العودة   حوار الخيمة العربية > القسم الثقافي > مكتبـة الخيمة العربيـة > دواوين الشعر

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: حزيران (آخر رد :ابن حوران)       :: قراءة فى كتاب الحجاب (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد ديوان معاوية بن أبي سفيان (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد مسرحية طرطوف لموليير (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد كتاب أحاديث منتقاة في غرائب ألفاظ رسول الله(ص) (آخر رد :رضا البطاوى)       :: هل يتسرب اللقاح ضد كورونا إلى لقاحات الأطفال؟ (آخر رد :محمد محمد البقاش)       :: عيد الكمامة (آخر رد :عبداللطيف أحمد فؤاد)       :: نقد كتاب الإعجاز الخبري (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نقد رباعيات أى كفريات الخيام (آخر رد :رضا البطاوى)       :: كتب للحمل من هذا الرابط (آخر رد :محمد محمد البقاش)      

المشاركة في الموضوع
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
غير مقروءة 10-01-2009, 04:46 AM   #91
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المستثنى بـ [إلاّ]



المستثنى بـ [إلاّ]: اسمٌ يُذكَر بعدَ [إلاّ]، مخالفاً ما قبلَها. نحو: [جاء الطلاّبُ إلاّ خالداً]. وهو منصوبٌ، قولاً واحداً. غير أنه إذا سبقه نفي أو شبه النفي(1)، جاز مع النصب، إتباعه على البدلية مما قبله نحو:

[ما جاء الطلاّبُ إلاّ خالداً + خالدٌ: (بدل من الطلاّبُ)]

[ما مررت بالطلاّبِ إلاّ خالداً + خالدٍ: (بدل من الطلابِ)]

فإذا تقدّم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه نحو: [لم يسافر إلاّ خالداً أحدٌ].

ملاحظة: قد يأتي المستثنى ولا صلة له بجنس ما قبله، فيسمُّون ذلك [الاستثناء المنقطع] نحو: [وَصَلَ المسافرُ إلاّ أمتعتَه].

تنبيه ذو خطَر:

إذا كان الكلام قبل [إلاّ] غير تام، وكان معتمداً على نفي أو شبهه، فهو حَصْرٌ أو قَصْر، لا استثناء. فالتراكيب التالية: [ماجاء إلاّ خالدٌ، وما رأيت إلاّ خالداً، وما مررت إلاّ بخالدٍ] ليست تراكيب استثناء، (وإنْ كانت كتب الصناعة، تجعلها من تراكيب الاستثناء وتخلطها بها). وإنما هي - كما تقول كتب البلاغة - تراكيبُ [قصْر أو حصْر]. ومنها قوله تعالى ]وما محمدٌ إلاّ رسول[ أي: [محمّد صلى الله عليه وسلّم رسول، مقصور على الرسالة]، لا أنّ كلمة [رسول] مستثناة من [محمّد] !! يدلّك على صحة ما نقول، أنّ [خالد] في التركيب الأول فاعل، وفي الثاني مفعول به، وفي الثالث مجرور بالباء، ولا صلة لكل ذلك بالاستثناء !!

* * *

نماذج فصيحة من استعمال المستثنى بـ [إلاّ]

· ]الأخِلاّء يومئذٍ بعضُهمْ لبعضٍ عدوٌّ إلاّ المتّقين[ (الزخرف 43/67)

[المتقين]: مستثنى بإلاّ، منصوب على المنهاج. إذ كلّ مستثنى منصوب قولاً واحداً. (غير أنه إذا سبقه نفيٌ أو شبهه(2) جاز مع النصب إتباعه على البدلية).

· ]فشربوا منه إلاّ قليلاً منهم[ (البقرة 2/249) (أي: شربوا من النهر)

[قليلاً]: مستثنى بإلاّ، منصوب على المنهاج.

· ]ما فعلوه إلاّ قليلٌ منهم[ (النساء 4/66)

[قليلٌ = قليلاً]: هاهنا مستثنى بإلاّ. والقاعدة أنّ المستثنى بإلاّ منصوب قولاً واحداً، إلاّ إذا سبقه نفي أو شبهه، فيجوز مع النصب إتباعه على البدلية. ولقد تحقق ذلك في الآية كما ترى، إذ سَبَقَ المستثنى هاهنا نفيٌ: [ما فعلوه]، فجاز إذاً مع النصب، الرفعُ على البدلية من ضمير الفاعل وهو الواو من [فعلوه]. ومن هنا كان للآية قراءتان: قراءة السبعة، ماعدا ابن عامر [إلاّ قليلٌ] على البدلية، وقراءة ابن عامر [إلاّ قليلاً] على الاستثناء.

· ]ولا يلتفِتْ منكم أحدٌ إلاّ امرأتك[ (هود 11/81)

[امرأتَك = امرأتُك]: هاهنا مستثنى بإلاّ. سُبِقَ بنهي: [لا يلتفتْ]، فجاز إذاً مع النصب، الرفعُ على البدلية من [أحدٌ]. ومن هنا كان للآية قراءتان: قراءة أبي عمرو وابنِ كثير [إلاّ امرأتُك] بالرفع على البدلية، وقراءة الباقين بالنصب [امرأتَك] على الاستثناء.

· ]ومَن يقنطُ من رحمة ربِّه إلاّ الضالّون[ (الحِجر 15/56)

[الضالّون]: اسم مرفوع على البدلية من ضمير: [يقنط] وهو فاعل. وذلك أن المستثنى سبق باستفهام: [مَن يقنط؟]، فجاز مع النصبِ الرفعُ. ولولم يكن الكلام قرآناً، لصحّ قولُك: [الضالّين] ناصباً على الاستثناء. وقُلِ الشيءَ نفسَه في قوله تعالى: ]ومَن يغفر الذنوبَ إلاّ الله[ (آل عمران 3/135)، فلفظ الجلالة [الله]، وإن جاء مرفوعاً في الآية، يصحّ نصبه أيضاً من الوجهة الصناعية. فأنت ترى هاهنا أنْ قد سبقه استفهام: [مَن يغفر؟]، فجاز مع النصب الإتباع على البدلية. وقد رُفع هاهنا على البدلية من ضمير [يغفر]، وهو فاعل. ولولا أنّ الكلام قرآن، لصحّ النصب على الاستثناء أيضاً: [إلاّ اللهَ].

· قال النابغة الذبياني، يذكر دار ميّة:

وقفتُ فيها أُصَيْلاناً أُسائلُها عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبع مِن أحدِ

إلاّ الأَوارِيَّ لأْياً ما أُبَيِّنها ..............................

(أصيلان: تصغير أَصيل - عيَّتْ: عجزتْ أن تجيب - الأواريّ: مرابط الخيل - لأياً: أي: بعد جهدٍ).

[الأواريّ]: مستثنى بإلاّ، ولكن لا صلة له بجنس ما قبله، وهو المستثنى منه [أحد]، فهنا مرابط خيل، وهناك سُكّان رَبعِ ميّة. وبتعبير آخر: إنّ المستثنى [الأواريّ] لا صلة له بجنس المستثنى منه: [أحد]. وكتب الصناعة تسمّي هذا الصنف من الاستثناء: [الاستثناء المنقطع].

ومهما يَدُر الأمر فقد جاء منصوباً على المنهاج، إذ هو ككلّ مستثنى، حكمُه النصب قولاً واحداً. إلاّ إذا سبقه نفي أو شبهه (أي: نهي أو استفهام)، فيجوز مع النصب الإتباع على البدلية.

· ومن هذا الصنف من صنوف الاستثناء (أعني الذي يسمونه: الاستثناء المنقطع) قوله تعالى: ]ما لهم به من علم إلاّ اتّباعَ الظنّ[ (النساء 4/157)

فالمستثى هنا هو: [اتّباعَ الظنّ]، واتّباع الظنّ لا صلة له بالعلم. وقد جاء نصبه على المنهاج في نصب المستثنى بإلاّ.

· قال الكميت:

وما ليَ إلاّ آلَ أحمدَ شيعةٌ وما ليَ إلاّ مذهبَ الحقّ مذهبُ

الأصل في التركيب أن يقال: [ماليَ شيعةٌ إلاّ آل أحمد]، ولكنّ الشاعر قدّم المستثنى بإلاّ، وهو: [آل أحمد] فوجب النصب. وذلك أنّ المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه - كما في بيت الكميت - وجب النصب، وامتنع ما عداه.

ويحسن أن نوجّه النظر هنا، إلى أنّ في البيت تركيباً آخر هو: [ما ليَ إلاّ مذهبَ الحقّ مذهبُ]، وهو مثل التركيب الأول طِبقاً. فقسه عليه.

ومن ذلك قول حسان بن ثابت في يوم (بدر):

وَفَوا يومَ بدرٍ للرسول وفوقهمْ ظلالُ المنايا والسيوفُ اللوامعُ

.......

لأنهمُ يرجون منه شفاعةً إذا لم يكن إلاّ النبيّينَ شافعُ

فالأصل في قوله: [لم يكن إلاّ النبيين شافعٌ] هو: [لم يكن شافعٌ إلاّ النبيين]، (فهو مما يجوز معه الرفع أيضاً - لو أنّ الشاعر أراد ذلك - إتباعاً على البدلية من المستثنى منه المرفوع: [شافعٌ]. أي كان يجوز له أن يقول أيضاً: [إلاّ النبيون]. إذ القاعدة: أنّ المستثنى بـ [إلاّ] منصوب قولاً واحداً، إلاّ إذا سبقه نفي أو شبهه، فيجوز مع النصب الإتباع على البدلية). وقد قدّم الشاعر المستثنى على المستثنى منه، فوجب النصب قولاً واحداً.

هذا، ونورد فيما يلي نماذج من تراكيب الحصر، وإن كانت أحكامه لا علاقة لها بأحكام الاستثناء، مبتغين من ذلك مزيداً من إيضاح الفرق بينهما:

· قال الشاعر:

ما لكَ مِن شيخِكَ إلاّ عملُهْ إلاّ رسيمُهُ وإلاّ رَمَلُهْ

(الرسيم والرمَل: نوعان من السير).

في البيت مسألتان:

الأولى: أنّ [إلاّ] مِن قوله: [إلاّ عملُه]، ليست أداة استثناء، وإنما هي أداة حصر (ويسمونه القصر أيضاً، وهو إثبات حُكْمٍ لشيء، ونفيه عما عداه). ومن شروطه أن يكون الكلام غير تام. وقوله: [ما لك من شيخك] غير تام. وأن يتصدّره نفي أو نهي أو استفهام. وقد تصدّرته هنا أداة نفي هي: [ما]. ومن الأدلة على القصر في التركيب، أنْ ليس هاهنا مستثنى منه. فإذا كان ذلك - وهوكائن - فكيف يصحّ في العقول أن نستثنيَ شيئاً، من أشياء لا وجود لها؟! وتأمّل البيت، تجد ما قلناه منطبقاً عليه معنىً وإعراباً: وذلك أنك إذا حذفت من الكلام ما فيه من الحشو، بقي: [ما لك إلاّ عملٌ]، وبالإعراب ترى أنّ:

[ما] نافية، وبتصدّرها التركيب يتحقق شرط من شروط القصر (أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام).

[لك] شبه جملة: خبر مقدّم.

[إلاّ] أداة حصر.

[عملٌ]: مبتدأ مؤخر.

فأين المستثنى منه؟! إنّ التركيب تركيب قصر !!

المسألة الثانية: تكرار [إلاّ]. فأما أولاهنّ فأداة قصر، كما ذكرنا آنفاً. وأما الثانية فزائدة، و[رسيمُه] بدل من [عملُه]. وأما الثالثة فزائدة أيضاً، و[رملُه] معطوف على رسيمُه]. ومن المفيد أن نقول هنا: [إلاّ] تتكرر للتوكيد، فتكون زائدة.

· ]إنْ أنتَ إلاّ نذير[ (فاطر 35/23)

الأداة [إنْ] في صدر التركيب أداةُ نفي، معناها [ما]. ومن شروط القصر، أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. وعلى ذلك يكون المعنى: ما أنت إلاّ نذير. وليس هاهنا تركيب استثناء، بل تركيب قصر. يدلّك على ذلك أنّ المعنى قبل [إلا] غير تام، ومنه فليس قبل [إلاّ] مستثنى منه، وكلمة [نذير] - إذاً - ليست مستثنى، بل هي خبر مرفوع، للمبتدأ: [أنت]. وكم بين المستثنى المنصوب والخبر المرفوع من البَوْن!!

· ]ما على الرسول إلاّ البلاغ[ (المائدة 5/99)

الأداة [ما] في صدر التركيب أداة نفي. ومن شروط القصر أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. وليس في الآية تركيب استثناء، بل فيها تركيب قصر. وذلك أنّ المعنى قبل [إلا] غير تام. وكلمة [البلاغُ] وإنْ جاءت بعد [إلاّ]، فإنها مبتدأ مؤخّر، وشبه الجملة: [على الرسول] خبر مقدَّم. ولو تغافلنا موقتاً عن أداة النفي: [ما]، وأداة الحصر: [إلاّ]، لاتّضح أنّ التركيب في الأصل هو: [على الرسول البلاغُ].

ويكفي دليلاً على صحة ما نقول، أنْ ليس قبل [إلاّ] مستثنى منه، فإذا كان ذلك، وهو كائن، فكيف يصحّ في العقول أن نستثنيَ شيئاً، فنخرجه من أشياء لا وجود لها؟!

· ]ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ[ (النساء 4/171)

الأداة [لا] في صدر التركيب، أداة نهي. ومن شروط القصر، أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. وليس في الآية تركيب استثناء، بل فيها تركيب قصر.

وذلك أنّ المعنى قبل [إلا] غير تام، إذ لا يتم إلا بكلمة [الحق]. وكلمة [الحقَّ] بعد [إلاّ]، مفعول به لا مستثنى بإلاّ. ولو تغافلنا موقتاً عن أداة النهي: [لا]، وأداة الحصر: [إلاّ]، لاتّضح أنّ التركيب في الأصل هو: [قولوا الحقَّ]. ومن الأدلة على هذا أنْ ليس قبل [إلاّ] مستثنى منه. والعقل لا يسلّم باستثناء شيء من أشياء لا وجود لها. ومن ثم يكون التركيب تركيب قصر لا تركيب استثناء.

· ]فهل يُهلَك إلاّ القومُ الفاسقون[ (الأحقاف 46/35)

الأداة [هل] في صدر التركيب أداةُ استفهام. ومن شروط القصر، أن تتصدره أداة نفي أو نهي أو استفهام. والآية إذاً ليس فيها تركيب استثناء، بل فيها تركيب قصر. وذلك أنّ المعنى قبل [إلا] وهو [فهل يُهلك] غير تام.

وكلمة [القومُ] بعد إلاّ، نائب فاعل، لا مستثنى بإلاّ. ولو تغافلنا موقتاً عن أداة الاستفهام: [هل]، وأداة الحصر: [إلاّ]، لاتّضح أنّ التركيب في الأصل هو: [يُهلَكُ القومُ]. ومن الأدلة على هذا أنْ ليس قبل [إلاّ] مستثنى منه. وذلك برهان قاطع، على أنّ التركيب تركيب قصر لا تركيب استثناء.



* * *



عودة | فهرس



--------------------------------------------------------------------------------

1- شبه النفي هنا، هو النهي والاستفهام.

2- شبه النفي هنا، هو النهي والاستفهام.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:47 AM   #92
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المصدر

المصدر اسم يدلّ على الحدث(1).

فأمّا مصدر الفعل الثلاثي فسماعي، يُعرف بالرجوع إلى المعاجم.

وأما مصدر ما فوق الثلاثي، من رباعي أو خماسي أو سداسي، فقياسيّ. ودونك حديثَ ذلك:

تمتاز مصادر الأفعال فوق الثلاثية بموسيقى إيقاعيّة، تسبق إلى اللسان والأذن جميعاً، بلا استثناء في إيقاعها، ولا اختلاف في حركاتها وسكناتها.

1- فإذا قلت مثلاً: عَظَّمَ فالمصدر تَعْظِيم، حتماً.

وذلك أن كل فِعلٍ وزنه [فَعَّل]، فإن مصدره [تَفْعِيل]:

فـ: شَمَّر تَشْمير تَفْعِيل

و: صغّر تصغير =

و: حرّك تحريك =

و: سكّن تسكين =

و: صمّم تصميم تَفْعِيل وهكذا...(2)

2- وإذا قلت ساهَمَ مثلاً، فالمصدر مُساهَمَة حتماً. وذلك أنّ كل فعل وزنه [فاعَلَ] فإن مصدره [مُفاعَلَة]:

فـ: ناظَرَ مُناظَرَة مُفاعَلَة

و: يامَنَ مُيامَنَة =

و: ياسَرَ مُياسَرَة =

و: سامَرَ مُسامَرَة =

و: باعَدَ مُباعَدَة = وهكذا...

3- وإذا قلت دحرج مثلاً، فالمصدر دحرجة حتماً (3).

وذلك أنّ كلّ فعل وزنه [فَعْلَلَ]، فإن مصدره [فَعْلَلَة].

فـ: عَسْكَر عَسْكَرَة فَعْلَلَة

و: بَعْثَر بَعْثرة فَعْلَلَة

و: فرقع فرقعة =

و: زلزل زلزلة =(4)

و: زخرف زخرفة = وهكذا...

4- ثم إن كلّ فِعْلٍ زِدتَ في أوّله تاءً، فلفظُه ولفظُ مصدرِه سواء، إلا الحرف الرابع من المصدر، فيُضَمّ:

فـ: تَبادَلَ مصدره تَبادُل

و: تَزَلْزَلَ = تَزَلْزُل

و: تَكَلَّمَ = تَكَلُّم

و: تَسَرْبَلَ = تَسَرْبُل

و: تَعَجْرَفَ = تَعَجْرُف وهكذا...

بعد هذه الأنماط الأربعة من الأفعال فوق الثلاثية ومصادرها، نورد القاعدة التالية، وهي أنّ:

[كلّ فعل ماض زاد على ثلاثة أحرف، مبدوءٍ بهمزة(5)، فلفظُه ولفظُ مصدره سواء، عدا أن أول المصدر مكسور حتماً، وقبل آخره ألِفٌ حتماً](6).

فـ: أَكرمَ مصدره إِكرام

و: أسرعَ = إِسراع

و: أنزلَ = إِنزال وهكذا...

[فإن كان خماسيّاً أو سداسيّاً، كُسِر ثالثُه أيضاً].

فـ: اِنحدرَ مصدره اِنحِدار

و: اِطمأنَّ = اِطمِئنان

و: اِستخرجَ = اِستِخراج وهكذا...



* * *



عودة | فهرس





--------------------------------------------------------------------------------

1- فائدة للشّداة من الطلاب: إن مما يسهّل معرفة مصدرِ فِعلٍ من الأفعال مثل: [كتَبَ - نَامَ - حَفِظَ - سافَرَ - بَكى - شَرِبَ إلخ] أن يؤتى برَوْسَم (كليشة) لا يتغيّر هو: [حَدَثَ فِعْلُ...]، فتكون الكلمة الثالثة هي المصدر. وتطبيقاً على الأفعال المذكورة آنفاً يقال: [حَدَثَ فِعْلُ الكِتابة - حَدَثَ فِعْلُ النَّوم - حَدَثَ فِعْلُ الحِفْظ - حَدَثَ فِعْلُ السَّفَر - حَدَثَ فِعْلُ البُكاء - حَدَثَ فِعْلُ الشُّرْب] والكلمات: [الكتابة - النوم - الحفظ - السفر - البكاء - الشرب] هي المصادر.

2- من تفريع هذا الوزن، أنّ [فَعّلَ] إذا كان آخره حرف علّة، نحو: [عرّى] فالمصدر [تَفْعِلَة]: [تَعْرِيَة].

فـ: وصّى توصية تَفْعِلَة

و: زكّى تزكية =

و: عدّى تعدية =

و: سمّى تسمية =

و: سلّى تسلية = وهكذا..

لكنّ من يتأمل يتبيّن له أن [سمّى] مثلاً، وزنُه [فَعَّلَ]، وذلك لأن الأصل فيه [سَمَّيَ]، وأن [التسمية] وزنُها [تفعيل]، لأن الأصل فيها [تَسْمِيْي]، ثم حذفت الياء للتخفيف، وعوّض منها التاء فقالوا: [تسمية]، وقس على ذلك. فالفرق إذاً بين [التَّفْعِيل] و[التَّفْعِلَة]، إنما هو فرق ظاهري، وإلا فإن هذا - في الأصل - هذا، والقاعدة لم تنكسر.

3- يلحق بـ [دَحْرَجَ]، كلُّ فِعلٍ يماثله في حركاته وسكناته، نحو بَسْمَلَ وزَلْزَلَ وبَيْطَرَ... وأما اختلاف الحروف ما بين لام وصاد وباء وعين إلخ... فلا قيمة له في إيقاع الوزن.

4- إذا كان الفعل مضاعفاً، نحو: [زلزل ودندن] أي متماثل الأول والثالث، فله مصدر قياسيّ آخر هو [فَعْلال]، فيقال: [زلزل: زلزلة وزَلزالاً، ودندن: دندنة ودَنداناً].

5- لا فرق في ذلك بين همزة وصل وهمزة قطع.

6- إذا كان قبل آخر الفعل ألِفٌ أيضاً، نحو: [أقام - استقام - أحال - استحال...] تعذّر تتابعُ أَلِفَيْن قبل الآخر: [ألِف الفعل وألف المصدر]، فتحذف ألف، ويُؤتى في آخر المصدر بتاء مربوطة. فـ: [أقام مصدره إقامة] و[اِستقام مصدره اِستقامة] و[أحال مصدره إحالة] و[اِستحال مصدره اِستحالة] وهكذا...
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:48 AM   #93
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المصدر الصناعي



المصدر الصناعي: اسمٌ زِيدتْ في آخره ياء مشدّدة، بعدها تاء مربوطة: [يّة]، للدلالة على ما فيه من الخصائص. نحو: [الإنسانيّة]، فإنها تدل على خصائص الإنسان، و [اللصوصيّة]، فإنها تدل على خصائص اللصوص.

ولا فرق في ذلك بين أن يكون الاسم عربياً أو أعجمياً، أو جامداً أو مشتقاً، أو مثنىً، أو جمعاً،... نحو: [الحيوانية - الرأسمالية - الاشتراكية - الأقدمية - الكيفية - الماهيّة - الهويّة - الأنانية - الديموقراطية...].



* * *
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:49 AM   #94
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المصدر الميميّ

هو مصدر قياسيّ، يُبْدَأ أبداً بميم زائدة(1)، ويساوي المصدر الأصلي في المعنى(2)، والدلالةِ على الحَدَث.

صَوْغُه:

¨ يصاغ من الثلاثي على وزن [مَفْعَل] قياساً مطّرداً، نحو: [مَجْلَس، مَصْبَر، مَوْعَد، مَوْصَل...] تقول:

المَصْبَر خيرٌ من المَشْكى = الصبر خير من الشكوى.

والمَجْلَس بعد المَرْكَض مُريح = الجلوس بعد الركض مريح.

والمَوْفَى بالمَوْعَد فضيلة = الوفاء بالوعد فضيلة(3).

¨ ويصاغ من غير الثلاثي على وزن اسم المفعول نفسِه. نحو: [مُدَحْرَج، مُقاتَل، مُسْتَخْرَج...].

تقول: مُدَحْرَجُ الكرة رياضةٌ مفيدة = دَحْرَجَتُها...

و: مُقاتَلُ الأصدقاء بغيض = قِتالُهم...

و: مُسْتَخْرَجُ النفط ثروةٌ للأمة = استِخراجُه...


عمله:

يعمل المصدر الميمي عمل فعله، ومنه قول الحارث بن خالد المخزومي:

أَظَلُومُ إنّ مُصابَكُمْ رَجُلاً أَهْدى السَّلامَ تحيّةً، ظُلْمُ

[ظلوم]: اسم امرأة، والهمزة قبله حرفُ نداء، [مصابكم]: مصدر ميمي، و[رجلاً]: مفعول به للمصدر الميمي، أي إنّ إصابتكم رجلاً... ظُلْم.



* * *



عودة | فهرس





--------------------------------------------------------------------------------

1- بسبب لزوم هذه الميم أوَّلَه، سَمَّوه ميميّاً.

2- قيل أيضاً: إنه آكَدُ من معنى المصدر الأصلي.

3- جاء عن العرب بضعة مصادر ميمية على وزن [مَفْعِل] نحو: [المَوْعِد بمعنى الوَعْد - المَوْضِع بمعنى الوَضع - المَوْقِف بمعنى الوقوف - المَوْلِد بمعنى الولادة - المَوْثِق بمعنى الثِّقة] فتحفظ وتستعمل، ولكنّ القياس [مَفْعَل].
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:49 AM   #95
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المعتل والصحيح



إذا كان أحد حروف الفعل الأصلية حرف علّة سُمّي [فعلاً مُعتلاً] نحو: [باع - وقف - رضي - رمى](1).

ثم إذا كان حرفُ العلة صدراً له نحو: وقف - ورد... سمَّوْه: مِثالاً.

وإذا كان في وسطه، نحو: قال - باع... سمَّوْه: أجوف.

وإذا كان في آخره، نحو: رمى- دعا... سمَّوْه: ناقصاً.

فإذا اقترن حرفا علة في الفعل، نحو: روى- طوى... سمَّوْه: لفيفاً مقروناً.

وإذا افترقا، نحو: وفى - وعى... سمَّوْه: لفيفاً مفروقاً.

فإذا لم يكن أحدُ حروفِه الأصلية حرف علة، نحو: شرب - رجع... قالوا هو فعل صحيح(2).

ثم إذا كان هذا الصحيح فيه همزة سمَّوْه مهموزاً، نحو: أخذ-سأل-بدأ..

وإذا كان فيه حرف أصلي مكرّر، سمَّوْه مضاعفاً، نحو: مرّ - زلزل...

* * *

عودة | فهرس




--------------------------------------------------------------------------------

1- ليس في العربية ألِفٌ تُعدّ من جذر الكلمة؛ فإما أن تكون منقلبة عن واو أو ياء نحو: قال مِن قول، وباع مِن بيع. أو تكون حرفاً من حروف الزيادة: [سألتمونيها] نحو: راكض من رَكَضَ. وعلى ذلك تكون حروف العلة واواً أو ياءً فقط؛ فإذا قلنا عن كلمة فيها ألفٌ نحو: [عدا - رمى]: إنها معتلة، فإنما نعني أن اعتلالها بواو أو ياء انقلبت ألفاً، لا أن الألف نفسها حرف علة.

2- لا التفات إلى الألف إذا لم تكن منقلبة عن أحد حرفَي العلة: الواو أو الياء. ففعل [قاتل] مثلاً [صحيح] غير معتلّ، وإن كان فيه ألف؛ ذاك أن حروفه الأصلية هي القاف والتاء واللام، وأما الألف فيه فزائدة، ولذلك لا يُلتفت إليها. ومثله [تراجع] لأن حروفه الأصلية هي: [الراء والجيم والعين] وهكذا...(انظر بحث الإعلال (26))
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:50 AM   #96
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المعرّف بالإضافة



تتحوّل النكرة إلى معرفة، إذا أضيفت إلى معرفة.

وإليك أمثلة ترى منها أن كلمة [كتاب] مثلاً - وهي نكرة - قد تحولت إلى معرفة حين أضيفت إلى إحدى المعارف:

- خذ كتابك: كلمة [كتاب] تعرّفتْ بإضافتها إلى الضمير.

- اقرأ كتاب خالد: تعرّفتْ بإضافتها إلى العَلَم [خالد].

- كتاب هذا الطالب جديد: تعرّفتْ بإضافتها إلى اسم الإشارة [هذا].

- يضيع كتاب الذي يهمل: تعرّفتْ بإضافتها إلى اسم موصول [الذي].

- كتاب المعلم قديم: تعرّفتْ بإضافتها إلى المعرَّف بـ [ألـ].



* * *
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:51 AM   #97
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المعلوم والمجهول



¨ قد يكون مَنْ فَعَلَ الفعل معلوماً (مذكوراً في الكلام) مثل: [كَسَرَ خالدٌ الزجاجَ] فيسمّى الفعل: مبنياً للمعلوم.

وقد يكون مَنْ فَعَلَه مجهولاً (غير مذكور في الكلام) مثل: [كُسِرَ الزجاجُ]، فيسمى الفعل: مبنياً للمجهول.

¨ تتغير صورة الفعل المعلوم حين يُبنى للمجهول؛ كما يلي:

1- بناء الفعل الماضي، للمجهول:

يُبنَى الفعل الماضي للمجهول، بكسر ما قبل آخره، وضَمِّ كلِّ متحركٍ قبلَه نحو: [فتح - فُتِح، أطعم - أُطْعِم، تعلّم - تُعُلِّم، استغفر - اُسْتُغْفِر].

فإن كان قبل آخره حرف مدّ، قلب ياء قولاً واحداً، نحو: [أقام - أُقيم، أمال - أُميل، استعار - اُستعير]، إلا أن يكون الفعل الماضي ثلاثياً أو خماسياً، فيكسر كلُّ متحرّكٍ قبل هذه الياء، نحو:

[قال - قِيل، باع - بِيع، سام - سِيم، اعتاد - اِعتيد، اجتاح - اِجتيح، اقتاد - اِقتيد].


2- بناء الفعل المضارع، للمجهول:

يُبنَى الفعل المضارع للمجهول، بضَمِّ أوّله، وفتح ما قبل آخره، نحو: [يَكسِر - يُكسَر، يُكرِم - يُكرَم، يُدحرِج - يُدحرَج، يَستَمِع - يُستَمَع، يتقبّل - يُتَقَبَّل، يَستخرِج - يُستَخْرَج].

فإن كان قبل آخره حرف مدّ، قلب هذا الحرف ألفاً قولاً واحداً، نحو: [يقول - يُقَال، يبيع - يُبَاع، يميل - يُمَال، يستغيث - يُستَغَاث، يستميل - يُستَمَال، بستطيع - يُستَطاع].



* * *
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:52 AM   #98
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المفعول به

هو ما وقع عليه فِعْلُ الفاعل فنَصَبَه. نحو: [أكل خالدٌ رغيفاً]؛ وحقُّه أن يجيء - في الأصل - بعد الفاعل، ولكنْ قد يتقدّم عليه، نحو: [أكل رغيفاً خالدٌ]، بل قد يتقدم أحياناً عليه وعلى فِعله أيضاً، نحو: [رغيفاً أكل خالدٌ].

هذا على أنّ تقديم المفعول به وتأخيره، جائزان في كل الأحوال(1). ولا يستثنى من ذلك إلاّ حالتان يجب تقديمه فيهما:

الأولى: أن يتّصل الفاعلُ بضمير المفعول، فيُقَدَّ م وجوباً على الفاعل، نحو: [سكن الدارَ مالكُها]، و[ركب الفرسَ رائضُها].

الثانية: أنْ يقع بين [أمّا] وجوابها، فيُقدَّم وجوباً على الفعل والفاعل معاً، نحو: [فأمّا الجائعَ فأَطْعِمْ وأمّا الغريبَ فأكْرِمْ].



* * *

نماذج فصيحة من استعمال المفعول به

· قال عنترة (الديوان /143):

ولقد نزلْتِ فلا تظنّي غيرَه منّي بمنْزلة المحبّ المُكْرَمِ

فِعل [الظنّ] ينصب مفعولين، فأمّا الأول في البيت، فهو: [غيرَ]، وأما الثاني فقد حذفه الشاعر. وذلك جائز. وقد نظم ابن مالك في جواز الحذف عموماً، قاعدة كليّة فقال: [وحذف ما يُعلم جائز...]، ولو ذُكر المفعول المحذوف لقال الشاعر: [فلا تظنّي غيرَه واقعاً].

· ]أين شركائي الذين كنتم تزعمون[ (القصص 28/62)

فِعل [زعم] ينصب في الأصل مفعولين، وقد حُذِفا هاهنا جميعاً، ولو ذُكرا لقيل: [تزعمونهم شركائي]، فكان الأول يكون هو الضمير المتصل: [هم]، وكان الثاني يكون: [شركائي]، ولكنهما حُذِفا. وإنما جاز حذفهما للعلم بهما، وقد ذكرنا آنفاً قاعدة جواز الحذف التي نظمها ابن مالك.

· ]وإذِ ابتلى إبراهيمَ ربُّه[ (البقرة 2/124)

[إبراهيمَ]: مفعولٌ به، والفاعل: [ربُّ]. وقد قُدِّم المفعول على الفاعل كما ترى، وتقديمه هنا واجب، لاتّصال الفاعل بضمير المفعول.

والقاعدة العامّة أنّ [كل تقديمٍ أو تأخير للمفعول جائز، ماعدا موضعين اثنين فقط، يجب تقديمه فيهما. الأول: أنْ يتّصل الفاعل بضمير المفعول - كما جاء في هذه الآية - والثاني: أن يقع المفعول بين (أمّا) وجوابها].

· وقال حسّان بن ثابت يرثي مُطْعِمَ بن عديّ (الديوان /398):

ولو أنّ مجداً أَخْلَدَ الدهرَ واحداً مِنَ الناس، أبقى مجدُه الدهرَ مُطْعِما

وفي قوله هذا مخالفة لقاعدة كلية هي: أنّ الفاعل إذا اتصل بضمير المفعول، وجب تقديم المفعول. ولقد تحقق هذا الاتصال في البيت: فـ [مجدُه] فاعل لـ [أبقى]، والهاء المتصلة به هي ضمير المفعول به: [مطعماً]. وهذا يوجب إعمال القاعدة، أي: تقديم المفعول على الفاعل، فيقال: [أبقى مطعماً مجدُه](2). ولكنّ الشاعر لم يُعملها، فكان ذلك شذوذاً، تسمّيه كتب الصناعة: [ضرورة شعرية]. ونورد فيما يلي نظائر لهذا البيت ترسيخاً للقاعدة.

· فنظير ما تقدّم، قولُ أبي الأسود الدؤلي (الديوان /401):

جزى ربُّهُ عني عدِيَّ ابنَ حاتمٍ جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقد فَعَلْ

وفي قوله: [جزى ربُّه عديّاً]، تقدّم الفاعل [ربُّه]، واتّصلت به الهاء، وهي ضمير يعود إلى المفعول: [عديّاً]. وهذا يوجب إعمال القاعدة المذكورة آنفاً، أي: تقديم المفعول على الفاعل، فيقال: [جزى عديّاً ربُّه]. ولكن الشاعر لم يعملها، شذوذاً، وهو ما تسمّيه كتب الصناعة، كما قلنا: [ضرورة شعريّة].

· وقولُ الآخر (شرح ابن عقيل 1/495):

كَسَا حِلْمُهُ ذا الحِلْمِ أثوابَ سؤدُدٍ ورَقَّى نَداهُ ذا النَدى في ذُرَا المجدِ

وفي قوله: [كسا حلمُه ذا الحِلمِ]، تقدّم الفاعل: [حلمُه]، واتصلت به الهاء، وهي ضمير يعود إلى المفعول: [ذا الحلم]، وهذا يوجب تقديم المفعول على الفاعل، فيقال: [كسا ذا الحلم حلمُه]. ولكن الشاعر لم يلزم ذلك شذوذاً. وأعاد ذلك مرة أخرى في عَجُز البيت، وكان واجباً أن يقول للسبب نفسه: [رقّى ذا الندى نداه]، ولكنه لم يلزم ذلك شذوذاً(3).

· وقال سليط بن سعد (شرح ابن عقيل 1/497):

جزى بنوه أبا الغيلانِ عن كِبَرٍ وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزى سِنِمّارُ

وما قلناه فيما تقدّم يقال هنا. فلو أن الشاعر حكَّمَ القاعدة - وهي وجوب تقديم المفعول إذا اتّصل الفاعل بضمير المفعول - لقال على المنهاج: [جزى أبا الغيلان بنوه] فقدّم المفعول على الفاعل، ولكنه لم يلزم ذلك شذوذاً.

· ]مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فما له من هادٍ[ (الرعد 13/33)

[مَنْ]: اسم شرط، وهو مفعولٌ به لفعل: [يضلل]. وكتب الصناعة تقول: إنّ تقديمه على الفعل والفاعل واجبٌ هاهنا، لأن أسماء الشرط لها الصدارة. ونقول: نعم، هذا صحيح، ولكنّ طالب العلم في غنى عن حفظه واستظهاره، لأنه تحصيل حاصل. فاسم الشرط له صدر الكلام سواء كان مفعولاً به أو لم يكن. وليس في الدنيا عربي - مهما يبلغ لسانه من العجمة - يقول مثلاً: [يضللْ مَنِ اللهُ] أو [يضللِ الله مَن فما له...] أو [يضللِ الله فما له مَن مِن هاد]، هذا فضلاً على أنّ فعل الشرط: [يضلل] لا يُجزَم إذا لم تتقدَّم عليه أداة الشرط.

مما تقدم يتبيّن: أن من الإثقال غير المسوَّغ، أن تقف كتب الصناعة عند هذه المسألة، وتعتدّها صنفاً من صنوف تقديم المفعول وجوباً على الفعل والفاعل.

· وقل مثل هذا في قوله تعالى: ]فأَيَّ آياتِ الله تُنكِرون[ (غافر 40/81)

فإنّ كلمة: [أيَّ] اسم استفهام، وهو مفعول به لفعل: [تنكرون]. وكتب الصناعة تقول: إنّ تقديمه على الفعل والفاعل، واجبٌ هاهنا، لأنّ أسماء الاستفهام لها الصدارة.

ونقول: إنّ تقديم أسماء الاستفهام لا علاقة له بإعرابها، فإن لها الصدارة في كل حال، سواء كانت منصوبة أو غير منصوبة. هذا تحصيل حاصل، ولو استُغني عن جعله مسألة يؤخذ فيها ويُعطَى، عند البحث في تقديم المفعول وجوباً على الفعل والفاعل، لكان ذلك أجدى.

ولو جَرَّب المرء تغيير مكان [أيّ] في الآية، سواء كانت مفعولاً أو غير مفعول، لاستيقن فوراً أنّ ذلك غير عربي. فمَن ذا الذي يقول: [آيات الله أيّ تنكرون، أو: آيات الله تنكرون أيّ]؟ هذا في العربية لا يقال، فليت كتب الصناعة تعرّد عنه، وتَقْصر همَّها على ما يفيد في تعليم الناس لغةَ قومهم.

· ]فأمّا اليتيمَ فلا تقهر وأمّا السائلَ فلا تنهر[ (الضحى 93/9-10)****

[تقهر]: فعلٌ، فاعلُه ضمير مستتر تقديره: [أنت].

[اليتيمَ]: مفعول به، تقدَّم - كما ترى - على الفعل والفاعل، وهو هنا تقديم واجب. وذلك أنّ المفعول يجوز تقديمه وتأخيره في جميع الأحوال ما عدا موضعين فقط، يجب تقديمه فيهما. الأول: أنْ يتصل الفاعل بضمير المفعول، والثاني: أنْ يقع بين [أمّا] وجوابها، كما جاء هنا في الآية، إذ وقع بين [أمّا]، وجوابِها [فلا تقهر]، فحقَّ أنْ يتقدّم وجوباً.

والشيء نفسه يقال في الآية التالية: ]وأمّا السائلَ فلا تنهر[ فإنّ المفعول: [السائلَ] وقع بين [أمّا] وجوابِها [فلا تنهر]، فكان تقديمه على الفعل والفاعل واجباً. فالحالتان في الآيتين متساويتان متطابقتان، وهذا يغني عن الإفاضة في التبيين.

· قال الشاعر (أوضح المسالك 1/363):

تزوَّدْتُ مِن ليلى بتكليم ساعةٍ فما زاد إلاّ ضعفَ ما بي كلامُها

[إلاّ]: أداة حصر، [ضعفَ]: مفعول به مقدَّم، [كلامُها]: فاعل مؤخَّر.

والتقديم والتأخير هاهنا جائزان، على المنهاج. وذلك أنّ تقديم المفعول، إنما يكون واجباً في حالتين فقط، هما أن يتّصل ضمير المفعول بالفاعل، أو أن يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها. وليس في البيت أيّ من الحالتين. ودونك شواهد أخرى تؤيّد الجواز:

· قال دعبل الخزاعي (أوضح المسالك 1/362):

ولمّا أبى إلاّ جماحاً فؤادُه ولم يسلُ عن ليلى بمالٍ ولا أهلِ

[إلاّ]: أداة حصر، [جماحاً]: مفعول به مقدَّم، [فؤادُه]: فاعل مؤخّر.

وقد قدّم الشاعر المفعول به: [جماحاً]- وهو اسم محصور - على الفاعل: [فؤادُه]. إذ التقديم والتأخير جائزان. ولا يكون تقديم المفعول واجباً إلاّ في حالتين، لانملّ أنْ نكررهما: أنْ يتّصل ضمير المفعول بالفاعل، وأن يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها.

· ودونك أخيراً شاهداً من هذه المسطرة، هو قول الشاعر (أوضح المسالك 1/369):

فلم يدْرِ إلاّ اللّهُ ما هيَّجتْ لنا - عشيَّةُ آناءِ الديارِ - وَشامُها(4)

فالمحصور في البيت، هو لفظ الجلالة: [الله]، والأصل: فلم يدْرِ ما هيَّجت لنا إلاّ اللهُ.

وقد قُدِّم الفاعل: [اللهُ]، على المفعول به وهو الاسم الموصول: [ما]. وجوازُ تقديم المفعول على الفاعل وتأخيرِه عنه، قاعدةٌ لا تتخلّف. وإنما يستثنى منها موضعان اثنان يجب فيهما تقديم المفعول، هما: أنْ يتّصل ضميرُ المفعول بالفاعل، أو أنْ يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها.

· ]يومَ لا ينفع الظالمين معذِرتُهم[ (غافر 40/52)

[معذرتُهم]: فاعل مؤخّر، [الظالمين]: مفعول به مقدَّم.

وتقديم المفعول في الآية هاهنا على المنهاج. وذلك أنّ الفاعل: [معذرتُهم]، اتّصل به ضمير المفعول به. ومتى كان ذلك، وجب تقديم المفعول على الفاعل، كما رأيت. وهذه إحدى الحالتين اللتين يجب فيهما تقديم المفعول على الفاعل.

· ]ففريقاً كذَّبتم وفريقاً تقتلون[ (البقرة 2/ 87)

[فريقاً]: مفعول به، مقدَّم في الآية على الفعل والفاعل. وتقديمه عليهما أو على أحدهما جائز في كل موضع. وهذه قاعدة صلبة، لا تنكسر إلاّ في حالتين اثنتين يجب فيهما تقدّم المفعول على الفاعل، هما: أن يتصل ضمير المفعول بالفاعل، أو أنْ يقع المفعول بين [أمّا] وجوابها. وإذ لم يكن في الآية إحداهما، فقد تقدم المفعول في الآية مرتين - في صدرها وفي أثنائها - وذلك جائز. ولو لم يكن الكلام قرآناً، لجاز أن يقال: [فكذبتم فريقاً، وتقتلون فريقاً].

· ]وقذف في قلوبهم الرعبَ فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً[ (الأحزاب33/26)

في الآية شاهدان على جواز تقدّم المفعول وتأخّره. الأول: [فريقاً تقتلون]، وفيه تقدّم المفعول على الفعل والفاعل جميعاً. والثاني: [تأسرون فريقاً]، وفيه تأخر المفعول عن الفعل والفاعل جميعاً. وذلك أنّ تقدّمه على الفعل والفاعل أو على أحدهما، وتأخره عنهما أو عن أحدهما، جائز في كل موضع. ولا يستثنى من ذلك إلاّ حالتان، أكثرنا عن عَمْدٍ تكرارهما لنثبّتهما في الذاكرة.



* * *

عودة | فهرس




--------------------------------------------------------------------------------

1- ما يُزعَم من لبس قد يقع بسبب التقديم والتأخير، فسياق الكلام يزيله. من ذلك - مثلاً - أن يكون عيسى قاضياً، وموسى مجرماً، فإذا قيل: [عاقب موسى عيسى]، فُهِم من السياق أنَّ المعاقَب هو موسى.

2- لا يمنعنا العنوان: [نماذج فصيحة] أن نورد بيتاً فيه ضرورة شعرية، لنبين ما فيه من خروج على القاعدة.

3- في البيت ما فيه من المعاظلة والتراكب، مما يميل بالنفس إلى أنه مفتعل مصنوع.

4- الشام، جمع شامة وهي العلامة.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:52 AM   #99
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المفعول لأجله(1)

المفعول لأجله: مصدرٌ منصوب، يبيِّن عِلَّةَ وقوع الحَدَث، نحو: [وقفتُ إجلالاً للمعلِّم]. فالوقوف - وهو الحَدَث - ناشئ عن علّة، هي: الإجلال.



* * *

نماذج فصيحة من استعمال المفعول لأجله

· ]ولا تقتلوا أولادَكمْ خَشيةَ إملاق[ (الإسراء 17/31)

(الإملاق: الفقر). [خشيةَ]: مصدرٌ، تحقّقت له شروطُ نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [خشي-يخشى]، وقد بيّن علَّةَ قتل الجاهليين أولادَهم، وهي: خشية الإملاق.

· قال حاتم الطائيّ:

وأَغْفِرُ عَوراءَ الكَرِيمِ ادّخارَهُ وأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا

[تَكَرُّما]: مصدر تحققت له شروطُ نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [تَكَرَّمَ - يتكرَّم]، وقد بيَّن علَّةَ إعراض الشاعر عن شتم اللئيم، وهي: [التكرّم].

هذا، على أنّ في البيت مفعولاً لأجله آخر، هو: [اِدّخارَه]، فإنه مصدرٌ منصوب لفعْلِ: [اِدَّخَر - يدَّخِر]، وقد بيَّن علَّةَ غُفْرانِ الشاعرِ زَلَّةَ الرجلِ الكريمِ، وهي: ادِّخاره له أي: استبقاء مودّته.

· ]يجعلون أصابعهم في آذانهم مِن الصواعق حَذَرَ الموت[ (البقرة 2/19)

[حَذَرَ]: مصدر، تحقّقت له شروط نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [حَذِرَ - يحذَر]، وقد بيّن علَّةَ جعلِهم أصابعَهم في آذانهم، وهي: [الحذر من الموت].

· قال الحارث بن هشام (هو أخو أبي جهل):

فصفحتُ عنهمْ والأحبّةُ فيهمُ طمعاً لهمْ بعِقابِ يومٍ مُفْسِدِ(2)

[طمعاً]: مصدر: تحقّقت له شروط نصبه مفعولاً لأجله. وذلك أنه مصدرُ [طمِع - يطمَع]، وقد بيَّن علَّةَ صفحه عنهم، وهي: [الطمع بعقابهم بعدُ، في معركة يرجو النصر عليهم فيها].

هذا، ولم نرَ حاجةً إلى مزيد من عرض نماذج أخرى وتحليلها. وذلك لسهولة البحث، ولأن المفعول لأجله لا يخرج في كل حال، عن أن يكون مصدراً يبيّن علّة وقوع الحدَث.



* * *

عودة | فهرس




--------------------------------------------------------------------------------

1- يسمونه أيضاً: [المفعول له].

2- قال هذا معتذراً مِن فراره يوم معركة [بدر]، وقد قُتِل فيها أخوه أبو جهل.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 10-01-2009, 04:53 AM   #100
السيد عبد الرازق
عضو مميز
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2004
الإقامة: القاهرة -- مصر
المشاركات: 3,296
إفتراضي

المفعول المطلق(1)

المفعول المطلق: مصدر منصوب، يُذكَر بعد فعلٍ - أو شبهه(2) - من لفظه فيؤكّده، نحو: [زحف الجيش زحفاً، فوثقت أنه منتصرٌ انتصاراً...].

ويشتمل البحث في المفعول المطلق على مسألتين هما: أن يُحذَف، أو يُحذَف فعلُه (عامله).

أوّلاً - أنْ يُحذَف:

يُحذَف المصدر (المفعول المطلق) في حالات شتّى. لكنها على اختلافها وتنوعها، يحكمها ضابط واحد. هو أنّ المصدر - وإن حُذِف - يظلّ في الكلام ملحوظاً مُلتَمَحاً، ودونك البيان:

رجع القهقرى = رجع رجوعَ القهقرى

أكل كثيراً = أكل أكلاً كثيراً

ضربه سوطاً = ضربه ضربَ السوطِ

ضربه ذاك الضربَ = ضربه الضربَ ذاك

قعد جلوساً = قعد قُعودَ جلوسٍ

ضربه ثلاثين ضربة = ضربه ضرباتٍ ثلاثين

شبع كلَّ الشِّبَع = شبع شبعاً كلَّ الشبع(3)

ثانياً - أنْ يُحذَفَ فِعْلُه:

إذا حذف الفعل وبقي المصدر، نشأ معنى لم يكن لينشأ لولا الحذف(4). فمن ذلك أنْ تريد:

- إلى الأمر مثلاً، فتحذف الفعل فتقول: [رَمَلاً](5).

- أو إلى النهي، فتحذفه فتقول: [رَمَلاً لا عَدْواً](6).

- أو إلى الدعاء، فتحذفه فتقول: [سقياً لوطني].

- أو إلى التوبيخ، فتحذفه فتقول: [أَلَعِباً، وقد جدّ الناس؟!](7).

- أو إلى تفصيلِ عاقبةٍ، فتحذفه فتقول: [أقْدِمْ: فإمّا النصرَ وإمّا الشهادةَ(8)].



¨ شذور من المفعول المطلق:

في اللغة كلمات كثيرة تُعرَب مفعولاً مطلقاً، دونك شذوراً منها:

- حقّاً: نحو: [خالدٌ صديقي حقّاً].

- قطْعاً: نحو: [هذا مذهبي قطْعاً].

- سمعاً وطاعةً: [أي: أَسمع وأُطيع].

- عجَباً: كلمةٌ، معروفة المعنى والاستعمال.

- لبَّيك: [أي: أُلَبّي].

- شُكراً: كلمةٌ، معروفة المعنى والاستعمال.

- حَنانَيْكَ: [أي: تحنَّنْ].

- دَوالَيْكَ: كلمةٌ، تقال للتعبير عن تنقّل الأمر بين كذا وكذا.

- هنيئاً: كلمةٌ، معروفة المعنى والاستعمال.

- يقيناً: نحو: [عرفته يقيناً]. أي: أُوقِنُها يقيناً.

- بتّةً: وبتّاً والبَتَّةَ وألبتّةَ. (البتّ: القطع)، [لا أفعله بَتَّةً]، أي: قطعاً.

- سبحان الله: أي: تنْزيهاً لله عما لا يليق به.

- معاذَ اللهِ: (عاذ: لجأ واعتصم)، أي: أعوذ بالله.

- تَبّاً له: أي: هلاكاً له.

- (ما وأيّ: الاستفهاميتان): إذا استُفهِم بهما عن المصدر:

نحو: [ما نمت؟] = أيَّ نومٍ نمتَ؟ ونحو: [أيَّ سفرٍ تسافرون؟].

- (ما وأيّ ومهما: الشرطيات):

نحو: [ما تجلسْ أجلسْ = أيَّ جلوسٍ تجلسْ أجلسْ].

ونحو: [أيَّ سيرٍ تسرْ أسرْ].

ونحو: [مهما تقرأْ تستفدْ].

* * *

نماذج فصيحة من استعمال المفعول المطلق

· قال مجنون بني عامر (الديوان /277):

وقد يجمع اللهُ الشَّتيتَين بعدما يَظنّان كلَّ الظنِّ أَنْ لا تلاقِيا

الأصل: يظنان ظنّاً كلَّ الظنّ، ثمّ حذف المصدر وهو: [ظناً]، ونابت كلمة [كلَّ] عنه، وأضيفت إلى المصدر، فكانت نائب مفعول مطلق.

· ]فلا تميلوا كلَّ المَيْل[ (النساء 4/129)

يقال في الآية ما قيل في [يظنان كلّ الظن]، من أنّ الأصل: لا تميلوا مَيلاً كلَّ الميل، ثم حذف المصدر وهو: [مَيلاً]...

· قال الشاعر (همع الهوامع 3/123):

لأَجهدنَّ فإمّا دَرْءَ مَفسدةٍ تُخشَى، وإمّا بلوغَ السُّؤْلِ والأَمَلِ

[درءَ]: في صدر البيت، مفعول مطلق، وكذلك [بلوغَ] في عجز البيت فإنه مفعول مطلق أيضاً. وقد حُذِف فِعلاهما وهما: [أدرأ وأبلغ]، لأنّ الشاعر ابتغى تفصيل عاقبةِ ما أقسم على بذله من الجهد. إذ قال: [فإما درءَ ... وإما بلوغَ...] وكان الأصل قبل الحذف هو: [فإما أدرأ درءَ مفسدة، وإما أبلغ بلوغَ السُّؤل]. والقاعدة: أنّ

الفعل يُحذَف، فينشأ معنى لم يكن لينشأ لولا الحذف، فلو لم يحذف الشاعر الفعلين بل قال: [أدرأ درء مفسدة، وأبلغ بلوغَ السؤل] لكان ما يتحصّل من قوله هو التوكيد، ولمّا كان لا يريد التوكيد بل يريد تفصيل عاقبةِ جهده، حَذف الفعل، فدلّ المصدر بعد حذف فعله على المعنى الذي أراد إليه الشاعر.

هذا، وترى الاستعمال نفسَه في القرآن الكريم، ففي سورة (محمّد 47/4) ]فشُدّوا الوَثاق فإمّا مَنّاً بعدُ وإمّا فداء[ ويقال هاهنا مثل الذي قيل في: [لأجهدنّ فإما... وإمّا...].

فبعد شدّ الوثاق، تُتَوَقَّع عاقبة، وقد أبانتها الآية تفصيلاً، إذ قالت: [فإما... وإما...] وهكذا جاء المصدر مفصِّلاً لمجملٍ قبله، ومبيناً لعاقبته ونتيجته، وما كان ذلك ليتحقق لولا حذف الفعل. فهاهنا مصدران منصوبان [منّاً وفداءً] حُذِف فعلاهما فأدّى حذفهما إلى معنى التفصيل وبيان العاقبة. ولو ذُكِرا فقيل: [فإما أن تمنوا منّاً وإما أن تفادوا فداءً]، لكان الذي يتحصل هو التوكيد.

· قال الشاعر (الجنى الداني /531):

وقد شفَّني ألاّ يزال يروعني خيالُكِ: إمّا طارقاً، أو مغادِيا

أوردنا هذا البيت شاهداً لصحة قول من يقول: [إمّا... أو...]، كما يصحّ قوله: [إمّا... وإمّا...]، فكلا التركيبين وارد وصحيح.

· قال قَطَريّ ابن الفجاءة (أوضح المسالك 2/39):

فصبراً في مجال الموت صبراً فما نَيْلُ الخُلودِ بمستطاعِ

[صبراً]: مصدر منصوب، ناب عن فعله المحذوف، والفعل هنا لا يُحذَف إلاّ لتحقيق معنى، لم يكن لينشأ لولا الحذف. وبيان ذلك، أنْ لو قيل: [اصبر صبراً] لكان المعنى المراد هو التوكيد. لكن لما حُذف الفعل فقال الشاعر: [صبراً]، عُرِف أنه أراد إلى الأمر بالصبر.

· ]واللهُ أنبتكم من الأرض نباتاً[ (نوح71 /17)

يلاحظ في الآية أنّ الفعل هو [أنبت - يُنبت] ومصدره قياساً، هو [إنبات]. ولكن المصدر الذي ورد في الآية هو: [نبات] لا [إنبات]. فدلّ ذلك على أنّ جَذْر المادة، هو ما يُنظر إليه في المفعول المطلق، لا وزن المصدر وقياسيته. وقل مثل ذلك في [سلّم سلاماً وتسليماً] فكلا المصدرين مفعول مطلق، وقل الشيء نفسه في قول القائل: [توضّأ توضُّؤاً ووضوءاً]، فكلا المصدرين هنا أيضاً مفعول مطلق.

ومن هذا قوله تعالى: ]وتبتّل إليه تبتيلاً[ (المزّمل 73/8) فالمفعول المطلق الوارد هنا في الآية هو:[تبتيل]، والتبتيل ليس مصدراً لـ [تبتّل]، بل مصدر تبتّل هو [تبتُّلٌ].

ويتبين من هذا: أنّ الفيصل المحكّم في المفعول المطلق، هو جذر المادة، لا وزنُ المصدر وقياسيته.

· قال العجّاج (الديوان 1/480):

أَطَرَباً وأنتَ قِنَّسْرِيُّ(9)؟!! والدَهْرُ بالإنسانِ دَوّارِيُّ؟!!

[أطرباً]: هاهنا مصدر منصوب (مفعول مطلق)، مسبوق بهمزة استفهام، وأما فعله فمحذوف. والأصل قبل الحذف والإتيان بالهمزة: [تطرب طرباً]، فيكون المصدر للتوكيد.

لكن الشاعر حذف الفعل؛ والفعل إذا حُذف وبقي المصدر، تحقق معنى لم يكن لينشأ لولا الحذف.

وقدّم على المصدر همزة استفهام يؤتى بها هاهنا إذا أريد التوبيخ، فدلّ ذلك على ما ابتغاه الشاعر وقصد إليه من إرادة التوبيخ.

· ولهذا الاستعمال نظير مماثلٌ من قول جرير، يهجو خالد بن يزيد الكندي (الديوان /650):

أَلُؤْماً لا أَبَاْ لَكَ واغترابا؟!!

فهاهنا مصدر منصوب (مفعول مطلق)، حُذف فعله، والأصل قبل الحذف: [تلؤم لؤماً]. وأتى بهمزة للاستفهام التوبيخي سبقت المصدر: [ألؤْماً]، فدلّ ذلك على أنّه إنما قصد إلى التوبيخ.

· ]وكلَّم اللهُ موسى تكليماً[ (النساء 4/164)

[تكليماً]: مصدر منصوب (مفعول مطلق)، جاء بعد فعلٍ من لفظه - على المنهاج - فأفاد التوكيد.

· ]فإنّ جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً[ (الإسراء 17/36)

[جزاءً]: مصدر منصوب (مفعول مطلق)، عامله الناصب له، مصدر أيضاً هو: [جزاؤكم]. وقد كنا ذكرنا في تعريف المفعول المطلق: أنه مصدر منصوب، يُذكَر بعد فعلٍ - أو شبهه - من لفظه. وشبه الفعل هنا هو: المصدر والمشتقات، مما يعمل عمله. واستكمالاً للمسألة، نورد قوله تعالى:

· ]والذاريات ذرواً[ (الذاريات 51/1)

فإنّ [ذرواً] في الآية، مصدر منصوب (مفعول مطلق)، عامله الناصب له، هو [الذاريات]. وهو اسم فاعل، ومن المعلوم أنّ اسم الفاعل يشبه الفعل، إذ يعمل عمله.

· ]فمَن يكفرْ بعدُ منكم فإني أعذّبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين[

(المائدة 5/115)

فعلُ [أعذّبه]، تكرر في الآية مرّتين، ومع كلّ فعل منهما ضمير متصل هو الهاء. فأما مع الفعل الأول فالضمير يعود إلى الذي يكفر، أي: [أعذب الذي يكفر]، فهو إذاً مفعول به. وأمّا مع الفعل الثاني فالضمير يعود إلى [عذاباً]، أي: [لا أعذب العذابَ]. وبتعبير آخر: [لا أُنزِل هذا العذابَ المذكورَ بأحد من العالمين]، فيكون الضمير مفعولاً مطلقاً، لا مفعولاً به كما يتبادر إلى الذهن أول وهلة.

· ]فاجلدوهم ثمانينَ جلدة[ (النور 24/4)

[ثمانين]: نائب مفعول مطلق منصوب. وقد حذف المصدر وأنيب عنه عدده، وظلّ المصدر المحذوف ملحوظاً ملتمحاً، على أنّ الأصل قبل الحذف: [فاجلدوهم جلداتٍ ثمانين].



* * *



عودة | فهرس





--------------------------------------------------------------------------------

1- كتب الصناعة تسمّي المفعول المطلق: (المصدر). ولقد جرى الاصطلاح على تسميته: [المفعول المطلق] لأنه مفعول لا يقيَّد بأداة، على حين تقيد المفاعيل الأخرى بذلك، فيقال: [المفعول به (81)، والمفعول معه (84)، والمفعول لأجله (82)، والمفعول فيه (50)].

2- شبه الفعل - كما ذكرنا من قبلُ مرّات - ما يعمل عمله، من اسم فاعل (11) واسم مفعول (15)...

3- كلّ ونصف وربع وبعض... جميعها في الحُكْم والاستعمال سواءٌ. تقول: [شبعتُ كلَّ الشبع ونصفَ الشبع ورُبعَ الشبع وبعضَ الشبع وهكذا...]، والنحاة إذا ذكروا: [كلّ] جمعوا إليها [بعض] و[أيّ] الكمالية، نحو: [اجتهدت بعض الاجتهاد] أو [أيَّ اجتهاد !!].

4- يصحب الفعلَ مصدرُه في الأصل للتوكيد نحو: [شربتُ شُرباً]. فإذا حُذف الفعل زال معنى التوكيد-بالضرورة- إذ المحذوف لا يؤكَّد. فينشأ من جرّاء ذلك معانٍ أخرى، مِن أمرٍ أو نهي أو توبيخ أو تفصيلِ عاقبة.

5- الرمَل: الهرولة، ومن المألوف أن يقول الضابط لجنوده في أثناء التدريب: [رَمَلاً]، فيفهموا - وقد حذف الفعل - أنه يأمرهم بالهرولة. ولو قال لهم: [ارملوا رملاً] لكان معنى الأمر ناشئاً من صيغة: [ارملوا] وكان المصدر [رملاً] لتوكيد الأمر. فإذا حذف الفعل وقال لهم: [رملاً]، أدّى المصدرُ معنى الأمر واستقلّ به. فهذا هو السر في حذف الفعل.

6- لا يأتي النهي هنا وحده مستقلاًّ، بل يأتي بعد الأمر، مصاحِباً له.

7- يلاحَظ أنّ المصدر - في حالة التوبيخ - يُسبَق بأداة استفهام.

8- بيان ذلك أنّ الإقدام في المعارك، له نتيجة وعاقبة، هما النصر أو الشهادة، وقد بيّنهما المثال [فإمّا... وإمّا...].

9- القِنَّسْريّ: الكبير المسنّ، الذي أتى عليه الدهر. والبيت للعجّاج والد رؤبة.
السيد عبد الرازق غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .