العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الفـكـــريـة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: #نشرة_أخبار الصباح ليوم الأحد من #إذاعة_حزب_التحرير ولاية #سوريا 2017/08/20م (آخر رد :الكرمي)       :: #نشرة_أخبار الظهيرة ليوم الأحد من #إذاعة_حزب_التحرير ولاية #سوريا 2017/08/20م (آخر رد :الكرمي)       :: #نشرة_أخبار المساء ليوم الأحد من #إذاعة_حزب_التحرير ولاية #سوريا 20\8\2017م (آخر رد :الكرمي)       :: #أنباء_تونس: حزب التحرير يشن هجوما: #السبسي انخرط في #الحرب_الصليبية على الاسلام ! (آخر رد :الكرمي)       :: #بيان_صحفي لا تجعلوا #إدلب ضحية للخيانة مثل #حلب و #الموصل و #الرقة (مترجم) (آخر رد :الكرمي)       :: #بيان_صحفي #الانتخابات هي محاولات يائسة من #الديمقراطية لتبييض فشلها (مترجم) (آخر رد :الكرمي)       :: #فساد حال المسلمين وسوء ظروفهم الاقتصادية نتاج طبيعي لغياب #الإسلام وخيانة #الحكام (آخر رد :الكرمي)       :: مع #الحديث_الشريف - لو كنتم كما تكونون عندي (آخر رد :الكرمي)       :: #الجولة_الإخبارية 21-08-2017م (آخر رد :الكرمي)       :: #افتتاحية #البث_الإذاعي لهذا اليوم: الإثنين، 29 ذو القعدة 1438هـ| 2017/08/21م (آخر رد :الكرمي)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 01-07-2017, 09:05 PM   #1
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي تلخيص كتاب التفكير

تلخيص كتاب التفكير

كتاب رائع قيّم جدا وجدير بالقراءة وبتمعن، من تأليف مؤسس حزب التحرير العالم تقي الدين النبهاني رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب: التفكير

الطبعة الأولى
1393هـ - 1973م
---------------------------------

تلخيص كتاب التفكير
بسم الله الرحمن الرحيم
تلخيص كتاب التفكير
1
إن الإنسان هو أفضل المخلوقات، لأنه يتميز عن غيره بعقله، فكان لزاماً أن نعرّف العقل، والتفكير الذي هو ثمرة العقل، كما أن المعارف ثمرة التفكير.
لقد كان اهتمام البشرية منصباً على نتاج العقل أكثر من العقل نفسه. ومع أنه قد كانت هناك بعض المحاولات لتعريف العقل إلا أنها كانت فاشلة ولم يوفقّ أصحابها، فالفلاسفة اليونانيون وصلوا في تعريفهم للعقل إلى المنطق، فكان ذلك وبالا على المعرفة، كما عرّفوا الفلسفة بأنها تعني التعمق فيما وراء المادة أي الوجود، فكانت بعيدة عن الواقع.
إن فشلهم في معرفة واقع التفكير يعود إلى كونهم لم يبحثوا في العقل الذي هو أساس التفكير، حيث الأصل أن يُبحث العقل ثم التفكير ثم بعد ذلك يمكن الحكم على المعرفة، هل هي علم أم ثقافة أم غير ذلك.
إنّ كل محاولات تعريف العقل لم ترتفع إلى مستوى النظر حتى، باستثناء محاولة الشيوعيين، الذين لولا إصرارهم على الإلحاد لتوصلوا إلى التعريف الصحيح، حيث بحثوا في ما الذي وجد أولاً، الفكر أم الواقع، وقالوا أن الواقع وجد قبل الفكر، لإنكارهم وجود شيء قبل المادة، فقالوا أن العقل هو انعكاس المادة على الدماغ، وهو قريب من الحقيقة، فالواقع لا بد منه لإحداث العملية العقلية، كما الدماغ، ولكنهم أخطئوا عندما قالوا بأنه انعكاس، وكذلك في قولهم أن الواقع وجد قبل الفكر، لأنهم لو قالوا غير ذلك فإن هذا يعني بأن الذي أعطى الفكر للإنسان هو غير الواقع، وهذا يخالف قولهم بأن العالم أزلي، فصاروا يتخيلون كيف كان الإنسان الأول يجري التجارب على الواقع حتى اهتدى إلى المعرفة، ولم يدركوا أن وجود المعلومات السابقة أمرٌ ضروري للعملية العقلية، وإلا لكان الحيوان يفكر؛ لأن لديه عقل، ولكن ليس لديه معلومات سابقة.
إنّ الآية التي تبين أن الله قد علم آدم الأسماء تدل على أن المعلومات السابقة شرط ضروري من أجل العملية العقلية. إنّ العملية العقلية ليست انعكاسا بل هي إحساس؛ لأن الانعكاس يتطلب أن يكون في الدماغ والواقع قابلية الانعكاس (كالمرآة)، ولكن الدماغ لا يوجد فيه قابلية الانعكاس، وإنما الذي يحدث هو إحساس عن طريق الحواس الخمس، فينتقل الحس إلى الدماغ، وهذا ظاهر في الأمور المادية، أما الأمور المعنوية، فإنه لا بد من الإحساس مثلاً بأن المجتمع منحط. إنّ الأشياء المادية يحصل الحس بها طبيعياً، وإن كان يقوى ويضعف حسب فهم طبيعتها، لذلك فإن الإحساس الفكري هو أقوى أنواع الإحساس. أما الأمور غير المادية فلا يحصل الحس بها إلا بوجود فهم لها أو عن طريق التقليد.
لكن هذا الإحساس وحده لا يؤدي إلى العملية العقلية، فإحساس زائد إحساس زائد مليون إحساس لا يؤدي إلا إلى إحساس، فكان لا بد من وجود المعلومات السابقة، فمثلاً لو أعطينا أحدهم كتاباً سريانيا وهو لا يعرف شيئاً عن هذه اللغة، فإنه لن تحصل عملية عقلية، ولا يُقال أن اللغات واقعها مختلف، فالعملية العقلية واحدة. وكذلك لو أعطينا طفلاً ما حجرا، ونحاساً، وذهباً، فإنه ليس بإمكانه أن يعرف ما هي طبيعتها ولو أعطيناه أسماءها دون أن يقترن اسمها بواقع كل منها، فإنه لن يميز الحجر مثلاً. هذا طبعاً من ناحية الإدراك العقلي، أما من ناحية الإدراك الشعوري فهو ناتج عن الغرائز والحاجات العضوية، ويحصل عند الإنسان كما الحيوان، يعرف من تكرار إعطائه التفاحة أنها تؤكل، ولا يمكن أن تحصل منه عملية عقلية.
إن ما يشتبه على البعض أن المعلومات السابقة قد تحصل من تجارب الشخص نفسه أو من التلقي يُردّ بالنظر إلى الفرق بين الإنسان والحيوان، والفرق بين الحاجات والغرائز وبين الحكم على الأشياء. فالفرق بين الإنسان والحيوان يكمن في الربط، فالحيوان لا يوجد عنده ربط، إنما استرجاع إحساس، فمثلا البقرة تتجنب العشب السام وتأكل العشب غير السام، أما الحركات التي يقوم بها الحيوان في السيرك فهي تقليد ومحاكاة، فما يتعلق بالغريزة يقوم به طبيعيا يحسّه الحيوان، ومن تكرار الإحساس يسترجعه، أما ما لا يتعلق بالغريزة، فإنه لا يقوم به طبيعياً وإذا أحسه وتكرر الإحساس قام باسترجاعه فيقوم بعدها به. أما الفرق بين الغرائز والحاجات والحكم على الأشياء، فإن الإنسان والحيوان يمكنهما من خلال الإحساس بالأشياء وتكرار الإحساس بها أن يكوّنا معلومات، ولكنها تكون في حدود الحاجات والغرائز ولا تتعداها من حيث الحكم على الأشياء على ما هي عليه، ولكن عملية الربط تكون في كل شيء سواء في الغرائز أم الحاجات أو في الحكم على الأشياء، فالمعلومات السابقة لا بد منها في عملية الربط.
ليس صواباً التفكير في الإنسان الأول وقياسه على الإنسان حالياً، فيكون بذلك قد قيس الشاهد على الغائب، بل يجب قياس الغائب على الشاهد، فالإنسان حالياً يحتاج إلى المعلومات السابقة حتى يقوم بالعملية العقلية.
إن التفكير لا يقوم به إلا الإنسان؛ لأنه وحده الذي يوجد لديه دماغ فيه خاصية الربط، ولا بد من وجود معلومات سابقة قبل وجود الواقع.
إنّ العملية العقلية حتى تتم لا بد من وجود أربعة أركان، هي: الدماغ الذي فيه خاصية الربط، والواقع، والمعلومات السابقة، والإحساس. فالعقل هو نقل الحسّ بالواقع إلى الدماغ مع وجود معلومات سابقة يُفسر بواسطتها هذا الواقع.



الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2017, 02:52 AM   #2
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي








بسم الله الرحمن الرحيم
تلخيص كتاب التفكير
2

أما طريقة التفكير فهي الكيفية التي يجري عليها العملية العقلية، وهي لا تتغير، أما أسلوب التفكير فهي الكيفية التي يقتضيها بحث الشيء وهي تختلف حسب واقع الشيء. إن الطريقة العقلية سميت نسبة إلى العقل، وهي تعني منهجا معينا في البحث يُسلك في الوصول إلى طبيعة الشيء عن طريق نقل الإحساس بالواقع إلى الدماغ مع وجود معلومات سابقة من أجل إصدار الحكم على الأشياء، وهي طريقة تفكير في كل شيء، سواء الفيزياء أم غيرها.
إنه لا بد من التفريق بين المعلومات السابقة والآراء السابقة، وتجنب الآراء بشكل تام لأنها تؤدي إلى الخطأ في الإدراك وتفسر المعلومات تفسيرا خاطئا. إن استعمال الطريقة العقلية فيما يتعلق بوجود الشيء نتيجته تكون صحيحة وقطعية؛ لأن الحكم جاء عن طريق الإحساس، والإحساس لا يخطئ بوجود الواقع، أما إن استعملت للحكم على الشيء فإن النتيجة تكون ظنية فيها قابلية الخطأ؛ وذلك لأن الحكم جاء من تحليل الإحساس بالواقع مع المعلومات، ولكنها تبقى صحيحة حتى يتبين خطؤها، فالعقائد مثلا قطعية تتعلق بوجود الشيء والأحكام الشرعية ظنية فهي حكم على واقع.
بعد الثورة الصناعية قام العالم الغربي بالمناداة بما يسمى بالطريقة العلمية وأن تكون هي طريقة التفكير، وروج لها المضبوعون بالثقافة الغربية، فأصبح الناس يقدسون الطريقة العلمية.
إن الطريقة العلمية تقوم على إخضاع المادة لظروف غير ظروفها الأصلية، ومن ثم ملاحظة المادة والظروف والعوامل، وهي خاصة بالأمور المادية، وتقتضي أن يمحو الباحث من عقله أي فكر أو أي معلومة سابقة أو إيمان سابق، والنتيجة تكون علمية وظنية فيها قابلية الخطأ، وليست قطعية.
على هذا فإن الطريقة العلمية هي أسلوب وليست طريقة، وهي خاصة بالأمور المحسوسة المادية، وليست أساسا؛ لأنه لا بد لها من وجود معلومات سابقة، وهذه المعلومات تكون قد جاءت عن طريق غير طريق التجربة والملاحظة، لأنها تتم عن طريق نقل الواقع بالإحساس، ولا يمكن أن تكون المعلومات تجريبية لأنها لم تحصل بعد، فلا بدّ أن تكون المعلومات السابقة عقلية؛ لذلك فإن الطريقة العلمية ليست أساسا بل فرع من الطريقة العقلية التي هي الأساس. وكذلك فإن الطريقة العلمية تفترض أن كل ما هو غير محسوس غير موجود، فلا وجود للفقه ولا للتاريخ ولا للملائكة ولا لله، لأنه لم تثبت عن طريق التجربة والملاحظة، مع أن وجود الملائكة قطعي ووجود الله قطعي بالطريقة العقلية.
إن الطريقة العلمية يجب أن يُلاحظ فيها قابلية الخطأ، وقد حصل الخطأ فعلا في نتائجها، ولكنها على أي حال طريقة صحيحة للتفكير في الأمور المادية. كما أن هذه الطريقة لا يمكن أن تنتج أفكار جديدة، إنما تستنبطها، فالأفكار المنشأة نشأة جديدة يأخذها العقل رأسا، مثل وجود الله، ولكن معرفة أن الماء يتكون من أكسجين لا يأخذها العقل رأسا، ولكن أُخذت من أفكار سبق للعقل أخذها ثم أجريت التجارب إلى جانب هذه الأفكار، ولكن الغرب من جراء تقديسه لهذه الأفكار أصبح يطبقها على معارف الإنسان.
إنه من جراء استخدام هذه الطريقة ظهر عند الشيوعية أخطاء كثيرة، منها قولهم بأن الطبيعة كل لا يتجزأ، وأنها في حالة تغير مستمر بسبب التناقضات، ولكن هذه التناقضات لا وجود لها، فهم يقولون أن الكائنات الحية فيها تناقضات ففيها خلايا تموت وخلايا تولد، ولكن هذا ليس تناقض بل هو ضعف بعض الخلايا وموتها وإنتاج خلايا أخرى، على أن الكائنات الميتة فيها خلايا ميتة ولا توجد خلايا تولد، وكانوا يظنون أن التناقضات في أوروبا ستحصل، ولكن لا يحصل فيها تناقضات بل تغرق في النظام الرأسمالي.
كما أن الغرب قد خلط بين الأفكار الاستنتاجية الناتجة عن الطريقة العقلية، والأفكار العلمية الناتجة عن الطريقة العلمية، فطبقوا الطريقة العلمية على الإنسان، فأوجدوا علم النفس الذي هو من تكرار الملاحظات على الإنسان في مختلف الأعمار، وسمّوا تكرار الملاحظات علماً، وهو أصلا ليس طريقة علمية، فكان هذا الخطأ الشديد بسبب الخطأ في تطبيق الطريقة العلمية على الإنسان؛ لأن أهم ما في الطريقة العلمية هو التجربة، وهذا لا يمكن على الإنسان.
فمثلا قام الغرب نتيجة الخطأ في استخدام هذه الطريقة بإحصاء غرائز الإنسان، والتوصل إلى أن الغرائز لا يمكن حصرها، وقالوا بأن هناك غريزة خوف وغريزة شجاعة... وغيرها، فخطأهم كان في أنهم لم يفرقوا بين الطاقة الأصلية ومظاهرها، فغريزة النوع مثلاً هي طاقة أصلية والميل للأم لحنانها وللمرأة بشهوة مظهر من مظاهرها، وبينما لا يمكن إلغاء الطاقة الأصلية، يمكن إلغاء أحد مظاهرها أو كبتها، فيكون حنان الأم مثلاً صارفا عن الزواج، أو العكس، وهكذا. فالغرائز هي ثلاث، غريزة البقاء: (وذلك أن الإنسان له أحساس طبيعي بالبقاء وكل ما يهدد هذا البقاء يتصرف نحوه بالإقدام أو الإحجام حسب ما يراه، فيوجد عنده شعور طبيعي)، والغريزة الثانية هي غريزة النوع: (وذلك أن فناء الإنسان يهدد بقاءه فيرغب في المحافظة عليه، وهي ليست غريزة الجنس؛ لأن الجنس يجمع الإنسان والحيوان، ولكن النوع هي لبقاء النوع الإنساني، وليس لبقاء الإنسان والحيوان، والميل للحيوان كميل الذكر للذكر أمر شاذ وليس عادياً) والغريزة الثالثة هي التدين: (وذلك أن الإنسان عندما يشعر بالعجز كأن يشعر بعجز عن إشباع غريزة النوع أو البقاء، فإنه يلجأ إلى الله، فتبرز عند الشعور بالاستسلام، كما تبرز في التصفيق للزعيم والبطل).
على أن الإنسان عنده طاقة حيوية، وهذه الطاقة تقسم إلى طاقة حتمية الإشباع وهي الحاجات العضوية، وطاقة تتطلب مجرد الإشباع وهي الغرائز، فالحاجات العضوية تتعلق بوجود الطاقة، ولكن الغرائز تتعلق بحاجات الطاقة وليس بوجودها، فهو لا يموت إذا لم يشبعها ولكنه ينزعج. على أن ما يُقال في علم النفس يُقال أيضا في علم التربية والاجتماع، وهو ناتج عن الخطأ في تطبيق الطريقة العلمية على الإنسان وملاحظة أفعاله، فلو أنهم طبّقوا الطريقة العقلية بنقل الإحساس لأفعال الإنسان وربطها بالمعلومات السابقة لاهتدوا إلى النتيجة الصحيحة. على أن الطريقة العلمية صحيحة ولكن فقط فيما يخص المادة وليس فيما يخص الإنسان كالتاريخ والأيديولوجيا، فجعلهم الطريقة العلمية أساس التفكير خطأ يؤدي إلى الحكم على عدم وجود بعض العلوم مع أنها موجودة فعلا، والطريقة العلمية فيها قابلية الخطأ .
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2017, 09:56 AM   #3
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي




بسم الله الرحمن الرحيم


تلخيص كتاب التفكير
الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.

إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2017, 09:58 AM   #4
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي


بسم الله الرحمن الرحيم


تلخيص كتاب التفكير
4


أما التفكير في الكون والإنسان والحياة فهو ليس تفكيرا في الطبيعة؛ لأن الطبيعة أكبر من ذلك، وليست تفكيرا في العالم؛ لأن العالم كل ما سوّى الله تبارك وتعالى، وبحث العالم يشمل الشياطين فهو لا يعنيه، وبحث الطبيعة لا يغني الإنسان عن البحث في كونه وماهيته. إن الكون والإنسان والحياة هو مما يقع عليه الحس، وذلك أن الإنسان يدرك وجوده ويدرك الكون الذي يعيش فيه، فيبدأ بالتساؤل عما قبل هذا الكون وعما بعده، وتوجد عنده العقدة الكبرى، فهو إن لم يحلها حلا قطعيا تظل التساؤلات ترجع عنده. وهذا التفكير أمر حتمي، لأن الإحساس بالكون والإنسان والحياة أمر حتمي، ومن الناس من يتجاهل حل العقدة الكبرى ومنهم من يحلها، وبالعادة فإن الإنسان يقوم بطرح الأسئلة على أهله، ولثقته فيهم يوقن بأن إجابتهم هي الصواب، ولكن من الناس بعد البلوغ من لا يطمئن لهذه الإجابات فيحاول التوصل إلى الإجابة بنفسه. ذلك أن الحل إن لم يكن موافقا للفطرة تبقى التساؤلات تراود الإنسان، وإن حلها حلا لا يوافق الفطرة تبقى هذه التساؤلات تزعجه.

إن الشيوعية قد تجنبت التفكير في الكون والإنسان والحياة إلى التفكير في المادة، فأرجعت أصل هذه الثلاثة إلى المادة، والمادة جرتهم إلى المختبر، وأما الكون والإنسان والحياة فلا يخضع لها، فالتساؤلات تحتاج إلى تفكير عقلي وهم ينتقلون إلى التفكير العلمي، وبذلك يبقى الحل حلا لأفراد وليس لأمة، ولا دخل له بالحياة. إن حل العقدة الكبرى فيه جانب عقلي وجانب إشباع الطاقة الحيوية، والتفكير يجب أن يشبع الطاقة الحيوية، وإشباع الطاقة الحيوية لا بد أن يكون موافقا للعقل، وبهذا يكون الحل صحيحا وليس تخيلات، ولا بد أن يكون جازما حتى لا تعود التساؤلات للإنسان. صحيح أن الطاقة الحيوية تدفع الإنسان للإشباع وحل العقدة الكبرى، ولكن هذه الطريقة غير مأمونة العواقب، إذ قد تؤدي إلى الإشباع بالفروض والتخيلات، ولا يكون الحل صحيحا، فلا بد أن تحل العقدة الكبرى بالتفكير الذي يتوافق مع الغريزة.


أما إشباع الحاجات الأخرى فإنه يتطلب التفكير في العيش، ولكن هذا التفكير إن لم يكن مبنيا على النظرة إلى الحياة (لأن الإنسان يعيش في الحياة، فلا بد أن يكون تفكيره في العيش مبنيا على التفكير في الحياة)، فإنه لا يكون راقيا. صحيح أن التفكير في العيش يسبق التفكير في الكون والإنسان والحياة، ولكن حتى يكون الإشباع والتفكير في العيش راقيا لا بد أن يكون مبنيا على التفكير في الكون والإنسان والحياة. وصحيح أن ترك التفكير في العيش يؤدي بالإنسان من التفكير في عيش نفسه إلى عيش عائلته، ومن عيش عائلته إلى قومه ولكنه يبقى تفكيرا أنانيا لا راقيا. ولا بد أن يكون التفكير في العيش يؤدي الغاية من العيش، وأن يكون تفكيراً مسئولا، أي أن يفكر رب الأسرة مثلا في أهله، وبهذا يمكن أن يرتفع التفكير عن مستوى تفكير الحيوان، وهذا أقل ما يمكن اشتراطه وهو لا يعني بالضرورة أن يكون التفكير راقياً.


إن التفكير في العيش هو الذي يصوغ شكل الحياة، ونظرة إلى المبدأ الرأسمالي، الذي وإن صاغ تفكيره بالعيش بناء على الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وإن كان قد حقق نهضة للشعوب التي اعتنقته، إلا أنه جلب لهم الشقاء والبؤس، وجعلهم في حالة شقاق ونزاع على رغيف الخبز، فالرأسمالية تخلو من المسئولية ومن التفكير بشكل مسئول. أما الاشتراكية فهي وإن كانت قد جاءت لتوجد المسئولية، إلا أنها لم تصمد أمام الحياة وتحولت إلى الرأسمالية، فنظرة العيش حاليا رأسمالية غير مسئولة بحتة في كل العالم ولا بد من التحول عنها. صحيح أن التفكير بالعيش هو تفكير في إشباع الطاقة الحيوية، ولكن بدلاً من أن تكون هذه العلاقة بالرغيف بين الإنسان والإنسان هي علاقة أثرة، يجب أن تكون علاقة إيثار، فيفرح الإنسان عندما يعطي كما يفرح بالأخذ. وهذا لا يعني التفكير بإشباع الطاقة الحيوية للغير، ولكن يجب أن يتم التفكير بإشباع الطاقة الحيوية للنفس مع التفكير بالغير بشكل مسئول.


إن الحقيقة تعني مطابقة الفكر بواقع، فبعد نقل الواقع عن طريق الإحساس إلى الدماغ، وإصدار الحكم، إن كان الحكم مطابقا للواقع (مثل القول أن المجتمع مجموعة أفكار ومشاعر وأنظمة) كان هذا الحكم حقيقة، وإن كان غير مطابق للواقع (كالقول بأن المجتمع أفراد) فليس بحقيقة، بدليل أن مجموعة الأفراد في الباخرة لا يشكلون مجتمعا لعدم وجود علاقات بينهم، وعندما يكون الفكر مطابقا للواقع فإنه يكون متجاوبا مع الفطرة. ولا يقال أن الأشياء التي لا يقع عليها الحس لا يمكن الحكم عليها أنها حقيقة لأن شرط العملية العقلية هو الإحساس بواقع، لأن الإحساس بأثر الشيء يدل على وجوده ويكون حقيقة مثل وجود الله، ولكن ذات الله لا تقع تحت الحس وبالتالي لا نستطيع الحكم عليها.


يجب الانتباه إلى المغالطات في الحقائق، مثل محاولة طمس حقيقة بحقيقة أخرى، أو محاولة خلط فكر بحقيقة، أو التشكيك في حقيقة، مثلا أن اليهود أعداء للمسلمين حقيقة وأنهم أعداء لأهل فلسطين حقيقة، ولكن الحقيقة الثانية هي الظاهرة، فاتخذت أداة لطمس الحقيقة الأولى. هناك مغالطات تصرف عن الحقائق بإيجاد أعمال تصرف عن الحقيقة، فمثلا كون الأمة لا تنهض إلا بالفكر قام الغرب بصرف الناس عنها، بتشجيع الأعمال المادية مثل الإضرابات، وإيهامهم بأن النهضة تحصل بالأخلاق.


لا بد من التمسك بالحقائق والتمييز بينها وبين الوقائع، فهناك أمور أو آراء وليدة ظروف وهي خاصة بتلك الظروف، فلا يجب الخلط بينها وبين الوقائع، كحقيقة أن الساحل ثغرة ينفذ منها الغرب إلى البلاد الإسلامية، وكواقع أن الصليبيين قد هزموا المسلمين وقتها، فأهملت حقيقة أن الساحل ثغرة يجب سدها إلى واقع أن الصليبيين قد هزموا المسلمين. لا يصح تجريد الفكر من الظروف الخاصة به، ولكن الحقيقة لا يصح أن ينظر فيها إلى الظروف، لا سيما أن الحقائق تؤخذ بالطريقة العقلية وبالجانب اليقيني منها، وليس بالطريقة العلمية الظنية.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2017, 04:49 PM   #5
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي


بسم الله الرحمن الرحيم


تلخيص كتاب التفكير
5

لا بد من التفكير في نوع العمل الذي يُراد اتخاذ أسلوب له، قبل اتخاذ الأسلوب، حتى يتم اتخاذ الأسلوب الفعال والناجح مع هذا العمل، والتشابه في الأساليب يجب ألا يجعل الناس يأخذون أساليب خاطئة في العمل. والأسلوب هو كيفية القيام بالعمل، وهي بعكس الطريقة، إذ أن الطريقة دائمة ويقينية أو أصلها يقيني، وليست بحاجة إلى كثير تفكير. فالأسلوب يحتاج إلى عقل مبدع، وحل المشاكل إنما يكون باستخدام الأساليب، فمن له عقليه حل المشاكل إذا استعصت عليه حل مشكلة يحاول حلها بأسلوب آخر ولا يهرب منها، حتى إذا لم يستطع حلها بعد عدة أساليب تركها فترة من الزمن ثم عاود التفكير في الحل. أما التفكير بالوسائل فهو التفكير بالأمور المادية التي تستخدم، ولا قيمة للأسلوب إن لم تُستخدم الوسيلة المناسبة، ومعرفة الوسيلة المناسبة يتم عن طريق التجربة، واستخدام الوسيلة غير المناسبة للأسلوب يؤدي إلى الفشل، فيجب أن يتم التفكير في الوسائل عند التفكير بالأساليب، وأن يتم ذلك عن طريق التجربة؛ لأن الأساليب وإن كانت خفية لكن الوسائل أخفى، إذ يجب أن تتم التجربة عليها حتى تقرر صلاحيتها للأسلوب أم لا. أما التفكير في الغايات والأهداف فهو التفكير فيما تريد، وهو ليس بالأمر السهل، وقلما تجد من الناس من يعرف ما يريد، فالناس بشكل عام بسبب "وجود غريزة القطيع" كما يقولون، يغلب عليهم التقليد، فتوجد لديهم معلومات غير صادقة يندفعون بها دون غاية، أما الأفراد فلا توجد لديهم غاية لعدم وجود القصد عندهم. وهذه الغايات تختلف، فالأمة المتقدمة هدفها الإشباع التام، أما الأمة المتخلفة هدفها التقدم، وتحقيق الأهداف يحتاج إلى الصبر، وإشباع الحاجات سواء أكانت بعيدة أم قريبة هو أمر سهل، فالصبر عليه موجود في كل إنسان، ولكن الأهداف الأخرى مثل السعي لرفع مكانتك فإنها تحتاج إلى وقت وصبر وجدية في الأمر وملاحقة.

إن الصبر عند الأفراد أكبر منه عند الجماعات، فالرؤية عند الفرد أقوى من الرؤية عند الجماعة، وكلما ازداد العدد ضعف التفكير، والجماعات لا ترى أن الممكن عقلا ممكن فعلا، عكس الفرد فهو يرى ذلك، على أن الأهداف التي يسعى لتحقيقها يجب أن تكون ممكنة وليست فوق الطاقة البشرية، وأن تكون وسائلها موجودة، ولا تحتاج إلى أجيال لتتحقق. إن الشعوب لا تضع لنفسها غايات، ولكن لديها غايات، وهي إما التخلص من الحرمان، أو تحسين الإشباع، وهذه الغايات ممكنة التحقق فعلا. يجب التفريق بين الغايات وغاية الغايات (المثل الأعلى)، فمثلا المثل الأعلى للمسلم هو تحقيق رضوان الله، فهو قد يضع لنفسه غاية دخول الجنة أو النجاة من النار، والتي وإن كانت من الممكن أن تكون غاية الغايات، لأنها غاية لغاية قبلها، ولكنه لوجود غاية بعدها لا يطلق عليها المثل الأعلى، لأن المثل الأعلى لا توجد غاية بعده وهو عند المسلم نيل رضوان الله. على أن الغاية يجب معرفتها قبل القيام بالعمل وأثناءه، ولكن المثل الأعلى يجب ملاحظته قبل وأثناء القيام بالعمل وتكون كل الأعمال والأفكار من أجل تحقيقه. ولا يقال أن الغاية قد تستغرق أكثر من جيل وقد لا يتم تحقيقها على يد من قصدها؛ لأن الأمم يقاس عمرها بالعقد، وتتحول من حال لحال في عقد واحد، ومع وجود الاحتلال فإنها تحتاج إلى ثلاثة عقود فيجب أن تكون الغاية ممكنة التحقق على يد فاعليها، على أن ما يُرسم للأمة على مدار أجيال هي افتراضات وخطوط عامة، وليست غايات، فالغاية يشترط فيها أن تكون متحققة على يد فاعلها.


إنّ التفكير السطحي هو آفة الشعوب، وسببه إما ضعف الإحساس أو ضعف المعلومات أو ضعف الربط، ومعظم البشر لديهم خاصية ربط وإحساس قوي، إلا القليل، والناس تتجدد لهم المعلومات يومياً، إلا القلة القليلة منهم، ولكن الناس عندما تعودوا عليه استمرؤوه، وأما الجماعات فإن التفكير عندها ضعيف أصلا.


ولا يمكن علاج التفكير السطحي عند الجماعات ولكن يمكن رفع مستوى الواقع والوقائع، فيبقى التفكير سطحيا ولكن مرتفعا. أما الأفراد فيمكن علاج السطحية عندهم عن طريق إثارة استسخافهم لتفكيرهم، وإكثار التجارب لديهم، وجعلهم يسايرون الحياة ويتعايشون معها، وهكذا يسبقون أمتهم وينهضون بها بعد أن يتركوا التفكير السطحي؛ لأنهم يستطيعون تصور الحياة الراقية وقبول الآراء الصحيحة واعتناق الأفكار القطعية وبسبب قوة الربط عندهم يوجد التفكير العميق، ولكن لا بد أن تتبنّى الأمة هذه القدرة لدى هؤلاء الأفراد. ولا بد أن يتم السير في إزالة سطحية الأفراد وإزالة سطحية الأمة بشكل متزامن؛ لأن الأفراد جزء من المجتمع، والمجتمع مكون من أفراد.

أما التفكير العميق فهو عدم الاكتفاء بالإحساس وربط الإحساس بالمعومات الأولية، بل معاودة الإحساس بالواقع أكثر وأكثر، ومحاولة الربط بمعلومات أكثر من مجرد المعلومات الأولية. والفكر المستنير هو نفس الفكر العميق مع إضافة التفكير فيما حول الواقع للوصول إلى نتائج صادقة، لذلك قد تجد عالم الذرة الذي يفكر تفكيرا عميقا في الذرة يعبد الخشب، مع أن أبسط استنارة تُري أنها لا تنفع ولا تضر وأنها ليست مما يعبد، فالفكر العميق ليس مستنيرا، ولكن الفكر المستنير عميق. والتفكير العميق ليس ضروريا في العلوم والطب، ولكنه ضروري في رفع مستوى الفكر.


ومهما كان نوع الفكر يجب أن توجد فيه الجدية، وإن كانت السطحية لا تساعد على الجدية، والعمق يدفع إلى الجدية، والاستنارة تحتم الجدية، فالتفكير بالشيء يكون من أجل معرفته أو العمل به، وفي كلتا الحالتين يجب أن توجد الجدية والابتعاد عن التقليد والعادة في التفكير. ويجب أن تُصطنع الجدية حتى توجد، وهنا لا نعني مطلق الجدية، بل نعني أن تكون هناك أعمال تؤدي إلى المقصود، وفي مستوى ما تم التفكير به. وحتى توجد الجدية لا بد من الابتعاد عن الخجل والخوف والاعتماد على الغير لأنها كلها تتنافى مع الجدية. أما ضرورة وجود الجدية في العمل فذلك قادم من أن التفكير لا بد أن يكون من أجل العمل في الحياة، فلا يُقال بأن العلم يطلب للتلذذ، لأن غرضه هو أن يُعمل به في الحياة، لذلك لا تعدّ الفلسفة جدية مطلقا؛ لأنه ليس فيها إلا الاستمتاع بالدراسة والبحث، بينما يعدّ الشاعر جدياً لأن قراءة القصيدة توجد التلذذ والانتعاش، فالجدية تقتضي القصد وهم لم يقصدوا سوى مجرد البحث. وقد تطول المسافة وتقصر بين التفكير والعمل، ولكن هذا لا ينفي الجدية عنه. فيجب أن يكون التفكير جديا، وأن لا يكون رتيبا بحكم العادة والتقليد؛ لأن الذي يفكر هكذا يستمرئ الواقع ولا يفكر بالتغيير، ولا بد من التفكير بالتغيير لأن ركود الحياة من أخطر الآفات على الشعوب.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2017, 04:50 PM   #6
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي


بسم الله الرحمن الرحيم


تلخيص كتاب التفكير
6

لا بدّ عند التفكير بالتغيير من النظر للأساس أولا؛ لأنه هو الذي تقوم عليه الحياة، وبه تتم ممارسة الحياة، فإن كان عقيدة عقلية تتجاوب مع فطرة الإنسان فلا حاجة للتغيير لأن التغيير يحصل عندما لا تكون الأمور صحيحة. فإذا لم يكن الأساس صحيحا فإن أي تفكير بالتغيير بعده يكون عبثاً، أما إن كان الأساس صحيحاً كان واجبا أن يحدث من عندهم الأساس الصحيح التغيير فيمن ليس عندهم أساس أو أساسهم خاطئ، وبعد أن يوجد الأساس الصحيح يكون من السهل تغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات؛ لأن الأساس هو المقياس الأساس، وهو المفهوم الأساس والقناعة الأساسية. والتفكير بالتغيير لا يكون موجودا عند الذين يشعرون بضرورة التغيير، بل هو موجود طالما أن هناك حاجة للتغيير في الكون، فالإنسان يحاول إحداث التغيير في كل مكان يحتاج للتغيير. والتفكير بالتغيير يوجد من مجرد الشعور بالحياة وإن كانت تقاومه القوى التي ترفض التغيير، وجعل الناس يفكرون يأتي إما بالقوة أو بالإقناع بضرورة التفكير بالتغيير، وبعدها يصبح التفكير بالتغيير سهلا.

إن القراءة لا توجد التفكير، فكثير من الذين يقرؤون لا يفكرون، أو لا يصلون إلى الأفكار التي يعبر عنها الكلام، فإن كان الإنسان يحسن فهم التعبير وجدت لديه الأفكار من إحسان فهمه وليس من القراءة، والقراءة لا تنهض بالأمم، فالتفكير يأتي من الواقع والمعلومات السابقة، والقراءة ليست واقعا ولا معلومات سابقة. إن النصوص الشائعة هي الأدبية والسياسية والفكرية والتشريعية، أما الأدبية فإنه يُهتم فيها بالتراكيب والألفاظ وليس المعاني، وإنما يهتم بالمعاني من ناحية صلاحيتها للتصوير أم لا، فالمراد من النصوص الأدبية هو إثارة القارئ وليس إعطاء المعنى، فالغاية الأساسية منها ليست أداء المعاني بل إثارة القارئ، وفهم هذه النصوص يستلزم معارف سابقة عن الألفاظ والتراكيب وقراءة النصوص الأدبية، بشكل يتربى معه الذوق، فالمسألة مسألة ذوق، وهذا لا يأتي إلا بعد المران وكثرة التذوق وكثرة قراءة النصوص، ومعلوماتها السابقة هو تكون الذوق، وإذا لم يتكون هذا الذوق فقد يُدرك الفكر، ولكن يثيرك ولا يؤثر فيك ولا تهتز له، فالأديب يقوم باختيار أبرز الحقائق أو ما يمكن أن يجد فيها مظهرا من مظاهر الجمال ويقربها إلى القارئ.


وهي عكس النصوص الفكرية، والتي هي لغة العقل لا لغة العاطفة، وهي تقصد إلى تغذية العقل بالأفكار، والاهتمام فيها يكون بالمعاني أولا ثم الألفاظ والتراكيب، وتتسم ألفاظه بالدقة والتحديد، وفهمها يتطلب وجود معلومات سابقة عن النص المقروء، ويجب أن يكون واقع هذه المعلومات السابقة ومدلولها متصورا، وليس فقط فهم مدلولها، فمثلا لا يكفي في النص الذي يتحدث عن السياسة باللغة العربية معرفة اللغة العربية وما تدل عليه كل كلمة، بل لا بد أن تكون الأفكار الموجودة في النص متصورة، فيُعرف الوعي السياسي، واتجاهات النضال، وما يمكن أن يعترضك من اتجاهات معاكسة في النضال... وسواء أثرت النصوص الفكرية على المشاعر أم لا فذلك لا يؤثر على وصفها نصا فكريا، طالما أن العناية موجهة إلى الأفكار. صحيح أن هذه النصوص صالحة لكل الناس، ولكنها في عمقها ليست في متناول الجميع فهمها، بل لكل أن يأخذ منها حسب قدرته على الفهم، والذين لا توجد لديهم معلومات سابقة بمستواها لا يمكن أن يفهموها، ولا بد أن يكون فهم النص الفكري فهما صحيحا. وهكذا، فإنه لفهم النص الفكري يجب - بجانب وجود المعلومات السابقة - أن تكون المعلومات السابقة بمستواه، وأن تُدرك مدلولاته وتفهم فهما صحيحا؛ لأن النص الفكري يفهم ليؤخذ ويُعمل به. فالإسلام بما فيه من عقائد جاء منجما حسب الأحداث، وهكذا فهمه المسلمون، لأنهم تصوروا له واقعا، فانقلبوا رأسا على عقب.


والفكر إنما يُفهم ليُحدد الموقف منه، إما الأخذ أو الترك والمحاربة، وليس الأخذ مطلقا، وهذا الأمر ضروري حتى لا يقع الزلل والانحراف عن القضية الأساسية، كما حصل في الفلسفة اليونانية التي قام المسلمون في العراق بدراستها، فمنهم من فعل ذلك لاستخدامها في الرد على النصارى، وفريق انصرف إليها للذة واعتنقها حتى أصبحت رأيه مع مراعاة الإسلام، وعدد منهم انحرف وضل ضلالا بعيدا حتى كفر. وأما الذين درسوها للرد على النصارى فمنهم من جعلها أساسا وصار يحاول تأويل أحكام الإسلام بما يتفق معها، وهؤلاء هم المعتزلة، ومنهم من قام بمحاولة الرد عليها وتصحيحها، وهؤلاء هم أهل السنة. وهكذا دار الجدال بين هذين الفريقين، ووجدت بعدها العديد من الفرق، وانقسم المسلمون إلى عشرات الفرق بسبب هذه الفلسفة وعدم إدراك واقعها والتصور الصحيح لمدلولاتها، ولولا أهل السنة والجماعة لضاع الإسلام، وكذلك الحال بالنسبة للأفكار الرأسمالية والاشتراكية وما أحدثته في عقول المسلمين. نعم، إن الشرع قد أباح الدراسة الفكرية، ولكنه جعل الإسلام وحده أساس قبولها، وحتى يُعرف هل سيتم قبول هذا الفكر أم لا يجب إدراك واقعه ومدلوله إدراكا صحيحاً، وأن توجد معلومات سابقة بمستوى الفكر.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2017, 04:50 PM   #7
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي


بسم الله الرحمن الرحيم


تلخيص كتاب التفكير
7

أما النصوص الشرعية ففهمها بحاجة إلى معرفة دلالة الألفاظ والتراكيب، ثم معاني الألفاظ والتراكيب، ثم استعمال معلومات معينة للوقوف على الفكر، فتجب معرفة اللغة ألفاظا وتراكيب، ومعرفة اصطلاحات معينة، ثم الوقوف على الأحكام. وإن كانت النصوص الأخرى يمكن قراءتها، ولكن النصوص التشريعية لا يجوز قراءتها من غير الإسلام؛ وذلك لأن القراءة إنما تكون من أجل الأخذ، ولا يجوز الأخذ من غير الإسلام، فإذا كانت الأفكار مبنية على العقيدة يكون ذلك مقياسا على صحتها، فالأحكام الشرعية تنبثق انبثاقا عن العقيدة، فالله سبحانه عندما قال اقرأ كان قد أباح القراءة، ولكنه سبحانه عندما حصر الأخذ بالأحكام الشرعية فقد جعل الإباحة خاصة بغير ما هو متعلق بالتشريع الإسلامي. والتفكير بالتشريع وإن كان يحتاج إلى معرفة باللغة العربية والأحكام الشرعية، إلا أنه يحتاج قبل ذلك إلى معرفة الواقع والحكم الشرعي ثم تطبيق الحكم الشرعي على الواقع، فإن انطبق عليه كان حكمه، وإلا فإنه يُبحث عن حكم آخر. والتفكير التشريعي يتطلب العناية بالألفاظ كالنصوص الأدبية، والمعاني والأفكار كالنصوص الفكرية، والوقائع والأحداث كالنصوص السياسية، فهو يتطلب العناية بكل ما تحتاجه النصوص الأخرى.

ويختلف التفكير بالنصوص الشرعية باختلاف الغاية، فالتفكير يكون لأخذ الحكم الشرعي أو استنباطه، أما أخذ الحكم الشرعي فيكفي فيه معرفة الألفاظ والتراكيب، وهي وإن احتاجت إلى معلومات سابقة عن الشرع إلا أنه يكفي فيها مجرد المعرفة الأولية، فلا تحتاج علوم البلاغة أو الفقه أو غيرها. فمثلاً إذا أراد الشخص معرفة حكم نوع من لحوم العلب فإنه يكفي أن يعرف أن لحم الميتة حرام وأن لحم العلب من هذا النوع لحم ميتة. أما التفكير لاستنباط الحكم الشرعي فإنه يحتاج إلى معرفة الألفاظ والتراكيب والأفكار الشرعية والواقع للفكر أي للحكم، فيجب أن يكون المُستنبِط عالما بالتفسير والأحاديث واللغة، وليس معنى كونه عالما هو أن يكون مجتهدا في هذه الأمور، بل أنه يستطيع أن يرجع إلى كتاب من كتب اللغة ليعرف إعراب كلمة، ويستطيع أن يسأل شخصا عالما بالأحاديث، فيكفي أن يكون ملما إلماما كافيا للاستنباط حتى يكون مجتهدا. لهذا فإن الاجتهاد خاصة هذه الأيام ميسور متوفر لكافة الناس، وهو وإن كان فرض كفاية، لكن تجدد الوقائع وتحريم الإسلام الأخذ من غيره يجعل فرض الكفاية هذا لا يقل لزوما عن فرض العين. ولكن يجب ألّا يؤخذ الحكم الشرعي بسهولة وخفة ودون تروٍ، بل المجتهد يجب عليه أن يكون دائم الملاحظة إلى ما تحتاجه النصوص من معرفة باللغة والأحكام الشرعية والواقع وانطباق الحكم الشرعي على الواقع، وإن كان هذا الأخير ليس من العلوم اللازمة للاستنباط، ولكنه نتيجة لصحة معرفة الأمور الثلاثة السابقة.


إن التفكير الشرعي هو لمعالجة مشاكل الناس، والتفكير السياسي هو لرعاية شئونهم، والتفكير السياسي يناقض التفكير الأدبي الذي يُعنى باللذة بالألفاظ والتراكيب. وأما بالنسبة للتفكير الفكري فإنه بحاجة لتفصيل، فهو إن كان تفكيرا في نصوص العلوم السياسية فإن التفكير السياسي والفكري يكادان يكونان نوعا واحدا، إلا أن التفكير الفكري يحتاج أن تكون المعلومات السابقة بمستوى الفكر، وإن كانت ليست من نوعه، فيكفي أن تكون متعلقة به، ولكن التفكير السياسي يحتاج إلى معلومات سابقة بمستوى الفكر ومن نوعه.


إن التفكير السياسي، كالتفكير بالأخبار والوقائع، هو أصعب أنواع التفكير؛ لعدم وجود أساس له يمكن السير عليه، لذلك فإنه يحير الباحث ويجعله عرضة للخطأ والأوهام إن لم يكن قد مر بالتجربة السياسية، ومتابعا للأحداث اليومية، ودائم اليقظة كذلك. وهو أعلى أنواع التفكير، وليس التفكير بالقاعدة الفكرية - مع أن جميع المعالجات تنبثق عنها - وذلك لأن القاعدة الفكرية نفسها هي فكر سياسي، وإلا فليست قاعدة صحيحة.


إن التفكير السياسي الحق هو التفكير بالأخبار، وإن كان يشمل التفكير بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية، فهذان يجعلان الشخص عالما بالسياسة، أما الذي يجعل الشخص سياسيا فهو التفكير بالأخبار، على أن الإلمام بالعلوم السياسية ليس شرطا في التفكير السياسي فهي تساعد فقط في جلب نوع المعلومات عند الربط. على أن الغرب عندما نشأت عندهم فكرة فصل الدين عن الحياة والحل الوسط كانت الأبحاث السياسية قائمة على هذا الأساس، وعندما ظهرت الاشتراكية ظل أصحابها ملتحقين بالغرب؛ لذلك يجب الحذر عند قراءة هذه الأبحاث، لأنها تقوم على الحل الوسط.


إنّ العلوم السياسية كعلوم النفس، قائمة على الحدس، ومع أننا لا نفضل قراءة هذه الأبحاث لأنها من التشريع (كونها تحمل أفكار حكم)، إلا أنه نظراً لكونها نوعا من الأبحاث الفكرية فيها أبحاث سياسية فلا بأس بقراءتها من هذه الناحية.


ومن الأفكار السياسية التي تقوم على الحل الوسط عند الغرب هي فكرة القيادة الجماعية، ذلك أن القيادة كانت في الغرب فردية، فثار الناس وقالوا أن الشعب هو الذي يجب أن يحكم، فوضعوا حلا وسطا، وهو أن يقوم مجلس الوزراء بالقيادة، فهو ليس الشعب (بل الشعب يختار الحاكم)، وليس فردا، بذلك يكون قائماً على الحل الوسط. والواقع العملي يري أنه لا توجد فيه قيادة جماعية بل الذي يتولى القيادة هو رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء. كما أنهم قالوا بأن السيادة للشعب؛ لأنهم ضجوا من كون السيادة لحاكم يقرر ويملك الإرادة، فقاموا بإنشاء مجلس للنواب ينتخبه الشعب للتشريع، وهذا حل وسط؛ لأن الذي يشرع هو الحاكم وليس هذا المجلس، فوق هذا فإن واقع الحكم هو أن يختار الشعب الحاكم وتكون السيادة للقانون فلا سيادة للشعب ولا حكم للشعب. كذلك فإن الأمور العاطفية عندهم شيء والأمور الدينية شيء والحكم شيء، فهم عندما ثاروا على استبداد الحكام وتحكمهم بالكنيسة، فصلوا الأمور الخيرية والدينية عن الحكم، مع أن هذه الأمور هي من رعاية الشئون، والدولة هي التي تقوم بالإشراف عليها ولكن بأساليب خفية غير ظاهرة. هذا فيما يتعلق بالأبحاث السياسية فيما يتعلق بالأفكار، فكيف الأمر مع الوقائع والأحداث؟ والتي وإن كان فيها بعض الحقائق إلا أنها مملوءة بالمغالطات فيجب الحذر منها.
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2017, 04:51 PM   #8
الكرمي
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: Jun 2009
المشاركات: 15,061
إفتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

تلخيص كتاب التفكير
8

إنّ التفكير السياسي الحق، وهو التفكير في الأحداث، يتطلب خمسة أمور، أولها متابعة الأخبار ومع المران يتم تمييز أيها يجب متابعتها، وأيها مهم في حلقات المعرفة. ثانيها معلومات ولو أولية عن مدلولات الأحداث، سواء أكانت جغرافية أم تاريخية، بشكل يُستطاع معها معرفة حقيقة مدلولات الأخبار. وثالثها عدم تجريد الوقائع من ظروفها، وعدم تعميمها، حيث يجب أن تؤخذ أخذا واحدا مع ظروفها، ولكن لا يُقاس عليها، ولا تعمم على كل الأحداث. ورابعها هو تمييز الخبر، فيعرف مصدره، وموقع الحدث، والقصد من وجوده، أو من سوّق الخبر، أو الإيجاز أو الإسهاب فيه. وخامسها هو الربط الصحيح، فإن ربط الخبر بغير ما يجب أن يُربط به يحصل الخطأ، فمثلاً ربط الخبر المتعلق بالسياسة الدولية بالسياسة المحلية يؤدي إلى الخطأ.

ولا يُقال أن هذه الأمور كثيرة ويصعُب تحقيقها، لأنها يمكن أن تنتج مع الزمن والتتبع، فالتتبع هو المهم، شرط أن يكون تتبعا متصلاً، لأنه إذا كان منقطعا فإنه لا يصبح بمقدور المرء أن يربط الأحداث ويفهمها.


إن التفكير السياسي يوجد في الجماعات كما في الأفراد، ويجب أن يوجد في الأفراد حتى يوجد الحكم الصالح، ولأن الحكم للشعب ولا تستطيع قوة أن تأخذه إلا إذا أعطاه الشعب، وإن اغتُصب منها فإنه إما أن تقبل فيستمر أو تصرّ على استرجاعه؛ لذلك كله كان التفكير السياسي ضروري للجماعة والأمة والشعب، وكان واجباً إعطاء الأمة الأفكار السياسية الصحيحة، والصادق من الأخبار، فهذا الأمر يوجد الحياة في الأمة. إن الخطأ في فهم السياسة يكمن في التفكير فيها كالتفكير في النصوص الفكرية فتُفهم معاني الألفاظ، أو أن تُفهم كالنصوص الأدبية فتفهم الألفاظ والتراكيب أو مدلولات الألفاظ، مع أن الأمر مختلف فقد يكون في الألفاظ كالتصريحات أو المعاهدات، وقد يكون في المدلولات، على أن التصريح مثلا يُكشف صدقه وكذبه وما يراد منه من خلال الملابسات والظروف، فقد يقوم المصرّح بعمل يخالف التصريح أو يوافقه.


إن التفكير السياسي هو الذي يدمر الشعوب ويقيم الأمم، ونتائجه من أخطر النتائج، لذلك لا بد من العناية به أيما عناية، لذلك يجب أن يُدرك أن التفكير السياسي في الأفراد غير منتج إنما التفكير السياسي في الشعوب هو الذي يقيم الأمم ويحميها، فسوء التفكير السياسي لا يشكل خطرا على الأفراد بل على الشعوب والجماعات، إذ أن سوء التفكير السياسي لو اجتاح أمة ما فإنه لن تنفع عبقرية الأفراد، على أن التفكير السياسي الصحيح الذي يسير في الطريق المستقيم في الأفراد يمكن أن يقف في وجه الأمة إذا انتقل التفكير من الأفراد إلى الأمة وأصبح عند الأمة كما هو عند الأفراد، فالذي يقف في وجه الأعداء هو تفكير الشعوب وليس تفكير الأفراد، كما حصل عند هدم الخلافة على سبيل المثال.


إن الأفراد العباقرة هم أناسٌ عاديون وإن أنتجوا شيئا فإنه يُرى في بداية الأمر عاديا، فهم وإن كانوا مثقفين فيوجد غيرهم، وإن كانوا أذكياء فيوجد غيرهم، ولكن لفت النظر إلى عبقريتهم كان من قبل أفراد آخرين أقبلوا على إنتاجاتهم ليكونوا مثلهم. أما إذا ظل الفرد العبقري في شرنقة العزلة فإنه لن يقدر على الوقوف في وجه الأعداء، لذلك وجب تثقيف الأمة تثقيفا سياسيا، وتعليم الأمة التفكير السياسي، فالتفكير السياسي في الوقائع والأحداث هو واجب على الكفاية، ويجب أن يُعمل لإيجاده في الأمة.


إن ملايين الكتب مثل هذا الكتاب لن توجد التفكير في الأمة، بل الذي يوجده هو الأحداث الموجعة، لاسيما بعد أن وجدت جماعات تفكر وأخرى تحاول التفكير، بعد أن بليت الأمة بعلماء نادوا بإغلاق باب الاجتهاد وصار الناس يتحرجون منه، والإنسان بطبعه حيوان كسول لذلك تعطل التفكير. وهذان الأمران (الأحداث الموجعة، وجماعات تفكر أو تحاول ذلك) يوجدان أملا أن ينتقل التفكير من الأفراد إلى الجماعات، فتصبح الأمة الإسلامية أمة مفكرة.


انتهى
الكرمي غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .