيا سحب" (159) .

ودعاء السقي في الشعر القديم يأتي كذلك بصورة سلبية كقول المتنبي مستعملاً لا الدعائية:

"فلا سقاها من الوسمي باكره" (160) .

وهذا التركيب نجده- قريبًا من الأصل- عند السياب في قوله: "فلا سقيا" (161) .

فالتراكيب القديمة التي استخدمها السياب كثيرة ، وها نحن نذكر ما استطعنا حصره ابتداء من الشعر الجاهلي:

فـ " رعي النجوم " تعبير وارد في شعر النابغة: "وليس الذي يرعى النجوم بآئب" (162) ومعنى رعي النجوم مراقبتها ، وها هو السياب يقول كذلك : "وأرعى نجوم الظلام العميق" (163) .

ويقول الشاعر القديم:

"نذر علي لئن راحوا وإن رجعوا
لأزرعن طريق الطف ريحانا" (164) .

فيأتي السياب ويقول:

"نذر علي لئن تشب
لأزرعن من الورود" (165)

كما أن ترديد السياب لـ (حُييت من...) في قصيدة "بور سعيد" (166) تذكرنا بعنترة في ابتدائه:
"حييت من طلل تقادم عهده" (167) .

وطول الثواء تعبير عند الأقدمين، وفيه يقول عنترة:

"طال الثواء على رسوم المنزل" (168) .

ويقول الحارث بن حلزة:

"رب ثاو يمل منه الثواء" (169)، فيأتي السياب ويمزج بين المعنيين:

"حتى ضجرت واسأمه طول الثواء وآده التعب" (170).

ومن الطبيعي أن السياب كان يستطيع استعمال "المقام" بدلاً من "الثواء" مع محافظته على الوزن - لكن الشعر الجاهلي بقي تأثيره طاغيًا.

"والبنان الرخص" وارد في الشعر القديم، يقول النابغة:

"بمخضّب رخص كأن بنانه عنم يكاد من اللطافة يعقد" (171) .

ويقول عمر بن أبي ربيعة:

"ومخضب رخص البنان كأنه عنم" (172).

وإذا ترددت كلمة "عنم" عند الشاعرين فإن السياب أغفلها لتوغلها في البعد عن الطبيعة الحضرية، فهو يقول "جاءتك ظمأى بالبنان الرخص تغترف المياه" (173).

ومن قول السياب:

"ماء اسق يا ماء والغيث الرهيب كلى

مفرية سحت الآجال والكربا" (174).

نرى أن "الكلى المفرية" تعبير وارد عند ذي الرُّمة:

"ما بال عينيك منها الماء ينسكب كأنه من كلى مفرية سرب" (175).

ومن الشعر العباسي استعار السياب الكثير من مثل هذه التركيبات كما هي:

يقول أبو تمام في بائيته المشهورة:

"كأس الكرى ورضاب الخرد العرب" (176).

ويقول السياب: "والنار أعراض كل الخرد العرب" (177).

يقول أبو تمام: "قاني الذوائب من آني دم سرب" (178).

ويقول السياب: "حتى جبى قدر ماء من دم سرب" (179).

ويقول أبو تمام: "للنار يومًا ذليل الصخر والخشب" (180).

ويقول السياب: "ما ذل غير الصفا للنار والخشب" (181).

والبحتري يقول: "أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا" (182)، فيستعمل السياب نفس التعبير "والربيع الطلق" (183)، وكذلك فإن البحتري يقول: "يفتقها برد الندى.." (184) فيستعمل السياب: "كما تنفض الريح برد الندى" (185).

ويقول ابن الرومي:


" يا قصة عنتر إذ تروى حول التنور فأحياها"
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 12:03 PM   #34
محمود راجي
عضو مشارك
 
تاريخ التّسجيل: Nov 2008
الإقامة: أكناف بيت المقدس
المشاركات: 542
إفتراضي

نهاية

-1-

أضيئي لغيري فكل الدروب

سواء على المقلة الشاردة

سأمضي إلى مجهل لا أؤوب

فإن عادت الجثة البارده

فألقي على الأعين الخاويات

طيب السماء

لعل الرؤى الخابيات

إذا مس أطرافهن الضياء

يخبرن عن ذلك المجهل:

عن الريح و الغاب و الجدول

أضيئي لها يا نجوم !

**

-2-

سأهواك حتى نداء بعيد

تلاشت على قهقهات الزمان

بقاياه في ظلمة في مكان

و ظل الصدى في خيالي يعيد

سأهواك حتى سأهوى نواح

كما أعولت في الظلام الرياح

سأهواك حتى سـ.... يا للصدى

أصيخي إلى الساعة النائية

سأهواك حتى بقايا رنين

تحدين دقاتها العاتية

تحدين حتى الغدا

سأهواك ما أكذب العاشقين !

سأهوا نعم تصدقين

**

-3-

ظلام و تحت الظلام المخيف

ذراعان تستقبلان الفضاء

أبعد اصفرار الخريف

تريدين ألا يجيء الشتاء؟

لقاء و أين الهوى يا لقاء؟!

عويل من القرية النائية

وشيح ينادى فتاة الغريق

بهذا الطريق و ذلك الطريق

و يمشي إلى الضفة الخالية

يسائل عنه المياه

و يصرخ بالنهر يدعو فتاه

و مصباحه الشاحب

يغني سدى زيته الناضب

محال يراه

و يحنو على الصفحة القاتمة

يحدق في لهفة عارمه

فما صادفت مقلتاه

سوى وجهه المكفهر الحزين

ترجرجه رعشة في المياه

تغمغم لا لن تراه

**

-4-

أحقا نسيت اللقاء الأخير

أحقا نسيت اللقاء ... ؟

أكان الهوى حلم صيف قصير

خبا في جليد الشتاء

خبا في جليد

و ظل الصدى في خيالي يعيد

خبا في جليد خبا في جليد

و يا رب حلم يهيل الزمان

عليه الرؤى و السنين الثقال

فتمضي و يبقى شحوب الهلال

يلون بالأرجوان

شحوب النجوم وصمت القمر

ويومض في كل حلم جديد

شحوب الهلال و ظل الشجر

وطيف الشراع البعيد ؟
__________________
**********
كن كالنخيل عن الاحقاد مرتفعا ::: يلقى بصخر فيلقى اطيب الثمر


محمود راجي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 06:06 PM   #35
ودق
عضو مشارك
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2008
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 685
إفتراضي

الشكر و لا يسعني سواه للتثبيت و الإضافات الرائعة التي أثرت الموضوع و هي دعوة أيضا لكل زائر ان يضيف لنجعله موضوعا متكاملا بإذن الله
أخي السيد عبد الرزاق و أخي المشرقي الاسلامي و أخي محمود الراجي أشكركم على المداخلات و أرجوا ان لا تتوقف و هذا لما عمّ من فائدة وجزاكم الله خيرا
__________________
إنّنــا محكومون بالأمل
ودق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 06:27 PM   #36
ودق
عضو مشارك
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2008
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 685
إفتراضي

مدينة بلا مطر




مدينتنا تؤرّق ليلها نار بلا لهب

تحمّ دروبها و الدّور ثم تزول حمّاها

و يصبغها الغروب بكل ما حملته من سحب

فتوشك أن تطير شراره و يهب موتاها

صحا من نومه الطينيّ تحت عرائش العنب

صحا تموز عاد لبابل الخضراء يرعاها

و توشك أن تدق طبول بابل ثم يغشاها

صفير الريح في أبراجها و أنين مرضاها

و في غرفات عشتار

تظل مجامر الفخار خاوية بلا نار

و يرتفع الدعاء كأن كل حناجر القصب

من المستنقعات تصيح

لاهثة من التعب

تؤوب إله الدم خبز بابل شمس آذار

و نحن نهيم كالغرباء من دار إلى دار

لنسأل عن هداياها

جياع نحن و اأسفاه فارغتان كفّاها

و قاسيتان عيناها

و باردتان كالذهب

سحائب مرعدات مبرقات دون إمطار

قضينا العام بعد العام بعد العام نرعاها

وريح تشبه الإعصار لا مرّت كإعصار

و لا هدأت ننام و نستفيق و نحن نخشاها

فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمه

عيونكم الحجار نحسّها تنداح في العتمة

لترجمنا بلا نقمة

تدور كأنهن رحى بطيئات تلوك جفوننا

حتى ألناها

عيونكم الحجار كأنّها لبنان أسوار

بأيدينا بما لا تفعل الأيدي بنيناها

عذارانا حزاني ذاهلات حول عشتار

يغيض الماء شيئا بعد شيء من محيّاها

و غصنا بعد غصن تذبل الكرمة

بطيء موتنا المنسلّ بين النور و الظلمة

له الويلات من أسد نكابد شدقه الأدرد

أنار البرق في عينيه أم من شعله المعبد

أفي عينيه مبخرتان أوجرتا لعشتار

أنافذتان من ملكوت ذات العالم الأسود

هنالك حيث يحمل كل عام جرحة الناريّ

جرح العالم الدوار فاديه

و منقذه الذي في كل عام من هناك يعود بالازهار

و الأمطار تجرحنا يداه لنستفيق على أياديه

و لكن مرّت الأعوام كثرا ما حسبناه

بلا مطر و لو قطرة

و لا زهرة و لو زهرة

بلا ثمر كأنّ نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها

لنذبل تحتها و نموت

سيدنا جفانا آه يا قبره

أما في قاعك الطيني من جرّة

أما فيها بقايا من دماء الرب أو بذره

حدائقه الصغيرة أمس حعنا فافترسناها

سرقنا من بيوت النمل من أجرانها دخنا و شوفانا

و أوشابا زرعناها

فوفّينا و ما وفى لنا نذره

و سار صغار بابل يحملون سلال صبّار

و فاكهة من الفخّار قربانا لعشتار

و يشعل خاطف البرق

بظل من ظلال الماء و الخضراء و النار

و جوههم المدوّرة الصغيرة و هي تستسقي

فيوشك أن يفتّح و هي تومض حقل نوار

ورفّ كأنّ ألف فراشة نثرت على الأفق

نشيدهم الصغير

قبور إخوتنا تنادينا

و تبحث عنك أيدينا

ل؟أن الخوف ملء قلوبنا و رياح آذار

تهز مهودنا فنخاف و الأصوات تدعونا

جياع نحن مرتجفون في الظلمة

و نبحث عن يد في الليل تطعمنا تغطّينا

نشد عيوننا المتلفتات بزندها العاري

و نبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمة

فيا من صدرها الأفق الكبير و ذديها الخيمة

سمعت نشيجنا و رأيت كيف نومت فاسقينا

نموت و أنت واأسفاه قاسية بلا رحمة

فيا آباءنا من يفتدينا من سيحيينا

و من سيميت يولم لحمه فينا

و أبرقت السماء كأن زنبقة من النار

تفتح فوق بابل نفسها و أضاء وادينا

و غلغل في قراره أرضنا
__________________
إنّنــا محكومون بالأمل
ودق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 06:36 PM   #37
ودق
عضو مشارك
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2008
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 685
إفتراضي

المسيح بعد الصلب




بعدما أنزلوني سمعت الرياح


في نواح طويل تسف النخيل


و الخطى و هي تنأى إذن فالجراح


و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل


لم تمتني و أنصتّ كان العويل


يعبر السهل بيني و بين المدينة


مثل حبل يشدّ السفينة


و هي تهوي إلى القاع كان النواح


مثل خيط من النور بين الصباح


و الدجى في سماء الشتاء الحزينة


ثم تغفو على ما تحسّ المدينة


حينما يزهر التوت و البرتقال


حيت تمتدّ جيكور حتى حدود الخيال


حين تخضرّ عشبا يغنّي شذاها


و الشموس التي أرضعتها سناها


حين يخضرّ حتى دجاها


يلمس الدفء قلبي فيجرى دمي في ثراها


قلبي الشمس إذ تنبض الشمس نورا


قلبي الأرض تنبض قمحا وزهرا و ماء نميرا


قلبي الماء قلبي هو السنبل


موته البعث يحيا بمن يأكل


في العجين الذي يستدير


ويدحى كنهد صغير كثدي الحياه


متّ بالنار أحرقت ظلماء طيني فظلّ الإله


كنت بدءا و في البدء كان الفقير


متّ كي يؤكل الخبز باسمي لكني يزرعوني مع الموسم


كم حياة سأحيا ففي كل حفرة


صرت مستقبلا صرت بذره


ذرت جيلا من الناس في كل قلب دمي


قطرة منه أو بعض قطرة


هكذا عدت فاصفرّ لما رآني يهوذا


فقد كنت سره


كأن ظلا قد اسود مني و تمثال فكره


جمّدت فيه و استلّت الروح منها


خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه


عيناه صخرة


راح فيها يواري عن الناس قبره


خاف من دفنها من محال عليه فخبّر عنها


أنت أم ذاك ظلي قد أبيضّ وارفضّ نورا


أنت من عالم الموت تسعى هو الموت مرّه


هكذا قال آباؤنا هكذا علمونا فهل كان زورا


ذاك ما ظنّ لما رآني و قالته نظرة


قدم تعدو قدم قدم


القبر يكاد بوقع خطايا ينهدم


أترى جاءوا من غيرهم


قدم قدم قدم


ألقيت الصخر على صدري


أو ما صلبوني أمس فها أنا في قبري


فليأتوا إني في قبري


من يدري أني من يدري


ورفاق يهوذا من سيصدق ما زعموا


قدم قدم


ها أنا الأن عريان في قبري المظلم


كنت بالأمس ألتف كالظن كالبرعم


تحت أكفاني الثلج يخضل زهر الدم


كنت كالظل بين الدجى و النهار


ثم فجرت نفسي كنوزا فعرّيتها كالثمار


حين فصلت جيبي قماطا و كمّي دثار


حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار


حين عريت جرحي و ضمدت حرجا سواه


حطم السور بيني و بين الإله


فاجأ الجند حتى جراحي و دقات قلبي


فاجأوا كل ما ليس موتا و إن كان في مقبرة


فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمرة


سرب من الطير في قرية مقفرة


أعين البندقيات يأكلن دربي


شرع تحلم النار فيها بصلبي


إن تكن من حديد و نار فأحداق شعبي


من ضياء السماوات من ذكريات و حب ّ


تحمل العبء عني فيندى صليبي فما أصغر


ذلك الموت موتي و ما أكبره


بعد أن سمّروني و ألقيت عينيّ نحو المدينة


كدت لا أعرف السهل و السور و المقبرة


كان شيء مدى ما ترى العين


كالغابة المزهرة


كان في كلّ مرمى صليب و أم حزينة


قدس الربّ


هذا مخاض المدينة
__________________
إنّنــا محكومون بالأمل
ودق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 06:42 PM   #38
ودق
عضو مشارك
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2008
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 685
إفتراضي


قصيدة ذكرى لقاء


قد انتصف الليل فاطو الكتاب عن الريح و الشمعة الخابية
فعيناك لا تقرآن السطور و لكنها العلة الواهيه
فأنت ترى مقلتيها هناك و ذكرى من الليلة الماضيه
فتطوي على ركبتيك الكتاب و ترنو إلى الأنجم النائيه
**


هنا أنت بين الضياء الضئيل و بين الدجى في الفضاء الرحيب
و كم من مصابيح تفنى هناك تنير الثرى و الفراغ الرهيب
**


مصابيح كانت تذوب


و تنحل في شعرها:س


خطانا و لون الغروب


و ما ضاع من عطرها


و تلقي على ذكريات الشتاء ستاراً من الأدمع الراجفة
فتخبو مصابيحهن البعاد بطيئاً كما تبرد العاطفة
كما افترقت يوم حان الرحيل يد صافحتها يد واجفة
كرجع الخطى في الطريق البعيد كما انحلت الرغبة الخائفة
**


وتصغي و لا شيء إلا السكون و إلا خطى الحارس المتعب
وإلا ارتعاش الضياء الضئيل و خفق الظلال على المكتب
**


و أسفارك البالية


كأشباح موتى تسير


حياري إلى الهاوية


وحلم أدكار قصير


**


و تنساب مثل الشراع الكئيب وراء الدجى روحك الشاردة
ترى وجهها كالتماع النجوم و تطويه عنك اليد الماردة
إلى أن يذوب الضباب الثقيل و تنهار ألوانه الجامدة
فها أنت ذا تستعيد اللقاء كما عادت الجثة الباردة
**


و تمتد يمناك نحو الكتاب كمن ينشد السلوة الضائعة
فتبكي مع العبقري المريض و قد خاطب النجمه الساطعة
**


تمنيت يا كوكب


ثباتا كهذا أنام


على صدرها في الظلام


وافني كما تغرب


و يغشى رؤاك الضياء القديم بطيئاً كما سارت القافلة
ترى الباب مثل انعكاس المغيب على صفحة الجدول الناحلة
و يغشى رؤاك الضياء القديم ينير لك الغرفة الآفلة
و يغشى رؤاك الضياء القديم فيا لانتفاضتك الهائلة!
**


ترى الباب ألقى عليه الأصيل ظلالاً من الكرمة العارية
فما كان غير اعتناق طويل عصرنا به القوة الباقية
**


و ألقيت عبء السنين


و رأسي على صدرها


فشدت عليه اليمين


و أدنته من ثغرها


**


و أيقنت أن الحياة الحياة بغير الهوى قصة فاترة
و إني بغير التي ألهبت خيالي بأنفاسها العاطرة
شريد يشق ازدحام الرجال و تخنقه الأعين الساخرة
__________________
إنّنــا محكومون بالأمل
ودق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 06:49 PM   #39
ودق
عضو مشارك
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2008
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 685
إفتراضي

مرثية جيكور



يا صليب المسيح ألقاك ظلا فوق جيكور طائر من حديد

يا لظل كظلمة القبر في اللون و كالقبر في ابتلاع الخدود

و التهام العيون من كل عذراء بيت لحم الولود

مرّ عجلان بالقبور العواري من صليب على النصارى شهيد

فاكتسب منه بالصليب الذي ما كان إلا رمزا الهلاك الأبيد

لا رجاء لها بأن يبعث الموتى و لا مأمل لها بالخلود

ويل جيكور ؟ أين أيامها الخضر و ليلات صيفها المفقود

و العشاء السخي في ليلة العرس و تقبيلة العروس الودود

و انتظار له على الباب

محمود تأخرت يا أبا محمود

ناد محمود

ثم يوفي على الجمع بمنديل عرسه المعقود

نقطته الدماء يشهدن للخدر بعذراء يا لها من شهود

لا على العقم و الردى بل على الميلاد و البعث و الشباب الجديد

أي صوت يصيح محمود محمود تأخرت كالنواح البعيد

أين محمود ليس محمود في الدار و لا الحقل

يا أبا محمود

ناد محمود كاد أن يهتف الديك و ما زال جمهنا في الوصيد

قل له يبرز الدماء فأنا في انتظار لها و شوق مبيد

ذر نجم الصباح محمود محمود أأقبلت بالدم المنشود

أي جرح يتر منه الدم الموار في باب دارك المرصود

إنه منك منك هذا الدم الثر و من جانب العروس القديد

الصليب الصليب إنا رأيناه و قد مر كالخيال الشرود

قد رأيناه في الصباح و في الليل سمعنا كقعقعات الرعود

أهو هذا الذي يريدون ؟ أشلاء و أنقاض منزل مهدود

أفما قامت الحضارات في الأرض كعنقاء من رماد اللحود

لا و لم افرح العقول على المجهول يسبرن فيه غور الوجوه

أو يشقّ العباب قلع يصك الريح صكا إلى البعيد البعيد

أو يلمّ النسيم عقدا من النور و يذروه باقة من ورود

ساحر فجر المدى عن مدى ملآن باللحن مترع بالنشيد

أو تدّق الأجراس يا أرض يا بشراك بالحبّ و المسيح الوليد

لا و لم يختم الزجاج على كل هرقل من العقار الأكيد

بخنق الموت كلما همّ بالناس و يجتاح كاسرات الأسود

لا و لا قيس بعدما لفه الليل من الأرض و احتوى من حدود

بالذي قاس حافة الساعة القوراء في قرصها ذراعا حديد

أو يفض الظلام ألا لكي تندّك جيكور بالسلاح الجديد

كي يراها على اتساع المدى و الشأو من ليس طرفه بالحديد

من وراء المحيط و الليل و الغابات و البيد و الذرى و السدود

أين من شال جين أطمار كلثوم ؟ و أن الغضا من الأركيد

فيم أسرى صحاب جين المغاوير إلى زوج كلثوم المنكود ؟

أنت جيكور كل جيكور أحداق العذارى و باسلات الزنود

و الرؤوس التي حثا فوقهنّ الدهر ما في رحاه من تنكيد

صرّد القمح من نثار لها اللون و لم تحظ بالرغيف الوئيد

فهي صحراء تزفر الملح آهات و شكوى لمائها المؤود

خورس

شيخ اسم الله ترللا

قد شاب ترلّ ترلّ ترار و ما هلّ

ترلل العيد ترللا

ترللا عرّس حمادي

زغردن ترلّ ترللا

الثوب من الريز ترلّلا

و النقش صناعة بغداد

إنها الريح فاملئي الريح يا جيكور بالضحك أو نثار الورود

فقطب الصمت حيث كانت أغانيك و حيث العبير نتن الصديد

جاء قرن و راح و المدن في ضوضاء و ما زلن من حساب النقود

ضاع صوت الضعاف فيها و آهات النبيين و ابتهال الطريد

و استحال الفضاء من ضجة الآلات فيها و من لهاث العبيد

غير هذا الفضاء شيئا لغير الآدميين ربما للقرود

ربما للذئاب و الدود و الآذنى من الدود في الحضيض البليد

ظلّ ذاك الضجيج كالجيفة الحبلى بما ليس غير عقم الولود

ثمة التمّ في كرات من النار فألقى عليك صمت اللحود

لا عليك السلام يا عصر تعبان بن عيسى و هنت بين العهود

ها هو الآن فحمة تنخر الديدان فيها فتلظي من جديد

ذلك الكائن الخرافيّ في جيكور هومير شعبه المكدود

جالس القرفصاء في شمس آذار و عيناه في بلاط الرشيد

يمضغ التبغ و التواريخ و الأحلام بالشدق و الخيال الوئيد

ما تزال البسوس محمومة الخيل لديه و ما خبا من يزيد

نار عينين ألقتاها على الشمر ظلالا مذبحات الوريد

كلما لز شمره الخيل أو عرى أوزيده التحام الجنود

شد راحا و أطلق المغزل الدراء يدحوه للمدار الجديد

و انتهى من حديثه الضخم عن ضخم منالغزل و انتهى من قعود

نصف عريان يسحب الطرف عن صدر تعرى و عن قميص فقيد

غير بقيا على فم دق حتى عن فم العنكبوت في رأس عود

مغزل ينقض الذي حاكه النول و جهد أضاع شتى جهود

فهو كد و ليس بالكد أردى قبله اثنين و أدعى بالمزيد

حاضر غير حاضر منه للماضي فناء و للغد الموعود

لا عليك السلام يا عصر تعبان بي عيسى و هنت بين العهود

أنت أيتمت كل روح من الماضي و سودت آله من حديد

تسكب السم و اللظى لا حليب الأم أو رحمة الأب المفقود

سلم في الحضيض أعلاه مرقاه انخفاض و إن بدا كالعصود

حدقت منه في الورى مقلتا فوكاي تستشرقان أيام هود

و المسيح المبيع بخسا بما لو بيع لحما لناء عن تسديد

حدّقي حيث شئت يا عين فوكاي المدمّاه من مداك المديد

فهي سوق تباع فيها لحوم الآدميين دون سلخ الجلود

كل أفريقيا و آسيه السمراء ما بين زنجها و الهنود

و اشتري لحم كلّ من نطق الضاد تجار تبيعه لليهود

هكذا قد أسف من نفسه الإنسان و انهار مانهيار العمود

فهو يسعى و حلمه الخبز و الأسمال و النعل و اعتصار النهود

و الذي حارت البرية فيه بالتآويل كائن ذو نقود
__________________
إنّنــا محكومون بالأمل
ودق غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-12-2008, 06:55 PM   #40
ودق
عضو مشارك
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2008
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 685
إفتراضي

في السوق القديم



-1-

الليل و السوق القديم

خفتت به الاصوات إلا غمغمات العابرين

و خطى الغريب و ما تثبت الريح من نغم حزين

في ذلك الليل البهيم

الليل ، و السوق القديم ، و غمغمات العابرين

و النور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب

مثل الضباب على الطريق

من كل حانوت عتيق

بين الوجوة الشاحبات كأنه نغم يذوب

في ذلك السوق القديم

-2-

كم طاف قبلي من غريب

في ذلك السوق الكئيب

فرأى و أغمض مقلتيه و غاب في الليل البهيم

و ارتج في حلق الدخان خيال نافذه تضاء

و الريح تعبث بالدخان

الريح تعبث بالدخان

الريح تعبث في فتور و اكتئاب بالدخان

و صدى غناء

ناء يذكر بالليالي المقمرات و بالنخيل

و أنا الغريب .. أظل أسمعه و احلم بالرحيل

في ذلك السوق القديم

-3-

و تناثر الضوء الضئيل على البضائع كالغبار

يرمي الظلال على الظلال كأنها اللحن الرتيب

و يرتق ألوان المغيب الباردات على الجدار

بين الرفوف الرازحات كأنها سحب المغيب

الكوب يحلم بالشراب و بالشفاة

ويد تلونها الظهيرة و السراج أو النجوم

و لربما بردت عليه و حشرجت فيه الحياة

في ليلة ظلماء باردة الكواكب و الرياح

في مخدع سهر السراج به و أطفأه الصباح

-4-

ورأيت من خلل الدخان مشاهد الغد كالظلال

تلك المناديل الحيارى و هي تؤمئ بالوداع

أو تشرب الدمع الثقيل ، و ما تزال

تطفو و ترسب في خيالي – هوم العطر المضاع

فيها و خصبها الدم الجاري

لون الدجى و توقد النار

يجلو الأريكة ثم تخفيها الظلال الراعشات

يخبو و يسطع ثم يحتجب

ودم يغمغم و هو يقطر ثم يقطر : مات ...مات

-5-

الليل و السوق القديم و غمغمات العابرين

و خطى الغريب

و أنت أيتها الشموع ستوقدين

في المخدع المجهول في الليل الذي لن تعرفيه

تلقين ضوءك في ارتخاء مثل امساء الخريف

حقل تموج به السنابل تحت أضواء الغروب

تتجمع الغرباء فيه

تلقين ضوءك في ارتخاء مثل امساء الخريف

في ليلة قمراء سكرى بالأغاني في الجنوب

نقر [الداربك] من بعيد

يتهامس السعف الثقيل به و يصمت من جديد

-6-

قد كان قلبي مثلكن و كان يحلم باللهيب

حتى أتاح له الزمان يداً ووجها في الظلال

نار الهوى ويد الحبيب

ما زال يحترق الحياه و مان عام بعد عام

يمضي ووجه بعد وجه مثلما غاب الشراع

بعد الشراع و كان يحلم في سكون في سكون

بالصدر و الفم و العيون

و الحب ظلله الخلود فلا لقاء و لا وداع

لكنه الحلم الطويل

بين التمطي و التثاؤب تحت أفياء النخيل

-7-

بالأمس كان و كان ثم خبا و أنساه الملال

و اليأس حتى كيف يحلم بالضياء فلا حنين

يغشى دجاه و لا اكتئاب و لا بكاء و لا أنين

الصيف يحتضن الشتاء و يذهبان و ما يزال

كالمنزل المهجور تعوي في جوانبه الرياح

كالسلم المنهار لا ترقاه في الليل الكئيب

قدم و لا قدم ستهبطه إذا التمع الصباح

ما زال قلبي في المغيب

ما زال قلبي في المغيب فلا أصيل و لا مساء

حتى أتيت هي و الضياء

-8-

ما زال لي منها سوى أنا التقينا منذ عام

عند المساء و طوقتني تحت أضواء الطريق

ثم ارتخت عني يداها و هي تهمس و الظلام

يحبو و تنطفئ المصابيح الحزانى و الطريق

أتسير وحدك في الظلام

أتسير و الأشباح تعترض السبيل بلا رفيق

فأجبتها و الذئب يعوى من بعيد من بعيد

أنا سوف أمضي باحثا عنها سألقاها هناك

عند السراب و سوف أبني مخدعين لنا هناك

قالت ورجع ما تبوح به الصدى أنا من تريد

أنا من تريد فاين تمضي ؟ فيم تضرب في القفار

مثل الشريد أنا الحبيبة كنت منك على انتظار

أنا من تريد و قبلتني ثم قالت و الدموع

في مقلتيها غير أنك لن ترى حلم الشباب

بيتا على التل البعيد يكاد يخفيه الضباب

لولا الأغاني و هي تعلو نصف وسنى و الشموع

تلقى الضياء من النوافذ في ارتخاء في ارتخاء

أنا من تريد و سوف تبقى لا ثواء و لا رحيل

حب إذا أعطى الكثير فسوف يبخل بالقليل

لا يأس فيه و لا رجاء

-10-

أنا أيها النائي القريب

لك أنت وحدك غير أنى لن أكون

لك أنت أسمعها و أسمعهم و رائي يلعنون

هذا الغرام أكاد أسمع أيها الحلم الحبيب

لعنات امي و هي تبكي أيها الرجل الغريب

إني لغيرك بيد أنك سوف تبقى لن تسير

قدماك سمرتا فما تتحركان و مقلتاك

لا تبصران سوى طريقي أيها العبد السير

أنا سوف أمضي فاتركيني : سوف ألقاها هناك

عند السراب

فطوقتني و هي تهمس : لن تسير

-11-

أنا من تريد فأين تمضي بين أحداق الذئاب

تتلمس الدرب البعيد

فصرخت : سوف أسير ما دام الحنين إلى السراب

في قلبي الظامي دعيني أسلك الدرب البعيد

حتى أراها في انتظاري : ليس أحداق الذئاب

أقسى على من الشموع

في ليلة العرس التي تترقبين و لا الظلام

و الريح و الأشباح أقسى منك أنت أو الأنام

أنا سوف أمضي فارتخت عني يداها و الظلام

يطغي ...

و لكني وقفت و ملء عيني الدموع
__________________
إنّنــا محكومون بالأمل
ودق غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .