العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة > دواوين الشعر

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: نقد كتاب إتحاف الأعيان بذكر ما جاء في فضائل أهل عمان (آخر رد :رضا البطاوى)       :: قراءة فى كتاب عجالة المعرفة في أصول الدين (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عمليات مجاهدي المقاومة العراقية (آخر رد :اقبـال)       :: مــــــــردوع (آخر رد :ابن حوران)       :: نقد كتاب مظلوميّة الزهراء (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب عقيدة أبي طالب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب سبب وضع علم العربية (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب أدلة أن الأئمة اثنا عشر (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب الصحابي و عدالته (آخر رد :رضا البطاوى)       :: عن الثورة التشرينية في العراق (آخر رد :ابن حوران)      

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 10-06-2006, 09:49 AM   #31
يتيم الشعر
عضو شرف
 
تاريخ التّسجيل: May 2001
الإقامة: وأينما ذُكر اسم الله في بلدٍ عدَدْتُ أرجاءه من لُبِّ أوطاني
المشاركات: 6,363
إرسال رسالة عبر MSN إلى يتيم الشعر إرسال رسالة عبر بريد الياهو إلى يتيم الشعر
Arrow

أخي الكريم

اسمح لي أن أضع هذه الخاطرة في موضوعك ..

يحكون عن أسطورةٍ
بـذلـك الـزمـان
عن قرية مهجـورةٍ
قديـمـة الآســان
يحـكـون أنـهـا
بقـديـم عهـدهـا
كانت تعيش في بها
يُظِلُّـهـا الأمــان
كانت قديماً طاهـرة
بالخير كانت عامرة
بالحب فاحت عاطرة
مخضـرَّة الأفنـان
وبينمـا طيـورهـا
تبني بأمـنٍ عُشَّهـا
تشدو جميل نشيدها
بأعـذب الألحـان
في ليلـةٍ مشؤومـةٍ
شـديـدة الـظـلامْ
وأهلها فـي غفلـةٍ
فـي هـدأةٍ نـيـامْ
والليل يستر أنجمَـهْ
برزت ظلالٌ مبهمة
في ضجَّةٍ وهمهمـة
بالشرِّ كانت مفعَمـة
فدمَّـروا بيوتـهـا
فــصُــيِّــرتْ
مـحـطَّــمــة
جدرانهـا مهـدَّمـة
أنوارهـا مهشَّـمـة
كم من فتـاةٍ حـرَّةٍ
عـاشـت بـهــا
مــكــرَّمـــة
صارت لعبدٍ جارية
بيعت له كي تخدمه
هذي حكايـة قريـةٍ
عـاشـت سنيـنـاً
ســالــمـــة
تحـيـا بـخـيـرٍ
لـــم تــكــن
أبداً بيـومٍ معدَمـة
وأهم شـيءٍ أنهـا
كـــانــــت
قــديـــمـاً
مـســلــمــة
__________________
يتيم الشعر غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 14-06-2006, 02:39 PM   #32
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

( 3 )

لو جلس أحد المثقفين من العصر الحاضر بين جماعة من البدو ، وتكلم معهم بلغته التي يتكلم بها باقي المثقفين ، لرأى عيون البدو تدور شمالا ويمينا مستنكرة ما تسمع ، و متباهية في استنكارها أيضا ، فالعربي بنظر هؤلاء هو من يلتزم بموسيقى اللغة و انسيابيتها ، وفحول الشعر القدماء كانوا يكتسبوا صفة الفحولة ، من التزامهم بتلك الصفتين الموسيقى و الانسيابية في اللغة ..

وعليه عاشت اللغة العربية بقرونها الطويلة ، طالما كان يرمي أبناؤها الحريصون على نقائها ، كل ما يدخل على لغتهم من غريب .. فالجديد بنظرهم (يشم و يرمى في المزابل ) والقديم كلما زاد في قدمه وتعتق كلما زاد أصالة ..

إذا كانت صفة العفوية و الاعتماد على السماع عند البدو ، هي ما جعلتهم يحتفظون بنقاء اللغة العربية . فإن تلك الصفة هي ما أسرت علماء اللغة و النحو الذين وضعوا سياجا حول بدوية اللغة ، بحيث و ضعوا قوالب قوية أشبه بشبك الحماية على السجون أو المتاحف .. فلم يكن من السهل خروج محتويات المتحف ، أو إدخال ممنوعات لمن يسجن داخل السجن ..

إن تلك الأنفة والاعتزاز باللغة ، هي ما دفعت علماء الكلام من المعتزلة النظر باستهجان للمنطق الغربي الذي دخل مع الترجمات ، و أصبح له شيوخ ومنظرين ومبشرين ، والمناظرة المشهورة التي دارت بين كل من ( أبو البشر متي بن يونس ) وكان مشهورا بقدرته على الحديث لساعات ، مبشرا بفلسفة ومنطق أرسطو .. وكان يغمز بجانب فضل الفلسفة والمنطق الغربي على الحضارة العربية الإسلامية .. وبين ( أبو سعيد السيرافي ) .. أحد علماء الكلام المشهورين ، وذلك في مجلس الوزير ( الفضل بن جعفر بن الفرات ) وزير الخليفة العباسي (المقتدر ) .

قد نعود الى تلك المناظرة بشيء من التفصيل ، ولكنها كانت تنم عن رفض ومعاندة أنصار التمسك بالعربية و علومها ، وتبيان تقدمها على المنطق الغربي ، فعندما يسأل ( أبو سعيد السيرافي ) مناظره ( أبو البشر) : هل يجوز أن نقول زيد خير أخوته ؟ .. فيجيب (أبو البشر) : نعم يجوز .. ثم يعود أبو سعيد فيسأله : هل يجوز أن نقول : زيد خير الأخوة ؟ فيجيب (أبو البشر) على الفور : نعم يجوز !

فيبتسم أبو سعيد زاهيا بانتصاره وقائلا : أجبت في الأولى و أخطأت الإجابة ولم تكن مدركا أنك أخطأت .. و أجبت في الثانية و أصبت و لم تكن مدركا بأنك أصبت ..

فيستهجن ( أبو البشر ) كلامه ، ويتساءل : أليس الإجابتان مثل بعض ؟

فيرد أبو سعيد : عندما نسأل هل يجوز أن نقول أن زيدا خير أخوته ، فإن كان أخوة زيد (أحمد و محمد ومحمود) .. فإن زيدا لم يكن بين أخوته .. ولكن عندما نقول زيد خير الأخوة فيكون ( أحمد و محمد ومحمود وزيد ) مشمولين بالمفاضلة .. وهي الأصوب ..

وهنا يشرح ( أبو سعيد السيرافي ) : استصغار فكرة حصر المنطق بالغرب ، فيقول للصينيين منطق و للأفارقة منطق ، وللفرس منطق ، وللعرب منطقهم ، وكل ذلك يتبع اللغة !

في كل عصر يظهر من يكرس اعتزاز أبناء الأمة بخصائص أمتهم ، فبعد المعتزلة ..أفرد أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ، كتابا أسماه (الرد على المنطقيين ) .. بين فيه ثغرات هائلة في طريقتهم بالتفكير .. و إن كان يعتمد الجانب الديني في المحاكمة ، لكن الكتاب مليء بما يعزز فكرة صعوبة تقبل النمط (العقلي ) المولد خارج رحم الأمة .*

كما أن في العصر الحديث ، يظهر صراع بين الحركات الفكرية و الثقافية ، يطال حتى الشأن السياسي ، يكون منبع هذا الصراع ، هو الاتفاق على خط ابتداء حركة التأسيس لشكل الدولة ، وخلفية ذلك التأسيس المعرفية و ( الفقهية) .. وهذا ما يفسر اختلاف من يعتمدون الدين كأساس للإنطلاقة مع القوميين ، مع اليساريين .. *


وان كان من يؤمن في هذا الطرح و يفلسف له في العصر الحديث ، كالمفكر (الجابري ) والمفكر ( عبد السلام بن عبد العالي ) وكلاهما مغربيان ، فإن هناك من يستهجن مثل هذا الطرح ، محتكما لمعالجة المفكر المجري ( جورج لوكاش) عندما يناقش فلسفة الغرب الحديث ، و يرفض ربطها بالفلسفة اليونانية القديمة ، بل جعلها تنبع من خصوصية البنية الأساسية للوعي الاجتماعي السائد في الرأسمالية الأوروبية * .. وهو كلام يحمل وجاهته .. إذا ما حيدنا أثر اللغة تحييدا كاملا ..

ـــــــــ
المراجع :
الرد على المنطقيين / احمد بن تيمية / دار المعرفة / بيروت
هجرة النص الفلسفي / مقالة ل ( عبد السلام بن عبد العالي )
هل هناك عقل عربي ؟/ د هشام غصيب ص 92
تكوين العقل العربي/ د محمد عابد الجابري / مركز دراسات الوحدة العربية
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 22-06-2006, 02:13 PM   #33
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

الأخت الفاضلة أوركيدا .. أشكر لك المرور الكريم والكلمات الطيبة

الأخ الحبيب يتيم الشعر .. بارك الله بك لما أضفت من كلام رائع
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 22-06-2006, 02:16 PM   #34
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

( 13 )

للزواج أهداف منها سننية ( تتبع لسنة الحياة ) ومنها وظيفية تشبع حاجات فسيولوجية من جانب ، وترفد من يعملون لإتمام الزواج بحاجات يعرفونها معرفة جيدة ..

في الجانب السنني ، يلهم الله عز وجل كل الكائنات الحية إلهاما يدفعها للقيام بالتكاثر ، فتجد عند كل الكائنات الحية من مستوى كائن حي مكون من خلية واحدة ، كالأميبا أو أي بكتيريا أو فطر ، الى أكبر حيوان يتحرك حركة ديناميكية ، أو حتى ستاتيكية .

فقد لاحظت كمختص أن شتلة من أشتال الحمضيات (كالمنتينا ) كانت بعمر أقل من سنتين ، قد تغطت بأزهار الإثمار تغطية كاملة ، وطبعا نعرف كمختصين أن تلك الظاهرة ، تنبئ بوجود مرض ، وعندما توقفت فاحصا ما يجعلها تطلق هذا الكم الهائل من الأزهار .. وجدت السبب .. أما لماذا قامت تلك الشتلة بعمرها المبكر بإطلاق هذا الكم الهائل .. فإن الشتلة تعتبر نفسها مسئولة عن تواصل جنسها ، فعندما أحست بالضعف ، استعجلت لإطلاق هذا الكم من الأزهار لتخلف من يخلفها في الحفاظ على جنسها ..

عند البشر ، يسلك الإنسان مثل سلوك شتلة الكالمنتينا ، فإذا لم يرزق بمولود فإنه يبذل قصارى جهده ، في معالجة الأسباب ، ويبقى نشاطه في البحث عن علاج يحل مشكلته قائما حتى يموت .. وهو يعلم أن له أخوانا أو أقارب أو غيره من البشر ، يقوم بمهمة الحفاظ على الجنس البشري !

في العتيقة كغيرها من قرى الريف ، يتغلب الجانب الوظيفي على الجانب السنني ، رغم الاحتفاظ بأهمية الجانب السنني ، فالزواج يعني مشروع رفد الأسرة بأعضاء جدد يقومون بأعمال الزراعة ، فإضافة مولود جديد ، يعني إضافة فلاح جديد ، يبذر ويزرع و يحصد و يقوم بالأعمال الأخرى .. ويعوض من ينتهوا من جراء أوبئة كالكوليرا أو الطاعون أو الحصبة أو غيرها ..

وقد تكون تلك العوامل الغائبة لدى الغرب ، هي ما تدفعهم لعدم الارتباط بالزواج و عدم الإنجاب ، لغياب مثل تلك المحفزات أو الأسباب ، التي يبدو أنها التصقت ك ( أليلات وراثية ) على كروموسومات أبناء شعبنا .. حتى بعد زوال عوامل الفلاحة ..

كان على الوالد عندما ينوي تزويج ولده ، أن يؤمن له (غرفة) يسكن فيها مع عروسه ، ويتدبر موضوع المهر و اللوازم الأخرى .. لكن اللوازم الأخرى لم تكن بنفس أهمية المهر ، الذي كان يتم بالمقايضة ، فيكون ( ربع ربعة دوارة ) وهي مساحة من الأرض تساوي حوالي عشرون هكتار ، و أعرف نساء تقدر قيمة مهر إحداهن ، الآن أكثر من 25 مليون دولار .. على الأسعار الحالية .. وإحداهن بعين واحدة ..


ومن لم يجد مهرا كافيا ، فيستبدل شقيقته بعروس ، وفي بعض الحالات تستبدل الابنة بعروس ! لقد كانت كثير من الزيجات تتم على طريقة سندات القيد فينزل من حساب فلان ، الى حساب فلان .. حتى تتساوى القيمتان ..

لا أذكر أكثر من حالتين ( خطف ) .. حيث سمعت أن فلانا خطف فلانة ، وكانت طريقة الخطف ، تتم عندما تنسد الأبواب في وجوه عشيقين ، ولم يستطع العريس تلبية طلبات والد العروس ، ولكن كل من العريس و العروس متمسك بالآخر ، فيهرب بها الى منطقة بعيدة ، ويدخل في حمى شيخ عشيرة ، فيعقد قرانه على فتاته ، ويتم الزواج ، ولكنني لم أسمع بأنهما عادا الى القرية ..


كنت أقلب صفحات (مفكرات ) والدي رحمه الله ، فعندما يدون حالة خطوبة ، يكتب ذبح دار فلان على فلانة ، وهي إشارة واضحة لعقد القران ، إذ كان الوفد(الجاهة) الذي يذهب لخطبة فتاة ، يأخذوا معهم كبشا أو تيسا ، ولوازمه و يذبحونه ، لعمل طعام بالمناسبة ..

من الطبيعي أن المفاوضات قد سبقت عملية اللحظات (الكرنفالية ) الذبح ، وقد تأخذ المفاوضات مدة تطول أو تقصر ، وقد تكون للنساء ( النسوان) الدور الأكبر في عمليات المفاوضات .. و أما المراسيم ( الكرنفالية ) ، ما هي إلا ملامح لنفاق اجتماعي ( محبب) .. و أظن أن لا تغيير كبير في ذلك قد حصل في الوقت الراهن ..

فعند دخول الجاهة ، يصب فنجان من القهوة ، و يشير أعضاء الجاهة (الوفد) الى رجل مرموق قد اختاروه قبل مجيئهم ، وهو من سيمثل أهل العريس ، وعندما تكون (الجاهة ) ، قد أغفلت اختيار من يتكلم باسمها ، فان من يصب القهوة ، سينتبه الى ذلك التقصير ، فيضع فنجان القهوة في وسط المجلس ، ويقول : ( شومتكم بينتاكم ) .. أي أن على الجاهة أن تقوم بتكريم من تريد من أعضائها .. فيقدم أعضاء الجاهة أحدهم ، فيعتذر ويكرم آخرا بها ، حتى يستقر الاختيار على واحد ..

فيقوم من تم تكريمه ، بقول كلام مكرر ، كان بإمكان أي واحد أن يقوله ، فهو لا يحتاج الى مذاكرة و حفظ ، وليس هو بالكلام المعقد والخطير ، بل كلام يشير الى الرغبة في طلب القرب من أهل العروس ، ويضيف بعض الصفات التي تدلل على نبل و ندرة و أهمية أهل العروس ، وهي صفات لا أظن أنها قد قيلت لهؤلاء فقط ، ولا أظن أن أهل العروس سيرهنون موافقتهم على ضوء صياغة هذا الكلام .. بل هي نمرة في برنامج .. وعندما ينهي المتكلم ، قوله بأن قهوتكم لا تبرد ، يوافق والد العروس على طلب الجاهة وتنطلق الزغاريد ..

في كثير من الأحيان ، بل في كلها ، كان يتم كتابة عقد القران ، في نفس الجلسة ، ويبقي الوفد ( الجاهة ) .. حتى يتناولوا الطعام وهو غالبا ما كان يتم مساء .. أي طعام عشاء ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 02-07-2006, 04:54 PM   #35
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

مساحة الفقه الإسلامي في العقل العربي :

( 1 )

لم يستطع علماء الغرب أن يربطوا نمو تطور الفقه عند المسلمين ( والعرب منهم بالذات ) في علوم الغرب القديمة .. وإن حاولوا الاجتهاد في ذلك مرارا ، فيقول المستشرق (هملتن جيب ) : ( لقد استغرق العمل الفقهي خلال القرون الثلاثة الأولى (للهجرة ) الطاقات الفكرية لدى الأمة الإسلامية الى حد كبير لا نظير له ، إذ لم يكن المسهمون في هذا الميدان هم علماء الكلام والمحدثون والإداريون فحسب ، بل أن علماء اللغة و المؤرخين و الأدباء أسهموا في نصيب في هذه المجموعة من المؤلفات التشريعية و مناقشة القضايا التشريعية ، وقلما تغلغل الشرع في حياة أمة وفي فكرها هذا التغلغل العميق مثلما فعل في الأدوار الأولى من المدنية الإسلامية )* 1

لقد انتشرت الجهود الفقهية و نمت ، وكثرت المؤلفات فيها ، ويكاد لا يخلو بيت من مؤلفات فقهية ، حتى في العصر الحديث . ويكاد لا يخلو خطاب سياسي من الإشارة ، ولو بطرف خفي الى الفقه الإسلامي ، حتى ولو كان موقف الخطاب ، محسوبا على الخط الرافض لزج الدين في السياسة ، فكان الفقه ولا يزال يؤثر تأثيرا عظيما في كينونة المؤيدين للحكم الإسلامي و المعارضين له .

ولم يقتصر تأثير الفقه الإسلامي على العرب وحدهم ، بل على شعوب الأقطار التي دخلت في الإسلام .. والملاحظ أن تاريخ البلاد الداخلة في الإسلام ، والذي سبق دخولها فيه ، لم يؤثر أي تأثير ملحوظ في النشاط الفقهي لتلك الشعوب ، فقد كانت القاعدة القائلة : ( الإسلام يجب ما قبله ) .. هي خط البداية الجديد لتلك الشعوب في اشتراكها بالنشاط الفقهي ..


و قد يلاحظ المتتبع لتطور النشاط الفقهي ، بأن الفقه في عهد الرسول الكريم صلوات الله عليه وحتى نهاية العهد الأموي ، كانت صبغته عملية ، وليست نظرية .. فكان الناس يتساءلون عن حكم بعض القضايا ، بعد وقوعها ، ليحتكموا عند الشرع فيها و ينظروا ما يقول ..

لكن بعد انتهاء العصر الأموي ، أصبح الفقه يأخذ منحى أشبه ما يكون بالنشاط الرياضي الذهني ، فكان يفترض افتراضات و يضع حلولا لتلك الافتراضات و يحدث أن تبرز معارضات للحلول الموضوعة لتلك الفرضيات ، التي لم تحدث أصلا ..وهذا يدلل على نشاط أقرب ما يكون ل ( الفلسفي) منه الى غير ذلك .. وقد ترك هذا النمط من النشاط الذهني أثره على البحوث الإسلامية وعلى نشاط العقل العربي ، من زاوية إكتناه مواطن الصحة من الخطأ فيه .. وهو ما يطلق عليه في العصر الحديث بالنشاط (الإيبستمولوجي ) .

ولم يوظف الفقه ، علم الكلام واللغة و الشريعة فحسب ، بل ذهب أبعد من ذلك ، الى علم الحساب الذي كانت المعرفة فيه ستتمم القدرة على تنفيذ مطابقات قسمة الإرث وغيرها من استخراج الزكاة الخ ..

وإن كان علم الجبر العربي مدين لجهة في تطوره ، فالجهة ستكون ودون شك علم الفقه .. ولا عجب فقد كان الخوارزمي أبو الجبر والذي عاش قسما من حياته في عصر المأمون أحد العاملين بالفقه ، قبل أن يصل الى روائعه في اللوغاريتمات و الجبر !* 2

المراجع :
ــــ
1ـ هملتون جيب : دراسات في حضارة الإسلام ص 263 .. ترجمة احسان عباس / دار العلم للملايين 1964
2 ـ كتاب الجبر والمقابلة / تحقيق علي مصطفى /دار الكتاب /القاهرة 1968
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 11-07-2006, 11:51 AM   #36
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

( 14 )

في كثير من الأحيان ، يكون الفرح مؤلما ، كما هو الحزن مؤلم ، فمن يريد أن يفرح بزواج ابنه أو ابنته ، لو أحصينا لحظات الأسى لوجدناها تفوق لحظات السرور بدرجات كثيرة ، فمن التفكير بالمهر و التفكير بتذليل صعوبات أهل العروس ، للتفكير في مكان سكن العريس للتفكير في أثاث العرس ، و مأدبة الغداء ، و كلف الاحتفالات ، كلها مكابدة و آلام ..

يتواصى أهل العرس ، بالصمود فكلها عدة أيام وينتهي هذا العرس ، وكأنهم في نكبة أو حرب ، ويتواصى من سيقف معهم في أفراحهم ، بضرورة الذهاب للعرس ، حتى لو فيها تكليف و ثقل ، فأهل العرس متثاقلون و زوارهم متثاقلون ومع ذلك يصر الناس على إقامة الأعراس بأشكال لم تختلف كثيرا عن الماضي . لكن لو حاولنا تفسير ذلك ، فتزويج الابن هو من مسؤولية الأسرة ، فيقدم الناس على القيام بمسئولياتهم بخفة ، وتقاليد العرس هي من الواجبات ، فيتثاقل الناس من القيام بواجباتهم ..

ما أن تقترب أيام الزفاف ، فإن الاستعدادات بالعتيقة لتلك المناسبة تتزايد ، بطريقة محمومة ، فهناك من يشد (فرشات ) الصوف ، و الألحفة و الوسائد وهناك من يهتم بتنقية (البرغل ) .. وهناك من يحتاط على لوازم (الطبخ) من حطب و ذبائح و بصل و بهارات وغيرها ، و هناك من يذهب الى الأسواق لتكملة شراء أثاث العروس و ملابسها ، و هناك من يدهن (أوظة ) أو (غرفة) العريس .. ورشات مختلفة ، تؤدي كل ورشة عملها ، وتتكون تلك الورش من أهل البيت و الأقارب و الجيران ..

كانت ( التعاليل ) وهي سهرات الاحتفال بالزفاف تستمر عشرة أيام ، ثم تقلصت الى أسبوع ثم أصبحت أربعة أيام .. قبل وصول الكهرباء للعتيقة ..

كان الفتيان يقومون بتنقية الحصى و الحجارة من ساحة الاحتفال الليلية ، ويمهدونها بشكل جيد فيردمون الحفر الصغيرة ، ويزيلون النتوءات من الأرض ، حتى لا يلتوي كاحل بعض الراقصين في ( الدبكات ) .. ثم قبيل وصول المحتفلين ، ترش الأرضيات بقليل من الماء لمنع إثارة الغبرة ، وتنصب (سيبة) يعلق عليها (لوكس نفطي قوي) .. وتوقد في زاوية بعض النار لتسخين الطبلة التي تحدد إيقاع الرقص ، كلما تراخى إيقاعها ..

ثم تفتتح حلقة أو اثنتان من كبار السن ، في دور يقال له ( جوفية) .. ولا أظنها تحريفا ل (الجوبية ) العراقية .. بل لأن الكلام الذي يقال بها ، أصله من الجوف ـ الحجاز . فيقول أحدهم كلاما يردده الصف المقابل عشرة أو عشرين مرة دون ملل ، ويتحركون ببطء شديد .. و كأنهم في امتحان للمذاكرة في إعادة هذا اللون ، أو قد يكون هذا النمط من افتتاح الاحتفال هو إعلان لبدء السهرة ، حيث كانت أصواتهم تخترق كل أرجاء القرية ، يساعدهم في ذلك عدم وجود ضجيج .. فيتجمع الناس و المحتفلون ويتزايدون ..

ثم تنبري مجموعة من الشباب ، فيقومون بالدبكة ، وهي ذات إيقاع أسرع و أكثر حركة ، من اللون الأول ، وكانوا يلبسون ثيابا بيضاء مصبوغة بلون (نيلي) ، ويضعون في جيوبهم بعض القطع النقدية ، لتعطي رنات تضفي طابعا كانوا يفرحون به ، وإن لم يجدوا نقودا ، كانوا يلجئون لحيلة ، يكسرون قطعا من زجاج و يضعونها في جيوب ثيابهم ، فما أن يتقافزوا حتى ترتطم ببعض ، وتصدر صوتها المرغوب .

وهناك من على مقربة منهم ، تنبري امرأة ، غالبا ما تكون أم العريس أو خالته أو عمته ، فتقول كلاما بصوت عالي ، منظم تعلن عن فرحتها ، ذاكرة صبر الأم للحظوة برؤية ابنها و هو عريس ( تهاهي) .. وما أن تنتهي من نظمها البدائي لقولها .. فتنطلق الزغاريد من النسوة التي كانت بالأصل متهيئات لمثل هذا الدور .. وأحيانا تنطلق بعض العيارات النارية ، استكمالا لتصاعد إيقاع المشهد الاحتفالي ..

وبعد أن تخيم النشوة بالاحتفال ، و تغطي أجواء الاحتفال الحميمة على الساحة ، وبعد أن يتعب الشباب ، تنزل الفتيات في دور خاص بهن ، وهو دور لا يخلو من شد وانتباه لذويهن ، بأن يبقى في إطار الاحتشام ، وغالبا ما ينتقي الشباب أو حتى النساء زوجات المستقبل من مرونة حركة تلك الفتيات ..

يستمر هذا النوع من السهرات الى آخر ليلة ، والتي تسمى (ليلة الحنة) أو ليلة (القرى ) .. حيث ينفرد قسم من ذوي العريس في التحضير لطعام الغداء في اليوم التالي ، والذي يتكون من اللحم و البرغل و ( الكبة ) وكانت تسمى (كبة حيلة) .. حيث لا يكون بداخلها إلا (قمحا مجروشا مع البصل وقليل من الزيت) وعلى ما يبدو ( هنا جانب الاحتيال) .. فكانوا يصنعون منها كميات هائلة ، يزيد القمح المستخدم بها عن نصف طن .. حيث لا بد من إعطاء كل من يحضر (عونة) .. أن يأخذ من هذه الكبة لبيته ..

يباشر الناس بإرسال (عوناتهم ) وهي تتفاوت بين 20 كغم من القمح الى الخروف .. كمعاونة لأصحاب العرس .. فيضعون لهم قسم من الكبة حوالي (30 كبة) لكل من يحضر ( عونة) .. ويكون ذلك قبل صلاة الجمعة .. وبعد الصلاة ، يكون العريس ، قد اختار أحد البيوت للجيران أو الأقارب ، فبعد أن يقوم الشباب بإدخاله للحمام ، وتوظيبه ، وتقديم نصائحهم اللازمة ، يزفونه الى البيت المخصص من الجيران أو الأقارب .. ويؤخذ لمن زفه غداء الى ذلك البيت ، في حين يتناول الزوار طعام الغداء في بيت أبيه ..

في المساء و بعد أن تحضر العروس على فرس ، مغطاة بعباءة والدها ، يكون العريس لا زال في البيت الذي تناول فيه طعام الغداء ، فيحضر إلى من معه طعام العشاء ، ويقوم كل من تعشى بتنقيط العريس ، قدرا من المال ، وكل ذلك يسجل في دفتر ، و يعلن أمام الجميع ، حيث أن من يدور على ( المنقطين ) يصيح بأعلى صوته ( خلف الله عليك يا فلان ابن فلان أنت و أقاربك جميع .. محبة للنبي الشفيع ) ويقول الرقم الذي دفعه هذا ( الفلان ) .. وهكذا .. حتى يزف في النهاية العريس الى عروسه ..

وتبقى الأسر القريبة و الجيران يخصون العروسين بطعام خاص ، يسمى بأول يوم ( الصبحة ) .. وفي ثالث يوم ، يأتي أهل العروس و أعمامها و أخوالها لتنقيطها ، وطبعا هذا كان يدفعه أهل العريس مسبقا ، تحت مسمى ( عباءة العم ) و ( عباءة الخال ) ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 24-07-2006, 02:26 PM   #37
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

مساحة الفقه الإسلامي في العقل العربي :

( 2 )


لقد حاول الجهد البشري منذ العصور القديمة ، أن يضع قوانين خاصة بسير الحياة و تفسيرها ، فكانت شرائع حمورابي ، كما كانت الألواح الإثني عشر عند اليونان ، كما كان للرومان وأهل الهند و الصين قوانينهم القديمة ..

عندما انتشر الفقه عند العرب ، كنشاط مقابل للفلسفة عند اليونانيين ، وكانوا كما أسلفنا يطلقون عليه ( العلم ) وعلى من يمارسه من الفقهاء ( العلماء ) ، ظهر في القرن الهجري الثاني ، مدارس فقهية ، كان همها التشريع للمجتمع ، في حين ظهر نوع متقدم من تلك العلوم وهو أصول الفقه ، كانت مهمته التشريع للعقل ..

( إن القواعد التي وضعها الشافعي لا تقل أهمية بالنسبة لتكوين العقل العربي الإسلامي عن ( قواعد المنهج ) التي وضعها ديكارت بالنسبة لتكوين الفكر الفرنسي خاصة والعقلانية الأوروبية الحديثة عامة ) * 1

لقد ظهر تياران عند بداية تشكل الفكر العربي الإسلامي ، تيار يتمسك بالموروث الإسلامي و يدعو الى اعتماده ( أصلا) وحيدا للحكم على الأشياء ، وتيار يتمسك بالرأي ويعتبره الأصل الذي يجب اعتماده ، سواء في الحكم على ما جد من الشؤون أو في فهم الموروث الإسلامي نفسه .

وعندما لم يكن هناك من يتجرأ على التكذيب بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي تأتي قوتها في الفقه بعد كتاب الله عز وجل .. ولما كان جمع الحديث و تمحيصه و تصنيفه ، لم ينته بعد . كان لا بد أن تظهر نزعات في وضع قوانين خاصة لضبط شكل الفتاوى و ما ينتج عن الفقهاء من جهد .

لقد ظهر جدل عميق بين أهل النحو وأهل الكلام وتداخل مع النشاط الفقهي ، ففي حين تصدى أئمة المعتزلة ، وبعد تصفية الزنادقة ، الى النشاط الذي تسرب من خارج الدائرة العربية ، وبالذات أولئك الذي أتى من ( المانوية ) .. وقد تعدى نشاطهم هذا الجهات الخارجية ، ليتعقب ذلك النشاط داخل الدائرة الإسلامية العربية .. وهذا ما دفع ( أبو الحسن الأشعري ) للتأسيس لعلم الكلام ( والذي يقابل علم المنطق الغربي ) .. كما ظهر في علم النحو الذي كان يوظف في (التأويل ) ولم يكن بعيدا عن النشاط الديني بأي حال .. فكان الخليل بن أحمد وتلميذه ( سيبويه ) ..


كان الشافعي(150ـ 204 هـ) صاحب كتاب (الرسالة) معاصرا للخليل ابن احمد ، وتلميذه سيبويه ، وكان الخليل مؤسس علم ( العروض) و سيبويه مؤسس قواعد علم النحو وصاحب المؤلف الشهير ( الكتاب ) ولما كان الخليل قد وضع قوانين لضبط الشعر ، وسيبويه يضع قوانين لضبط النحو .. وطبعا إن الشافعي الطالب للعلم و الأستاذ المفكر الذي نظم الشعر و تفقه في اللغة و أصولها ، وتجول على كبار الشيوخ في كل منحى ، كان لا بد له أن يفكر بوضع قوانين للفقه ، وان كان يؤسس لنظام ( البيان ) نفسه .. فكان يتساءل : كيف البيان ؟ ويجيب :

( البيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول ، متشعبة الفروع . فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة : أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه ، متقاربة الاستواء عنده ، وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض ، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب ) * 2

وهنا يحصر الشافعي مسألة البيان في خمسة وجوه :

الأول : ما أبانه الله لخلقه نصا بحيث لا يحتاج الى تأويل أو توضيح لأنه واضح بذاته ..ثانيا : ما أبانه الله لخلقه نصا ولكنه احتاج لنوع من التوضيح . ثالثا: ما أحكم الله فرضه في كتابه وبين كيف هو على لسان نبيه . رابعا : ما سكت عنه القرآن ولكن الرسول صلوات الله عليه أبانه فصار في قوة الوجوه السابقة . وأخيرا ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه . يقول الشافعي ( ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حل أو حرم إلا من جهة العلم . وجهة العلم : الخبر في الكتاب والسنة ، أو الإجماع أو القياس ) * 3

لقد كان الشافعي المشرع الأكبر للعقل العربي ، وقد كان الرأي قبله ، خصوصا عند أبي حنيفة ، حرا طليقا ، فقيده الشافعي واشترط عليه المعرفة بأخبار السلف و أصول اللغة .. وطبعا هذا الجانب الآخر من فكرة البيان ( الفقه واللغة)

يروى أن رجلا سأل أبا حنيفة عن شيء فأجابه فيه ، فقال الرجل معترضا : أنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا .. فقال أبو حنيفة : دعنا من هذا .. وروي عنه أن أحدهم ذكر أمامه أن ( البيِعان بالخيار ما لم يفترقا) أي أن البائع و الشاري يمكنهما التراجع عن صفقتهما طالما بقيا في نفس المكان . فقال أبو حنيفة محتجا : ( أرأيت ان كانا في سفينة ؟ أرأيت إن كانا في سجن ؟ أرأيت إن كانا في سفر ) .. وهي دلالة على عدم رضاءه عن تلك القاعدة بشكل مطلق ..بل لكل حادثة بيع ظرفها ..وهناك حادثة الذي حلف أن يطأ امرأته في رمضان وفي النهار .. كيف أفتاه أبو حنيفة بوجوب سفره الذي يحلل له الإفطار ثم عدم منع وطأ زوجته * 4

يتبع
ــــ
المراجع :
1 ـ دراسات في تاريخ الفكر العربي /د خليل السامرائي جامعة الموصل ص 159 / 1986
2 ـ تكوين العقل العربي / د محمد عابد الجابري / مركز دراسات الوحدة العربية /بيروت ط5 1991/ ص 103
3ـ الجابري / المصدر السابق 105
4ـ الجابري / المصدر السابق ص 106
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 26-07-2006, 01:21 PM   #38
محمد الحبشي
قـوس المـطر
 
الصورة الرمزية لـ محمد الحبشي
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2006
الإقامة: بعيدا عن هنا
المشاركات: 3,527
إفتراضي

دراسة أكثر من رائعة ... تستحق الإعجاب والمتابعة الشديدين ....

أخشى أن أفسد أو أقطع تسلسل الموضوع بمشاركتى هذه ......
__________________

محمد الحبشي غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 28-07-2006, 02:22 PM   #39
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

(15)

لو جلس أربعة مقامرين ، كل واحد يملك مائة دينار ، فإن كل حالات اللعب لن تجعل مجموع ما معهم أكثر من أربعمائة دينار ، فقد يكسبها الأول أو الثاني أو أي واحد ، لكنها لن تزيد . تلك الحالة نجدها في أي نوع من الصداقات فإن كان كل الأصدقاء ، يتصفوا بقلة إمكانياتهم الثقافية ، فلن تتطور مهارات وممتلكات أي واحد منهم من المعلومات الثقافية ..

في العتيقة ، لم يكن للنقد قيمة ، بل كان للعرق ( الجهد ) قيمة ، ولا زلت أذكر أن الليرة الذهبية ( العصملية ) كانت تقل بقيمتها عن الدينار المحلي ، لا تستغربوا ، فاقتناء الذهب ، دائما يأتي على هامش فائض المدخرات ، فكانت كل البلاد تعاني من ذلك .. فلا قيمة للذهب ، أو له قيمة ولكن لا أحد يدرجه مع أولوياته ..

كان أكثر من خمس و تسعين بالمائة من أهل العتيقة يعملون بالفلاحة ، وكان همهم كما ذكرنا يقتصر على تلبية الحاجات الأساسية من سكن وقوت ولبس و الحفاظ على أنفسهم من الانقراض . لم يكن الادخار يشغل بالهم ، وكذلك النقد أو ما يدل عليه . فكانوا يتبادلون بالمبادلة بقرة بنصف طن ( قنطارين ) من الحنطة ، عروس بقطعة أرض ، قليل من الحلو الذي يحن إليه الأطفال بدل بيضة دجاج ، وهكذا ..

لم يكن في البلدة الكثير من الحرف و المهن ، كان بها مجموعة من الدكاكين ، ومحل لصناعة (الفروات ) ، ومحل للبيطار لتبديل حذوات الخيل ، أو علاجها ، ومحل لصناعة ( الجلالات ) أي ما يوضع على ظهر البهائم ، ومحل لصناعة (الهريط ) وهو عمل كانت تطبخ به عظام (الجمال ) ليستخرج منها محلول غروي يشبه ( الجلي ) .. يفطر عليه بعض الناس .. ومحل لتصليح (البوابير) كان صاحبه يسمى ب (السمكري ) لتصليح مشاعل الطبخ و الفوانيس و غيرها ، ومحل لخياطة ملابس الرجال ، ولم يكن يحتاج لفنون كثيرة ، فهي ملابس أشبه بالأسطوانات ، مع بعض الإضافات البسيطة ..

أما الدكاكين فكانت في البداية لتجار قدموا من ( الشام ) أو ( القدس ) ، ثم تركوا القرية لعدم ملائمتها لطموحاتهم . ثم أصبحت ملكيتها لأبناء العتيقة ، كان فصالها و شكل ديكورها الداخلي موحدا ، فكان لها مصطبة خارج بابها ، بارتفاع نصف متر ، يجلس عليها الرجال في أوقات فراغهم وما أكثرها ، يتحادثون ويشهدون على عمليات المبايعة القليلة . ويلعبون (المنقلة ) وهي قطعة خشب جوز سميكة محفور بها عدة حفر ، توضع الحصى في كل حفرة وفق نظام يعرفوه ، أو يلعبون ( القطار ) أو ( الياس وديس ) وهي لعبة يرسمونها على سطح بثلاث مربعات داخل بعضها البعض ، ثم يوصلون خطوطا تخترق أواسط الأضلاع ، فيضعون تسع قطع من الحصى لكل لاعب تختلف ألوانها من لاعب لآخر ، ويحركون الحصى بالتناوب حتى يكسب أحدهما .

أما داخل الدكان ، فكنت تصادف مصطبة أخرى عند الباب ، يتمدد عليها البائع لندرة المشترين ، ويفصل المصطبة عن جسم الدكان ( مد ) خشبي يوضع فوقه الميزان ، ومن خارج هذا المد تجد (شوالات ) غير ممتلئة بها من أصناف الحبوب ، وهي عادة تزيد في محتوياتها ، ولا تقل ، لأن ما بداخلها كان نتيجة دفع الزبائن أثمانا لما اشتروه .. وعندما تمتلئ تلك العبوات يأخذها صاحب الدكان الى مخزن أو يبيعها لتجار الحبوب ..

أما البضائع التي كانت تكون باستمرار في الدكاكين ، فكانت السكر والشاي والصابون و بعض أدوات المطابخ كالمنخل و السكين و ملاقط الغسيل وليف الحمَام ، وحجار النيلة وأبر الخياطة ، والملح والفلفل و القهوة والهال و أنواع من الحلويات التي انقرضت ك ( القوم والقنبز والكعكبان و الراحة والفيصلية ) ، وكانت توضع في ( مرتبانات لها أغطية تصف على الرفوف ..وأحيانا تجد بعض الفواكه كالعنب والتين الخ ..

إن أجواء كهذه كانت تجمع الذباب ، فكنت تلاحظ شريطا لاصقا يتدلى من أعلى الدكان لارتفاع أعلى من الرأس بقليل ، وقد التصق به الذباب حتى أصبح لونه أسودا أو لونا (ذبابيا ) ..

هناك نوع غريب من علاقات البيع والشراء كنت لا أفهمه كثيرا ، حيث كان يتجول في البلدة ، أناس غرباء ، يركب أحدهم حصانا أو حمارا ، ويبيعون الزيت و الأقمشة أو يصيحون ( مبيض .. مبيض ) وكان من يصيح يهتم بمعالجة أواني الطبخ النحاسية التي مر عليها وقت دون تبييض . كما كان أحدهم يصيح ( رشادي .. غوازي ) .. وكان يبيع الصيغة ( أي الحلي الذهبية والفضية ) .

الأمر الذي كنت أستغربه ، هو أن من يبيع الصيغة ، كيف كان يأتمن على ماله وحليه في الطريق من قطاع الطرق ، فاكتشفت في وقت متأخر ، أنه كان يودع حصانه عند أحد أهالي العتيقة ويأتي بالباص ، مقابل شيء يتفق عليه .

كما كان هناك قسم من الغجر يأتون في مواسم الحصاد ، ويبيعون أدوات يحتاجها الفلاحون في أعمالهم كالغرابيل و الكرابيل و المقاطف و المذاري والشواعيب ، وغيرها من تلك السلع ..

وقد رأيتهم كيف يصنعون الغرابيل (جمع غربال ) والكرابيل ( جمع كربال ) وغيرها .. فبعد أن يعالجوا الخشب بالماء والحرارة ويجعلون منه دائرة . يكونوا قد قاموا باستغلال أي جلد حيوان يلقوه ، سواء كان ميتا أو مذبوحا ، فيدبغوه ، ويجففوه تحت الشمس مثبتينه بأعواد ترتفع قليلا عن الأرض ، ثم يقددون الجلد ليعملوا منه خيطانا جلدية يدخلوها في ثقوب (الطارة ) الخشبية ويشدونها فتصبح جاهزة .. وكانوا يفهموا بالقياسات ، فتلك للقمح وتلك للشعير وتلك للحمص الخ ..

لم يكن أحد يفكر بتطوير عمله ، فالتقنيات محدودة ، والعادات المهنية قد تكون ممتدة الى آلاف السنين السابقة ، فقد يكون الشكل الذي رأيناه في منتصف القرن العشرين يشابه لحد كبير ما كان سائدا في العصر العباسي ، وقد يكون صدر الدولة العباسي يتفوق على ما شاهدناه في منتصف القرن العشرين في العتيقة .. حيث لم تكن علاقات الإنتاج التي كانت بوادرها قد تكونت في عصر المعتصم وما تلاه ، فقد كان هناك شيخ لكل مهنة يحتكم الممتهنون عنده في حالات الخلاف .. وتطورت حركة القرامطة لتفرز شكلا له طابع سياسي في بعض الأحيان .. أما في العتيقة ، فكان الاجتهاد هو الحكم في الخلافات ، فيبدو أن الناس لم يكونوا مطلعين على تجارب من قبلهم أو من يجاورهم من التجمعات السكانية الأكثر تقدما ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
قديم 09-08-2006, 06:58 PM   #40
ابن حوران
العضو المميز لعام 2007
 
الصورة الرمزية لـ ابن حوران
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2005
الإقامة: الاردن
المشاركات: 4,387
إفتراضي

جزيل الشكر لمروركم الكريم ..
__________________
ابن حوران
ابن حوران غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .