العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة > دواوين الشعر

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الثقافة وعقلية المثقف (آخر رد :المشرقي الإسلامي)       :: ألمانيا تستنسخ اقتراحا مغربيا هو بطاقة الإشهاد على الفحص لفيروس كورونا (آخر رد :محمد محمد البقاش)       :: أبريل/نيسان (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب ذكر صلاة التسبيح (آخر رد :رضا البطاوى)       :: دور التربية في بناء الأمم (آخر رد :المشرقي الإسلامي)       :: قصة امرأة تغلّبت على العاهة (آخر رد :المشرقي الإسلامي)       :: كورونا يفرمت العالم (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد مسند إبراهيم بن أدهم الزاهد لابن منده (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: سيناريو العيش الآمن في ظل استمرار وباء كورونا لمدة طويلة (آخر رد :محمد محمد البقاش)      

المشاركة في الموضوع
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
غير مقروءة 04-05-2007, 01:35 AM   #81
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي

التراتب الاجتماعي ومسألة الأقليات

التراتب الاجتماعي Stratification Social مصطلح شائع في علم الاجتماع، ويعني فيما يعنيه موقع وعلاقة الفرد بالمجموعة أو المجموعة بالمجتمع وتسلمها مواقع سلطوية أو إدارية أو اكتسابها مكانة مرموقة في سلم الترتيب الاجتماعي ..

ويبدو أن تلك المسائل لا ثبات فيها ولا قانون دائم يحكمها في كل الظروف والأزمنة والأمكنة .. فتوزيع الأدوار في المجتمع وبروز مكانة الفرد أو المجموعة محكوم بعوامل أبرزها العاملين بشكلهما التالي :

1ـ هوية الفرد أو المجموعة وموقعها في محيطها الضيق .. فأبناء عشيرة قليلة العدد في قرية أو بادية لم تكن لهم السيادة في العهود السابقة، ولن تكون لهم في الوقت الراهن، حتى لو تم اعتماد الانتخابات كأسلوب لتناقل السلطة بين أفراد المجتمع، فمرشح الأسرة أو العائلة قليلة الأفراد، حتى لو كان مخترعا أو يحفظ كل كتب مكتبات العالم عن ظهر قلب، لن يفوز على مرشح ابن العشيرة الأكثر عددا .. وإن تساوى المرشحان في الهوية الوطنية والقومية والطائفية أو المذهبية ..

هذه الحالة، لن تكون منتشرة في أوساط المدن الواسعة، أو الدول التي تعتمد نظام التعددية الحزبية والمدعومة بالمال ضمن الضوابط الليبرالية المعروفة.

لن يثير أحد مشكلة أبناء العشائر الصغيرة، على أنهم في مظلمة لن يتمكنوا يوما من تبوء مكانة اجتماعية أو سياسية مرموقة، وهم في واقع الحال، في وضع أسوأ بكثير مما هم عليه أبناء الأقليات العرقية، الذين يحظون بمقعد أو عدة مقاعد حسب (كوتة) تحددها تطور القوانين ..

2ـ هوية الأقلية المهنية، وطمس الأهمية لمنتسبيها:

هذه المسألة لها علاقة بالجانب الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وهي ما تساهم في تحديد مكانة الفرد، بغض النظر عن ديانته و قوميته. فقد نجد صانعا للأعواد (جمع عود .. آلة موسيقية) اكتسب مهارته من خلال طفرة أو صدفة في قرية نائية وفقيرة، ولكنه لم يستطع إثارة انتباه سكان القرية الفقراء، الذين لم يضعوا مسألة مهنته بين أولوياتهم .. ولكنه لو انتقل الى مدينة كبيرة لها نشاطها الثقافي والاقتصادي أو وجد أصلا فيها، فإن ندرة حرفته ستكسبه شهرة ومكانة مرموقة بغض النظر عن ديانته و قوميته وصغر أسرته ..

في حين لن تسعف الكثرة جمهرة العمال غير المهرة، في مجتمع صناعي أو إقطاعي، تنحصر المراتب العليا فيه بين طبقة متسلطة بعينها، ليخرج من تلك الكثرة شخصيات لها مكانتها ودورها ..

يبرز هنا مصطلحان في هذه القضية، في الوسط الاجتماعي الأوسع البعيد (مرحليا) عن السلطة والمراتب العليا وهما: التعصب وعدم التسامح العرقي..

التعصب Prejudice : وقد عرفه بعض علماء الاجتماع على أنه (( اتجاه عاطفي غير مرن، أو استعداد أو تهيؤ مسبق لاستجابة معينة بطريقة ما، تجاه من الناس))*1. وتأسيسا على هذا التعريف فإن صورة تتكون عن مجموعة عرقية أو أمة، لدى المتعصب، فيصبح من خلال تلك الصورة ينظر الى كل العرق أو سكان البلد أو أبناء مجموعة كأنهم شخص واحد يملكون الصفات التي تكونت بمخيلته رغم اختلاف هؤلاء الأشخاص فيما بينهم وهذا السلوك يتحول حسب رأي (والتر ليبمان) الى النمطية (Stereotype) .. وهنا لن تكون الأحكام حول المجموعة العرقية مسبقة فحسب، بل مسبقة وخاطئة..

أما عدم التسامح Intolerance : فهو برأي (Cox) مصدره العوامل الاقتصادية.. وهو يرى أن النظر الى اليهود (مثلا) من باب عدم التسامح، في حين يرى أن النظر الى الزنوج من باب التعصب .. وبرأيه أن المجتمع الأوسع يقصد في سلوكه المتسم بعدم التسامح الى دفع الأقلية للاندماج الكامل بالمجتمع الأوسع وضبط حركتهم، دون القصد من ذلك إنهاء وجودهم .. وهذا ما يحدث في الوقت الحاضر مع الجاليات الإسلامية والعربية في فرنسا.. فخطاب أكثر المرشحين تطرفا نحو اليمين للرئاسة (سركوزي) لا يختلف كثيرا عن غيره، فكل خطاباتهم لا تخلو من عدم التسامح .. بل تصل في بعض الأحيان الى حد التعصب العنصري ..

تطور التعصب :

في الأحداث الحادة، يتم استغلال بذور التعصب الكامنة في المجتمع وتغذيتها، بفتح شلالات الإعلام المحرك لها في ظرف يمكن المحركين من استثمارها بشكل سريع لتحقيق أهداف وضعت في مخططات من يريد التحريك .. ثم تشتعل حمى المنافسة في تزويد تلك الحالة بوقود يطور من تصعيدها، حتى يصبح التحريض واضحا للعيان .. لتبدأ المجموعات العرقية في النهاية بمهاجمة غيرها، كما حدث في المدن البريطانية إثر تفجيرات لندن، عندما هاجمت مجموعات متعصبة إنجليزية، أحياء المسلمين. وكما يحدث في العراق الآن عند بعض المجموعات.

وتعود أسباب تطور التعصب في مجملها الى نواح اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتكون الأسباب الأساسية مموهة وغير واضحة، فيبحث المحركون لاستثمار التعصب عن كبش فداء يبرر تحركهم الغامض في كثير من الأحيان، ويجدونه في قالب التعصب ..



هوامش:
1ـSimpson, G.E. and Yinger نيويورك/ هاربر 1972/ص 14
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 15-05-2007, 07:48 PM   #82
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي

أشكر تفضلكم بالمرور أختنا الكريمة

احترامي وتقديري
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 15-05-2007, 07:53 PM   #83
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي

(26)

تؤثر كمية الغذاء المتوفرة للكائنات الحية على نمطية حياتها وكثرة أعدادها، فحيوانات الصحراء لندرة الغذاء تتصف بقلة أعدادها واكتسابها مهارات تجعل بقاءها وفرص حياتها متوفرة .. فمثلا تحتاج بومة (الحظائر) حتى تفقس ستة مرات في السنة الى ثلاثة آلاف وستمائة جرذ.. فإن لم تلق هذا العدد في بقعة فإنها ستغادره الى مكان آخر.. وهذا الكم من الجرذان حتى يتوفر لتغذية هذا البوم وأفراخه لا بد من توفر الغذاء له .. كذلك نجد تلك الظاهرة في النحل ففي الأحوال التي تكون فيها الأزهار متوفرة، فإن كمية العسل المنتَج ستزيد، وأعداد أفراد الطائفة ستزيد .. إنها مسألة طبيعية بحتة ..

نظام التغذية عند البشر يتوقف هو الآخر على توفر عوامل الإنتاج للغذاء في بقعة يتواجد فيها قاطنون من البشر، فأحيانا تكون المنطقة صناعية، ولا وجود للمزارع القريبة منها، فيضطر أصحاب المشروع الصناعي سواء كانوا من الأهالي أو الدولة الى إحضار الغذاء لهذا التجمع الصناعي، فتنتشر الأسواق التي تعج بالبضائع المنقولة من مسافات بعيدة، ويذهب السكان الصناعيون الى الأسواق ليشتروا ما يحتاجون من مواد، ويدفعوا ثمن مشترياتهم من الأموال التي تقاضوها بدل أتعابهم الصناعية .. هذا في المجتمعات المتقدمة ..

في المجتمعات التي انتقلت من حياتها القديمة، الى حياة مدنية جديدة، يتصارع الناس على الغذاء، ويحاولون التفنن في البقاء، فيرحل الكثير من سكان البوادي والأرياف ليحلوا ضيوفا غير مرغوب فيهم على ضواحي المدن الكبرى، حتى فاق عددهم في الكثير من الأحيان عدد سكان المدن الأصليين، فتهمشوا في سكناهم ودورهم وحياتهم، وأصبحوا بيئة تفرخ الكثير من المصائب غير المحسوب حسابها في سياسات الدول العرجاء .. وهي ظاهرة موجودة بوضوح في معظم مدن البلدان العربية ..

تقاس نسبة الزيادة بالسكان، على ضوء عدد الولادات والناجين من الأطفال دون موت، منقوصا منها نسبة الوفيات، وتخرج إحصائيات عن متوسط أعمار السكان.. وتدخل عندها دراسات السكان، والحالة الصحية، فتحتل الدول المتقدمة مرتبة أولية في قلة نسبة الوفيات في الأطفال، وزيادة متوسط أعمار الأفراد، وقلة عدد المعاقين الخ ..

في العتيقة، حافظ السكان على عددهم الثابت طيلة سبع وعشرين سنة، منذ عام 1927 وحتى عام 1954 .. لا زيادة تذكر. عندما تأتي ضواري الغابات لتلحق بقطيع من الغزلان أو الحيوانات العاشبة (المتغذية على الأعشاب) فإنها تصطاد الصغار من المواليد التي لا تستطيع الهرب، كذلك تصطاد المتأخر والمتخلف من القطعان نتيجة عجزه وعدم لياقته. كان المرض وهو الوحش المستتر ينهش العاجزين عن الركض أمامه نتيجة سوء لياقتهم الآتية من سوء التغذية، كما أن الأطفال حديثي الولادة، ولسوء الحالة لمرضعاتهم، فإنهم يرضعون العجز منذ صغرهم، فيكونون هم الآخرون فريسة سهلة لأي مرض ساري.. فكانت الحصبة مثلا تأكل أبناء خمسة سنوات عن بكرة أبيهم، لا تبقي منهم أحدا ..كما أن مرضا مثل السل أو الكوليرا لا يرحم هو الآخر، وكان سكان العتيقة يطلقون أسماء على الأمراض، لم يبق أحد يتذكرها مثل (أبو مزراق) عن الطاعون ..

كان الأكل والشرب، يحتل سلم الأولويات لدى مواطني العتيقة، وأظن أن هذا الترتيب لم تنفرد (العتيقة) به، ولا يزال الناس في كثير من الأحيان عندما يريدون وصف رخاء أحد الأفراد يقولون بتباهي وتفاخر (مآكل شارب نايم)، يعني أنه أكل ( وهو الأهم) وشرب ونام .. ولن يذكر ما يتقاضاه من الأجر، فالدلالات تلك كافية لإخبار من يستمع عن حالة النعيم التي يكون المعني فيها ..

كانت مهمة رب البيت تشبه الى حد كبير مهمة ملكة (بيت النمل) في حركة مستمرة لتأمين عوامل البقاء من تدبير الغذاء وتخزينه.. كان تعلق الناس بالمطر وما يعنيه من (بشارة) على بقاء حياتهم، يشكل تعلقا أسطوريا غريبا، فبالرغم من أنهم مسلمون، لكن لفظ (ديم في العراق) و(بعل في بلاد الشام) لا زال يرافق حياتهم حتى اليوم، فأهل العراق القدماء الذين لم يسكنوا الى جانب الأنهر هم كأهل بلاد الشام الذين لم يسكنوا جانب الأنهر، فأهل العراق لا زالوا يسمون الزراعة المعتمدة على المطر بالزراعة (الديمية) نسبة الى الإله (أديم) وأهل بلاد الشام لا يزالون يطلقون على الزراعة المطرية عندهم بالزراعة (البعلية) نسبة الى الإله (بعل) ..

لم تكن هناك فرص للحياة دون الاعتماد على ما يرى الناس من عوامل مادية حولهم، صحيح أنهم كانوا يتوكلون على الله، ولا يقبلوا أن يبذروا بذور محاصيلهم إلا وهم على (طهارة) إذ كانوا يصلون الفجر ويذهبون للحراثة، ولا يحمل أحدهم (مذراة) أو (مقطف) إلا إذا كان متوضئا، حتى لا تطير بركة الله من المحصول .. كان الخوف من المجهول يحاصرهم، والمجهول عادة يتعلق بانحباس المطر لموسم وأحيانا ينحبس لموسمين وقد ينحبس لخمس سنوات على التوالي.. في تخطيط الرجال أرباب الأسر، يقوم الرجل بمهمة التخطيط الإستراتيجي، فلا يتصرف بما يخزنه من محاصيل في سنة وفيرة الإنتاج مرة واحدة، فقد يحسب حساب سنتين قادمتين، وعندما يأتي الموسم القادم على قدر من الخصوبة، فإنه ينتقل بسلم أولوياته من الأهم وهو الغذاء والتغذية الى مهمة تحتل درجة ثانية كبناء غرفة أو شراء ملابس أو شراء فرس للركوب ..

إذا كان أجدادنا قبل الإسلام، قد كانوا على درجة من رفعة النفس عندما يجوعون، فيلجئون الى (الإعتفاد بالفاء) أي الموت الجماعي، للأسرة كاملة حتى لا تهدر ماء وجهها في سلوك تأمين الغذاء في سنين القحط، عن طريق التسول أو بيع شرفها .. فإن تلك الخاصية الوراثية كانت موجودة في العتيقة .. فكان الناس يخفون جوعهم بشكل كبير حتى لا يتشفى بهم أي مراقب حتى لو كان صديقا .. وإن كان (هاشم) قد ذبح (النوق) ليحتذي به أهل قريش، فإن تلك الصفة قد انتقلت الى أهل العتيقة، فكانوا يتراحمون بينهم رغم عوز الجميع..

لقد أتت ثلاث مواسم (قحط) متتالية، فلم يحصل أي واحد من سكان العتيقة على حبة قمح أو شعير فيها، فكان لرجل ابن عم يسكن في منطقة كثيرة الأمطار فطلب منه أن يقرضه أربعة قناطير من القمح لحين أن يأتي الموسم، وحين وافق ابن عمه ، أرسل أبناءه على أربعة (جمال) ليحضروا القمح، في حين ذبح (جديا) ليحتفي بتلك المناسبة، وكان ترتيبه الاجتماعي في الحي متقدما بعض الشيء على جيرانه. فأخبر جيرانه بأن يحضروا لتناول طعام العشاء، وكان جاره، الذي يفصل بين منزليهما جدار قليل الارتفاع، من بين المدعوين، وعندما أتى لتناول العشاء اصطدم بحجر فسقط، فتبين للآخرين أنه مصاب بالعشى الليلي (عدم القدرة على الرؤية في الليل)، وبخبرة الناس، يعرفون أن من يصاب بذلك الداء، هو من الذين يحل بهم الجوع الشديد .. فانتبه صاحب الدعوة وسأله :
ما بك يا جار؟
الجار : لا شيء
صاحب الدعوة: إنني أرى امرأتك تأتي يوميا تحضر معجنها (وعاء العجين) لتخبز في (التنور) لدينا ..
سقطت دمعة من عين جاره وقال بصوت متكسر: إنها تأتي بوعاء العجين وتضع فوقه غطاء.. وتدخل الى (فرنكم) عندما يحين دورها (وهي عادة كانت تستخدم في سنين القحط، حيث تبطل معظم مواقد الحي إلا واحد أو اثنان، لتوفير الوقود) وأضاف الجار : إن وعاء العجين يكون فارغا ستة أيام في الأسبوع، حتى لا يكتشف أهل الحي أننا لا نخبز ..

بكى صاحب الدعوة وأمر أبناءه عندما عادوا أن يعطوا جارهم حمولة بعير من القمح الذي اقترضه من ابن عمه ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 16-05-2007, 11:33 PM   #84
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

أديب الخيمة الفاضل ومؤرخها ابن حوران
مررت علي هذه القرية التي لم تعد موجودة.
تقبل مروري ولك تحياتي وتقديري
وخالص المودة.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 25-05-2007, 08:22 PM   #85
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي موضوعات ابن حوران التاريخية والأدبية .

الإسكندرونة .. اللواء المنسي

تتكاثر القضايا الساخنة في منطقتنا العربية، واحدة بعد الأخرى، منها ما هو قديم، ومنها ما يتخلق بشكل مستمر من (دارفور) الى الصومال، الى العراق، حتى باتت حالة التشظي في وطننا العربي الكبير ماثلة أمام الجميع، ويساعدها جو حكومي متراخي مهزوز، وجو أيديولوجي بين النخب، يقود الى مساجلات بين التيارات الوطنية، تصبح في النهاية تلك المساجلات وكأنها هدفا بحد ذاتها، فعندما تلتقي القوى الماركسية مع القوى ذات الطابع الديني الإسلامي، في إنكار هوية الأمة القومية، فتغض النظر عن الأطماع الفارسية والتركية، بحجة مشاركة تلك الدولتين العرب في دينهم، وتغض النظر عن قضية العرب الكبرى (فلسطين) بحجة التسليم للواقع القطري، لتستمر نكبة الفلسطينيين تحت عباءة الأممية، وتتصرف بها في النهاية نخب قطرية أسيرة لألاعيب الاحتلال الصهيوني المدعوم إمبرياليا .. ومن بين تلك القضايا المقلقة لواقع أمتنا (قضية لواء الإسكندرونة) ..

مقدمة جغرافية وتاريخية :

يقع لواء الإسكندرونة في الزاوية الشمالية الغربية من سوريا. ويعد المنفذ البحري(تاريخيا) لمدينة حلب ومنطقتها، حيث كان اللواء في العهد العثماني أحد أقضية حلب.. ويضم في مساحته البالغة 4800كم2 مجموعة من المدن المعروفة، منها (أنطاكية، وبيلان، و قرق خان، و الريحانية، و أرسوز، والسويدية، وكساب، و البركة، والأوردي، و الصاو، وقلوق، و بلياس (جبل موسى) ..

وقد بلغ عدد سكان اللواء قبل اقتطاعه من سوريا، 220ألف نسمة .. كان العرب منهم 105آلاف، والأتراك 85ألف، والأرمن 25ألف والأكراد 5آلاف .. ولو علمنا أن نسبة الأتراك كانت لا تتعدى 29% عام 1921، وأن الأرمن تم إبعادهم من شرق الأناضول عام 1916 الى كل من الإسكندرونة والموصل في العراق.. لأدركنا على الفور أن هذا الإقليم عربي بهويته وسكانه وتاريخه ..

ويتمتع اللواء بطبيعة خلابة حباه الله عز وجل بها، وسهول ساحلية خصبة، ويحاذي سلسلة جبال (الأمانوس) التي تعطيه ميزة سياحية فريدة ..

مقدمة تاريخية :

مثلت جبال (طوروس) الحد الفاصل بين أرض العرب وجيرانهم الشماليين، حتى قبل أن يستولي العثمانيون على تركيا .. فقد وقفت الجيوش العربية في تحريرها أرض العرب من الروم عند حافة جبال طوروس لتوافق ذلك مع النظرة التاريخية بأن تلك الأرض عربية وكان ذلك في السنة 16هـ .. لتصبح الأرض التي شمال تلك النقطة للروم والتي جنوبها للعرب ..

وعندما نقول توافق تصرفهم هذا مع النظرة التاريخية المعروفة، فإننا نستذكر ما أنشده الشاعر العربي المعروف (امرؤ القيس ) وهو في طريقه الى القسطنطينية يطلب نصرة ملك الروم لاستعادة ملكه على مملكة (كندة) العربية التي فقد ملكها، فلما وصل منطقة (الدرب) وهو الاسم الذي كان يطلقه العرب على جبال طوروس أنشد يقول :
بكى صاحبي لما رأى (الدرب) دونه ...
............. وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له : لا تبك عينيك أننا
....... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا *1

وقد اتفق المؤرخون أن كل المنطقة التي جنوب جبال طوروس وهي ولاية (أدنة)*2 قد خضعت تاريخيا لحكم عربي، وتقسم الى قسمين: الغربي والذي ضم إضافة لما قلنا مدن (مرسين و طرسوس*3) ومرعش و عينتاب والإسكندرونة.. أما القسم الشرقي فضم ولاية (ديار بكر) والمدن التابعة لها: ماردين، ونصيبين وآورفة، وحران *4 و ميافارقين*5

وسكان تلك المناطق (قديما) يرجعون الى قبائل بكر و تغلب، حتى قبل الإسلام، ويعرفون بفصاحة لسانهم ( منهم الشاعر المعاصر المشهور سليمان العيسى )، وقد اتخذ العرب بعد الإسلام تلك المناطق قواعد عسكرية للدفاع عن الثغور، ومطاردة المعتدين .. أي أن العرب سبقوا الأتراك بقرون طويلة في توطن تلك المناطق ..

وقد وضع لواء الإسكندرونة في معاهدة (سايكس ـ بيكو) ضمن المنطقة الزرقاء التابعة للانتداب الفرنسي .. أي أعتبرت تلقائيا مع سوريا ..

هوامش:
ـــ
*1ـ كان امرؤ القيس يخاطب رفيق دربه (عمرو بن قميئة) في رحلة دعم القيصر بإرجاعه للملك على مملكة كندة في جزيرة العرب.
*2ـ كانت هذه الولاية تابعة للإدارة المصرية في عهد المماليك، لسنة 1517 أي و الدولة العثمانية قائمة ..
*3ـ المدينة التي دفن فيها الخليفة المأمون وهو يتفقد جيشه.
*4ـ من المدن التي حط بها نبي الله ابراهيم عليه السلام في هجرته من (أور) في العراق.. الى فلسطين ..
*5ـ من المدن الرئيسية التي كانت تحت حكم سيف الدولة الحمداني والتي من ضمنها الموصل وحلب ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 26-05-2007, 01:56 AM   #86
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

شكرا أخي الفاضل المؤرخ التاريخي
ابن حوران
تحياتي وتقديري
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 30-05-2007, 01:29 PM   #87
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي

اشتعال المقاومة العربية في الأحواز

في الشهر الذي وقع فيه الاحتلال الإيراني للأحواز(نيسان/أبريل1925) اندلعت انتفاضة في المحمرة سميت (انتفاضة الغلمان) قام بها حراس الشيخ خزعل ومجموعة من حاشيته استمرت ثلاثة أشهر، تكبدت فيها القوات الإيرانية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، إلا أنها دفعت الكثير من أبناء عشيرة الشيخ خزعل الى الهجرة الى العراق و الكويت ..

كما انفجرت ثورة أخرى في نفس العام 1925 قام بها وحركها بعض رجال الدين أمثال عبد المحسن الخاقاني، ولكن السلطات الفارسية قمعتها بقصف مدينة المحمرة بالمدفعية، وقبضت على قيادات تلك الثورة وأعدمتهم.

صرخة امرأة عربية تحرك ثورة

تمادت السلطات الإيرانية في إهانة عرب الأحواز بنزع الطابع العربي سواء باللغة أو بتغيير الملابس. فقد جاء (السرتيب) أي العقيد فرج الله خان على رأس قوة إيرانية كبيرة، وأحضر رؤساء العشائر العربية هناك وأبلغهم في اجتماع تعليمات القيادة الإيرانية بتسليم أسلحة الأهالي، وتبديل الملابس العربية بأخرى فارسية، وإلا تعرضوا للإعدام والتنكيل بذويهم .. وكان ذلك في (الخفاجية) عام 1928.. وعلى إثر هذا الاجتماع تم إرغام رؤساء عشائر (الشرفة، وبنو سالة وبنو طرف ) على قبول ارتداء الملابس الإيرانية، ومن بينهم الشيخ ( محيي الدين الزيبك)

وبينما الشيخ في طريق عودته الى دياره، فوجئ بصرخة امرأة عربية من نساء (البو عبيد) في منطقة السارية تقول: يا للعار أنت أيها الفارس تلبس ملابسهم وتنزع عنك أصالتك؟ .. فما كان منه إلا أن مزق الملابس الفارسية وهتف بأعلى صوته: ( سرتيب كلاوك ذبيته) أي لتسمع أيها العقيد الفارسي أنني رميت ملابسك .. وتناقلت مدن وقرى الأحواز أهزوجته المعروفة ( يعكال إنسويلك هيبة) .. عقالنا الذي على رأسنا (وهو رمز عربي) سنحفظ هيبته.

تنادت العشائر حول الشيخ محي الدين وتجمعت عناصر الثورة المسلحة، ليكون هدفها منطقة (الكطاع) شرقي الخفاجية لضرب القاعدة العسكرية هناك، انطلق الشيخ على رأس 500 فارس من عشائر الشرفة وهاجموا القاعدة ودارت معركة شرسة لمدة سبعة أيام، واستخدم الفرس الطيران، حيث أسقط الشيخ بنفسه طائرة فارسية، وتم قتل (السرتيب فرج الله) القائد الفارسي، وتم الاستيلاء على القاعدة والتي اعتبرت منطقة محررة .. فدب الفزع بالفرس حيث ولوا هاربين واستمر تحرير المناطق المجاورة للقاعدة ( الحويزة و البسيتين والخفاجية) وبقيت تحت حكم الثوار لسبعة أشهر.. وبعدها حشد الفرس قواتهم وقبضوا على قيادة الثوار، وتم إعدامهم، إلا أن الشيخ محي الدين لجأ للعراق مع مجموعة من أبناءه وفرسانه وسكنوا منطقة (الجبايش) وكان ذلك في نهاية عام 1929، إلا أن الملك فيصل الأول ملك العراق توسط لدى السلطات الإيرانية وتم عودته الى منطقة الحويزة ليبقى تحت الإقامة الجبرية الى أن توفاه الله.

وبالرغم من أن عدو عرب الأحواز لم يكن الفرس فقط بل ومعهم الإنجليز الذين قايضوا الفرس بالسماح لهم بالتهام الأحواز ومعاونتهم على ذلك، بتزويدهم بتحركات العرب وما كانوا ينوون القيام به، فتحتاط قوات المحتل لذلك، مقابل مصالح نفطية هي أصلا في أرض عربية صرفة، تماما كما فعلوا بفلسطين عندما قايضوا اليهود بإعطائهم فلسطين مقابل خدمات استخبارية قدمتها الجاليات اليهودية في العالم للبريطانيين ..وبالرغم من هذا فإن عرب الأحواز لم يستكينوا ولم يهدءوا ففي عام 1936 ثار أبناء عشائر بنو طرف، وقد كان البريطانيون قد أوصلوا معلومات مسبقة عن تلك الثورة، فقام الشاه بتصفية دموية مروعة لتلك الثورة، وأمر بدفن قادتها وهم أحياء..

وفي عام 1940 قامت عشائر بنو كعب بثورة عارمة على ضفاف نهر (دبيس) وعاونتها معظم العشائر، وقاد تلك الثورة الشيخ (حيدر بن طليل)، وقد استطاع الثوار محاصرة كل الحاميات العسكرية في الأحواز ولاحت في الأفق بوادر نصر عارم، لكن حيلة تدخل بها الإنجليز للتوسط والحل السلمي لمسألة الاحتلال الفارسي، تم غدر القادة المفاوضين واعتقالهم وإعدامهم وهم: الشيخ حيدر ومهدي بن علي بن عمير وداوود الحمود وكوكز بن حمد وابريج وكاطع الشذر وأعدمتهم في شباط/فبراير 1940

وفي عام 1943 قامت انتفاضة الفجرية حين استطاع الشيخ جاسب بن الشيخ خزعل أمير الأحواز دخول الإقليم بعد الاتفاق مع شيوخ العشائر العربية في الإقليم، وتمكنوا من إلحاق خسائر جسيمة بالقوات الإيرانية وإسقاط طائرة، إلا أنهم تراجعوا لعدم كفاية الإمدادات اللوجستية ..

وفي عام 1944 قاد الشيخ عبد الله بن الشيخ خزعل ثورة أخرى، تحقق بها بعض النجاح إذ تم احتلال مبنى شركة النفط هناك، واحتلال الكثير من المرافق.. إلا أن السفير البريطاني تدخل، وقال لهم عودوا الى العراق واطمئنوا بأننا في صدد إعادة الأحواز الى سابق عهدها كإمارة مستقلة، فلا تفسدوا الأمر، واتصل بعد عودنهم لبغداد بالحكومة العراقية فوضعتهم تحت الإقامة الجبرية!

انتبه العرب الى المكائد البريطانية، فقاموا عام 1945 بانتفاضة عارمة قادتها قبيلة بنو طرف واشترك فيها بنو سالة وبنو لام والشرفة والمحيسن، وتم احتلال معظم المدن والقرى والمخافر والحاميات الفارسية .. فاستعملت القوات الفارسية الطائرات والمدرعات وتقدمت بجيوش لا قبل للانتفاضة بمقاومتها وحدها ..

علم عرب الأحواز أن الانتفاضات المحدودة والثورات التي تخمد، لا تكفي وحدها بتحرير بلدهم المغتصب فلا بد من تنظيمات دائمة تدير تلك المقاومة وتغطيها إعلاميا وتنشط سياسيا في تعريف العالم بقضية شعب، أدار له العرب ظهرهم .. وهذا ما سنتناوله في المرة القادمة ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 04-06-2007, 06:47 PM   #88
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي موضوعات ابن حوران التاريخية والأدبية .

[FRAME="8 70"][ أبيات شعر وطنية خالدة

بلاد العُرب أوطاني ....... من الشام لبغدان
ومن نجد الى يمن........ الى مصر فتطوان
فلا حد يباعدنا .............. ولا خُلفٌ يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا ....... بقحطان وعدنان

لنا مدنية سلفت ...... سنحييها وإن دَثَرَت
ولو في وجهنا وقفت ... دهاة الإنس والجان
فهبوا يا بني قومي ...... الى العلياء بالعلم
وغنوا يا بني أُمي... ... بلاد العرب أوطاني

فخري البارودي
[/FRAME]
__________________
ابن حوران

آخر تعديل بواسطة السيد عبد الرازق ، 05-06-2007 الساعة 11:36 PM.
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 04-06-2007, 08:13 PM   #89
*سهيل*اليماني*
العضو المميز لعام 2007
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2006
المشاركات: 1,786
إفتراضي

[FRAME="11 70"][ ابن حوران][ أبيات شعر وطنية خالدة

بلاد العُرب أوطاني ....... من الشام لبغدان
ومن نجد الى يمن........ الى مصر فتطوان
فلا حد يباعدنا .............. ولا خُلفٌ يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا ....... بقحطان وعدنان

لنا مدنية سلفت ...... سنحييها وإن دَثَرَت
ولو في وجهنا وقفت ... دهاة الإنس والجان
فهبوا يا بني قومي ...... الى العلياء بالعلم
وغنوا يا بني أُمي... ... بلاد العرب أوطاني

فخري البارودي


أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن

أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني

وفي ربى مكة تأريخ ملحمة

على ثراها بنينا العالم الثاني

في طيبة المصطفى عهدي وموعظتي

هناك ينسج تاريخي وعرفاني

بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا

بالرقمتين وبالفسطاط جيراني

النيل مائي ومن عمان تذكرتي

وفي الجزائر إخواني وتطواني

والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا

بدايتي وبه قد شع قرآني

وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت

آياتاها فاقرؤوا يا قوم عنواني

فأينما ذكر اسم الله في بلدٍ

عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني




(( من لم يدخل بغــداد لم يدخل الدنيــا ))



لبغداد العراق دموع صب

على عرصاتها ذبنا غراما

تذكّرك الربوع حياة قوم

هموا كانوا لدنيانا قواما



اجتمع أربعة أدباء ، نجباء خطباء ، فتعاهدوا ، وتعاقدوا ، وتواعدوا ، على أن يصفوا بغداد ، دار الأمجاد ، وبيت الأجواد ، وكوكبة البلاد .
فالأول : عليه وصف علمائها ، وفقهائها .
والثاني : يصف خلفاءها وأمراءها .
والثالث : يصف شعراءها وأدباءها .
والرابع : يصف أرضها ، وسماءها ، وماءها ، وهواءها ، وبهاءها .
فبدأ الأول ويُدعى أبا قتادة ، وهو صاحب ذكاء وإجادة ، وعلم وإفادة .
فقال : والله لو كتبت بدمع العيون ، على صفحات الجفون ، ما أنصفت بغداد على مداد القرون ، لكن سوف أصف ما كان فيها من علم وعلماء ،بلغ مجدهم الجوزاء :




ما الدار بعدَك يا بغداد بالدار

تفنى عليك صباباتي وأشعاري

أنت المنى وحديث الشوق يقتلني

من أين ابدأ يا بغداد أخباري





ولكن أقول ، بعد الصلاة والسلام على الرسول : اعلم أن من بغداد أشرقت شمس الرواية ، وبزغ فجر الدراية ، كانت في العلوم آية ، وفي الفنون غاية . فكان بها أهل الحديث ، ولم يكن بها بعثيّ خبيث .
ولك أن تتخيل مجلس أحمد بن حنبل ، عمائم بيضاء ، وهمة قعساء ، وسكينة وحياء . إذا قال أحمد : حدثنا أو أخبرنا ، أطرقت الرؤوس ، وخشعت النفوس ، وتفتحت أبواب السموات ، وتنـزلت الرحمات :



سقوني وقالوا لا تغنِّ ولو سقوا

جبال سلمى ما سُقِيتُ لَغنّتِ

ثم تذهب إلى مجلس فيه طائفة من الخاشعين ، فتجد وسطهم يحيى بن معين ، يحدث عن رسول رب العالمين ، يجرّح ويُعدّل ، ويُجْمِل ويُفصَّل ، كأنه ميزان منـزل .




لو حل خاطره في مقعد لمشى

أو ميت لصحا أو أخرس خطبا



ولله كم من ذكريات تشجيني ، إذا ذكرت علي بن المديني ، ذاك البطل ، إمام العلل ، السليم من الزلل ، فتراه يفتش الأسانيد ، وينخل المسانيد ، بفهم دقيق ، وعلم وتحقيق ، يعرف العلة في المسند المستقيم ، كما يعرف الطبيبُ السقيم .



برأيٍ مثل ضوء الفجر ضافٍ

كـــأن بريقــــه حــــد الحســــامِ



ولا تنس البخاري ، الضياء الساري ، والنهر الجاري ، قيد الألفاظ ، وأفحم الحفاظ إن شك في حديث علقه ، وإن طال متنه فَرّقه ، وإن لقي كاذباً مزّقه ، هو السيف الحاسم لسنة أبي القاسم ، اقرأ تبويبه ، افهم ترتيبه ، لترى كل عجيبة .




من كالبخاري إذا ما قال حدثنا

أو بوّب الباب أو شدَّ الأسانيدا

كأنما هو إلهام يعلمه

أو أنّه قبس يعطاه تأييدا



بغداد تشرفت بالسفيانين الثوري وابن عيينة ، وأصبحت بالعلماء أجمل مدينة ، وهي مدينة الكرخي معروف ، والإمام الشافعي المعروف .
من بغداد أصحاب الصحاح والسنن ، وأهل الذكاء والفطن . وهي للحديث دار الضرب والصلب بها تضرب الموضوعات للوضاعين ، ولكن تصلب الكذّابين على خشب السلطان المتين . قال بعضهم : من لم يدخل بغداد لم يدخل الحياة الدنيا، ومن لم يشاهد حسنها ما شاهد النجوم العليا .
فقام الثاني يصف الخلفاء والأمراء ، الذين ملؤوا الدنيا بالعطاء والسخاء .
فقال : هذه مدينة السفاح ، الذي خضب السيوف والرماح ، وكان لكل مجرم بطاح ، ولكل عدو نطاح .
هذه مدينة المنصور ، صاحب الدور والقصور ، الداهية الجسور ، والأسد الهصور .
هذه مدينة الرشيد ، صاحب القصر المشيد ، والمجد الفريد ، والصيت البعيد .
هذه مدينة المأمون ، صاحب الفنون ، وجامع المتون ، ولكنه بالفلسفة مفتون .
هذه مدينة المعتصم المغوار ، الذي أوطأ الخيل الكفار ، وأورد نحورهم كل بتار .




بغداد أنت حديث الدهر والأممِ

إذا مدحتك سال السحر من قلمي

أنت المنى أنت للتأريخ ملحمة

كم من رشيد ومأمون ومعتصمِ




ثم قام الثالث يصف الأدباء ، ويثني على الخطباء .
فقال : في بغداد أكبر ناد ، للشعراء الأجواد ، إذا شرب الشاعر من ماء الفرات ، أتى بالمعجزات ، وخلب الألباب بالأبيات ، سَمِّ لي شاعراً ما دخل بغداد، اذكر لي أديباً ما تشرف بتلك البلاد :




بغداد يا فتنة الشرق التي خلبت

بسحرها العقل والأقلام والأدبا

ماذا أردد يا بغداد من حزني

إذا ذكرتك بعت الهم والنصبا





من بغداد أبو تمام ، والبحتري الهمام ، وترنح بها المتنبئ بعض عام .
سجل بها ابن الرومي رواياته ، وأبدع إلياذاته ، وأروع أبياته .
وفي بغداد أبو العتاهية ، الشاعر الداهية ، منذر القلوب اللاهية، وصاحب الرسائل الباهية ، الآمرة الناهية . وهي أرض بشار ، ناسج أجمل الأشعار .
من بغداد انطلقت في البحار والبراري ، رائعة ابن الأنباري : علو في الحياة وفي الممات . من بغداد استمع الدهر في عجبْ ، لدويّ : السيف أصدق أنباء من الكتبْ .
بغداد مهرجان أدبي كبير ، لكل أديب نحرير ، فيها شعر ونثر ، وحصباء ودر ، وصديق وزنديق ، وحر ورقيق ، وموحد وملحد ، وحانوت ومسجد ، وبارة ومعبد ، ومقبرة ومشهد ، جد وهزل ، وحب وغزل ، كأن التاريخ كله في بغداد اجتمع، وكأن الدهر لصوتها يستمع . وكأن ضوء الشمس من بغداد يرتفع .
مصيبة بغداد الحكام الأقزام ، من عينة صدام ، أبطال الشنق والإعدام .
فقام الرابع فقال : كأن الأرض أخذت من بغداد جمالها ، أفدي بنفسي سهلها وجبالها ، دجلة له خرير ، والفرات له هدير ، والنسيم به له زئير ، كأن الهواء سرق من المسك أريجه ، وكأن الماء أخذ من العاشق نشيجه . تغار من زهر بغداد الزهراء ، وتحمر خجلاً من حسن بغداد وجنتي الحمراء .
كأن السحاب في سماء بغداد مع الشفق خضاب ، وكأن بريق الفجر في مشارف بغداد ذهب مذاب . كأن وجه بغداد مشرق ، قبل ميشيل عفلق . فلما دخلها الرفاق ، وحزب النفاق ، كتب على بغداد الشقاء والإخفاق .




لله يا بغداد أنت نشيدة

غنت بك الأعصار والأمصار

من لم ير ذاك الجمال فإنه

ضاعت عليه مع المدى الأشعار

أظن بغداد أصابها عين ، أو دخلها لعين ، ما لها قتلت المبدعين ، وطردت اللامعين.




ماذا أصابك يا بغداد بالعـين

ألــيس كنــت يقينــا قــرة العــين

وأنا عاتب على بغداد ، والعتاب لا يغير الوداد ، لأنه جُلد بها أحمد ، وقُتل بها أحمد، وأُكرم بها أحمد . فجُلد بها أحمد بن حنبل ، الإمام المبجل، وقُتل بها أحمد بن نصر الخزاعي ، الإمام الواعي ، وهو إلى الحق داعي ، وإلى البر ساعي، وأُكرم بها أحمد بن أبي دؤاد ، داعية البدعة والعناد ، والفتنة والفساد .
لكن بغداد لها حسنات يذهبن السيئات . ونهر الفرات ودجلة يطهران من الحدث ، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ...




مقامات القرني
[/FRAME]
__________________

آخر تعديل بواسطة السيد عبد الرازق ، 05-06-2007 الساعة 11:39 PM.
*سهيل*اليماني* غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 05-06-2007, 06:32 PM   #90
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,403
إفتراضي

عجبت لقومٍ يخضعون لدولة ... يسوسهم في الموبقات عميدها
وأعجب من ذا أنهم يرهبونها.. وأموالها منهم، ومنهم جنودها


معروف الرصافي
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .