العودة   حوار الخيمة العربية > القسم العام > الخيمة الساخـرة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: رخصة استنشاق الأوكسيجين (آخر رد :محمد محمد البقاش)       :: << لواعج الذكرى >> (آخر رد :أ.عبد الله يحي البت)       :: تراتيل وجدانية . ديوان شاعر جازان عبد الله  (آخر رد :أ.عبد الله يحي البت)       :: قراءة فى كتاب ظاهرة العناد عند الطفل (آخر رد :رضا البطاوى)       :: نظرات فى كتاب دراسات في أصول اللغات العربية (آخر رد :رضا البطاوى)       :: المقاطعة الاقتصادية (آخر رد :رضا البطاوى)       :: شاهد: فجر مرعب في قضاء بلد.. عجلة ترمي عينات دم ومسحات لمصابي كورونا في الشوارع (آخر رد :اقبـال)       :: نظرات فى كتاب محنة ثقافة مزورة (آخر رد :رضا البطاوى)       :: تنزيل فيد ميت 2020 vidmate للتحميل من يوتيوب للاندرويد و الكمبيوتر (آخر رد :أميرة الثقافة)       :: أيهما الأعلى؛ الإنسان أم الحمار؟ (قصة قصيرة) (آخر رد :محمد محمد البقاش)      

المشاركة في الموضوع
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
غير مقروءة 18-03-2009, 03:18 PM   #1
ياسمين
مشرفة Non-Arabic Forum واستراحة الخيمة
 
الصورة الرمزية لـ ياسمين
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2008
الإقامة: المغرب
المشاركات: 2,102
Talking التعليم في بلادنا العربية بألف...خير



يوم في حياة معلم

للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله




قلت لصديق لي أديب: إني لأقرأ لك منذ عشر سنوات،

فما رأيتك أسففت إسفافك في هذه الأيام، وإني لأشك

أأنت تكتب ما تكتبه، أم يجري به قلمك وأنت نائم، فتأخذه

فتضع عليه اسمك؟ فماذا عراك أيها الصديق فأضاع

بلاغتك ومحا آيتك؟

قال: دعني يا فلان دعني… فإن سراج حياتي يخبو،

وشمعتي تذوب، وما أخالني إلا ميتا عما قريب، أو دائرا

في الأسواق مجنونا… انتهيت… بعت رأسي وقلبي

برغيف من الخبز.

قلت: أربع عليك أيها الرجل وأخبرني ما بك، فلقد والله

أرعبتني.

قال: وماذا بي إلا أني معلم. إني معلم في مدرسة

ابتدائية.. نهاري نهار المجانين، وليلي ليل القتلى، فمتى

أفكر، ومتى أكتب، وأنا أروح العشية إلى البيت مهدود

الجسم، مصدوع الرأس، جاف الحلق، فلا أستطيع أن أنام

حتى أقرأ مئة حماقة، وأصحح مئة كراسة، فأعمي عيني

بقراءتها، والإشارة إلى خطئها، وبيان صوابها، وتقدير درجاتها،

فإذا انتهيت من هذا كله –ولا يقرأ تلميذ من كل هذا شيئا،

ولا ينظر فيه- عمدت إلى دفتر تحضير الدروس، وهو الموت

الأحمر، والبلاء الأزرق، الذي صبَّ علينا هذا العام صبا، فكتبت

فيه ماذا أنا فاعل غدا في الفصل، دقيقة دقيقة، ولحظة لحظة...

وماذا أنا قائل من كلمة، أو مقرر من قاعدة، أو ضارب من مثل،

حتى إذا بلغت آخر كلمة فيه، استنفدت آخر قطرة من ماء حياتي،

فسقطت في مكاني قتيلا، فحملت إلى السرير حملا.. فنمت

نوما مضطربا تملؤه الأحلام المزعجة، والصور المرعبة، فأحسُّ

كأن أمامي ركام الدفاتر التي سأصححها غدا، فلا أنجو منها حتى

أبصر المفتش يتكلم من فوق المآذن، فلا يدع قاعدة من قواعد

التربية، ولا نظرية من نظريات التعليم، ظهرت في فرنسا أو إنكلترا،

إلا أرادني على تطبيقها، في فصل فيه سبعون تلميذا قد حشيت

بهم المقاعد حشوا، وصفوا على الشبابيك، ووضعوا على الرفوف،

مما لا يرضى عنه منهج من مناهج التربية، ولا قانون من قوانين

الصحة، فإذا انمحت هذه الصورة، رأيت كأني أفهم تلميذا وهو

يصغي إليّ ولا يفهم، فأكرر وأعيد فلا يفهم، فأقوم إليه أنظر ما

يصنع، فإذا هو منصرف إلى دبيرة (زلقطة) يربط رجلها بخيط. فإذا

شتمته أو أخرجته من الفصل، ذهب يستنجد القانون فينجده القانون

الذي حرم العقوبات كلها، وكفّ يد المعلم، وشدّ لسانه بنسعة...

ولا أزال في هذه الأحلام تنوء بي، فأتقلب من جنب إلى جنب،

أحس كأن رأسي من الصداع بثقل أُحُد، حتى يصبح الله بالصباح،

فأفيق مذعورا أخشى أن يسبقني الوقت، فلا أدري كم ركعت

وكم سجدت، ولا كيف أكلت ولبست، وأهرول إلى المدرسة لا

أستطيع التأخر ولو طحنتني الأوجاع، أو أحرقتني الحمّى، لأن

المعلم لا يسمح له القانون أن يمرض في أيام المدرسة، وعنده

- أربعة أشهر ((عطلة الصيف)) يستطيع أن يمرض فيها، فإذا

خالف ومرض، حرم الراتب ومنع العطاء (كان هذا قانون تلك الأيام)!

أغدو إلى المدرسة، فأدخل على تلاميذ السنة الثالثة الأولية،

وهؤلاء هم تلاميذي، لم يجدوني أهلا لأكبر منهم... فلا أنفك

أقطع من عقلي لأكمل عقولهم، وأمزّق نفسي لأرقّع نفوسهم

، ثم لا أفلح في تعليمهم ولا أنجح في تفهيمهم، ولا أدري من أين

السبيل إلى مداركهم، فأنفق ساعة كاملة، أقلِّب أوجه القول،

وأستقري عبارات اللغة، لأفهمهم كيف يكون (الاسم هو الكلمة

التي تدل على معنى مستقل في الفهم وليس الزمن جزءا منه)

فلا يفهمون من ذلك شيئا، ولا أقدر أن أطرح هذا التعريف السخيف

أو أستبدل به، فأهذي ساعة ثم أقول: من فهم؟

فيرفع ولد أصبعه. فأحمد الله على أن واحد قد فهم، وأقول:

قم يا بني بارك الله فيك، فأخبرني عن معنى هذا التعريف.

فيقول: يا أستاذ هذا داس قدمي!!.

فأصيح به: ويحك أيها الخبيث! إني أسألك عن تعريف الاسم،

فلماذا تضع فيه قدمك؟ ألم أقل لكم أن هذه الشكاوى ممنوعة

أثناء الدرس؟

فيقول: ولماذا يدوس هو على رجلي!؟

فأصيح بالآخر: لم دست على رجله يا شيطان؟

فيقول: والله لقد كذب، ما دست على رجله ولكن هو الذي

عضُّني في أذني.

فأغضب وأصرخ في وجهه: وكيف يعضّك وأنا قاعد هنا؟

فيقول: ليس الآن، ولكنه عضّني أمس.

ويتطوع العفاريت الصغار للشهادة للمدعي والمدعى عليه،

ويزلزل الفصل، فأضرب المنصة بالعصا، وأسكتهم جميعا

مهددا من يتكلم بأقسى العقوبات، ولا أدري أنا ما أقسى

العقوبات هذه؟… فيخنسون ويُبْلسون فأعود إلى الدرس

فإذا هو قد طار من رؤوسهم، على أنه ما استقر فيها قط!

وينفخ في الصور، فتقوم القيامة، ويخرج الأولاد إلى الفرصة،

ثم ترجع إلى درس القرآن. فأقول:

من يحفظ سورة الفاتحة؟

فيتصايحون: أنا… أنا… أنا.

سكوت! واحد فقط… اقرأ أنت.

الحمد لله رب العالمين… إياك نعبِد.

فأقول: إياك نعبُد.

فيقول: نعبِد.

ويحك: نَعْ بُ د.

فيقول: نَعْ بِ د.

انتبه يا بني: نَعْ بود.

فيقولها.

حسن. قل نعبُد.

فيقول: نعبِد.

فلا نزال في نعبُد ونعبِد حتى ينتهي الدرس. ولا يلفظونها

إلا بالكسر لأنهم حفظوها من السنة الأولى خطأ.

ولا أزال في هذا البلاء بياض نهاري، ولا يأتي المساء

وفيَّ بقية عقل، أو أثر من قوة، ثم لا أنا أرضيت الوزارة، ولا

أنا نفعت أبناء المسلمين، ولا أنا انصرفت إلى مطالعاتي وكتاباتي.

وهذه مكتبتي لم أدخلها منذ أول العام الدراسي، وهذه مشروعات

المقالات والبحوث التي أكتبها، وهذه مسوَّات الكتاب الجديد الذي

أؤلفه مبثوثة في جوانب الغرفة، ضائعة مهملة. أفتلومني بعد،

على أني لا أجوِّد في هذه الأيام؟

قلت: هذه والله حالي فلست ألومك، فرَّج الله عني وعنك!


__________________



" كان بودي أن آتيكم ,, ولكن شوارعكم حمراء ,,

وأنا لا أملك إلا ثوبي الأبيض ",,

* * *

دعــهــم يتــقــاولــون

فـلــن يـخــرج الـبحــر

عــن صمته!!!

ياسمين غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 18-03-2009, 03:24 PM   #2
ياسمين
مشرفة Non-Arabic Forum واستراحة الخيمة
 
الصورة الرمزية لـ ياسمين
 
تاريخ التّسجيل: Apr 2008
الإقامة: المغرب
المشاركات: 2,102
Angry

قد يبدو النص الذي بين أيديكم للوهلة الأولى مجرد قصة غايتها

الفكاهة والتسلية، لكنني ما وجدت أفضل منها يصف حال التعليم

في بلادنا العربية وظروف المعلمين الذين يكابدون الويلات في

سبيل تعليم أبنائنا..

والنص مفتوح على أكثر من واجهة يعري الواقع المرير ويثير

قضايا مختلفة لعل أهمها الانتقاء الأعوج لرجل التعليم في المكان

الغير المناسب والذي لا ينسجم وطبيعة توجهاته وميولاته الثقافية

والفكرية مما يلحق الأذى بالطرفين: المعلم والمتعلم ..

فشتان بين مهنتي التدريس والتأليف !!!

إشكالية خطيرة يثيرها النص حول طبيعة المناهج التعليمية المتخلفة

فهي تابعة لأنساق لا علاقة لها بأوضاعنا الاجتماعية ومنظومتنا الثقافية

تقوم في أساسها على تهميش هويتنا ومرجعيتنا الدينية..

فما علاقة المناهج التعليمية المتداولة بالغرب ولماذا يطلب من المدرس

تطبيقها في مجتمع لا علاقة له أساسا بالآخر؟

لماذا نزج بالتلميذ في الهاوية ليصبح ناقما على أوضاعنا غير قادر

على استيعاب الفوارق الثقافية التي تفصلنا عن الغرب؟ ألا نكون

قد صنعنا من رجل الغد شخصا مريضا يعاني تدبدبا في الشخصية

فلا يطال بلح الشام ولا عنب اليمن..

يثير النص أيضا صعوبات التدريس الجمة في ظل أزمة الاكتظاظ

داخل قاعة الدرس ...إذ يتجاوز عدد التلاميذ خمسين تلميذا في كل

فصل..هل يعقل هذا؟؟

ليتحول القسم إلى ملعب للشجار والهزل

والتسلية..فلا يمكن ضبط هذا الجيش الهائل من التلاميذ...مما

يصعب على المعلم تمرير خطابه ويعجز عن التبليغ ..فيضيع

الوقت هباء منثورا ليعود التلاميذ إلى منازلهم كما خرجوا منها..

وفي خضم هذه الأوضاع المزرية يقضي معظم المدرسين حياتهم

ويكابدون المشقات داخل وخارج أوقات عملهم من تصحيح لأطنان

من الأوراق وسهر لتهييء الدروس ...مقابل أجور زهيدة جدا لا

تفي متطلبات الحياة الضرورية وبعد كل هذا وذاك ننتظر من معلمينا

تحقيق الكثير من المعجزات بل نحملهم مسؤولية تدهور مستوى

أبنائنا التعليمي!!!

الحديث ذو شجون أنتظر مداخلاتكم لإثراء الموضوع.



تحياتي
__________________



" كان بودي أن آتيكم ,, ولكن شوارعكم حمراء ,,

وأنا لا أملك إلا ثوبي الأبيض ",,

* * *

دعــهــم يتــقــاولــون

فـلــن يـخــرج الـبحــر

عــن صمته!!!


آخر تعديل بواسطة ياسمين ، 18-03-2009 الساعة 03:38 PM.
ياسمين غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 18-03-2009, 05:40 PM   #3
hadjer
عضو نشيط
 
تاريخ التّسجيل: Jan 2009
الإقامة: الجزائر
المشاركات: 157
إفتراضي

شكرا لك اخي على هذا الموضوع الذي يعرض واقعنا المرير فكما يقال ....التعليم بدايته فقر و اخره جنون ، اعان الله كل انسان يضحي في هذا المجال
__________________






hadjer غير متصل   الرد مع إقتباس
غير مقروءة 18-03-2009, 10:12 PM   #4
الجنرال 2009
عضو مميّز
 
تاريخ التّسجيل: Feb 2009
المشاركات: 1,590
إرسال رسالة عبر MSN إلى الجنرال 2009
إفتراضي

العلم نور والجهل ضلام
ياحليلو لي ماقراش ولي ماتعلمش
رب يجيب الخير لبلاد الامة العربية كافة
امين
وشكرا
الجنرال 2009 غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:

بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع

Powered by vBulletin Version 3.7.3
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
 
  . : AL TAMAYOZ : .